اتفاق يعيد إنتاج الحرب.. لماذا لا يُنتج سلامًا ؟

post-img

معتز منصور/ كاتب وباحث سياسي

في الظاهر، تبدو المفاوضات بين واشنطن وطهران محاولة كلاسيكية لاحتواء التصعيد: وقف إطلاق نار، تخفيف عقوبات، ثم مسار طويل نحو اتفاق أشمل.

هذا التصور هو نفسه نقطة الخلل الأولى في القراءة. إذ إن المسألة ليست نقصًا في التفاصيل التقنية، هو انهيار في الثقة البنيوية التي تجعل أي اتفاق قابلاً للحياة.

إيران لا تنظر إلى الاتفاق بوصفه نهاية لصراع، إنما بوصفه مرحلة ضمن دورة صراع أطول. التجربة مع الولايات المتحدة، خصوصًا بعد الانسحاب من اتفاق العام 2015، لم تخلق فقط شكوكًا سياسية، لقد أعادت تعريف معنى الالتزام ذاته: أي اتفاق لا يحمل آلية منع الانقلاب عليه، هو مجرد هدنة مؤقتة قابلة للتحول إلى منصة تمهيد لحرب لاحقة.

انطلاقًا من هنا؛ يبدأ الانقسام الحقيقي في العقل الإيراني، ليس بين صقور واعتدال، إنما بين رؤيتين للنجاة داخل نظام دولي غير مستقر. رؤية ترى أن إدارة الأوراق، من مضيق هرمز إلى البرنامج النووي، تكفي لتثبيت الردع من دون الذهاب إلى حافة الانفجار. رؤية أخرى ترى أن الردع نفسه لا يُفهم إلا برفع كلفة الحرب إلى مستوى يمنع أصلًا التفكير فيها. في الحالين، لا أحد يتعامل مع الاتفاق على أنه ضمانة، بل هو أداة مؤقتة في ميزان قوى متحرك.

الولايات المتحدة، من جهتها، لا تبدو في وعي طهران كتلة سياسية واحدة يمكن التنبؤ بها. التبدل بين الإدارات، وتغير مقاربات القوة بين التصعيد والاحتواء، خلقا صورة مختلفة: ليس هناك "أمريكا واحدة"، بل سلسلة مواقف متغيرة تعيد تعريف التهديد نفسه كل بضع سنوات. هذه اللامركزية في القرار تجعل أي ضمانة أمريكية أقرب إلى احتمال سياسي منها إلى التزام استراتيجي.

في قلب هذه المعادلة، لا ييبقى لملف النووي مسألة تقنية، هو تحول إلى "زمن استراتيجي". إذ إن امتلاك القدرة على الاختراق، خلال أسابيع، لا يعني فقط امتلاك سلاح محتمل، أيضًا امتلاك قدرة على التحكم بإيقاع الصراع نفسه. هنا؛ يتحول التخصيب من ملف تفاوضي إلى أداة ضغط وجودية، لأن قيمته لا تكمن في النتيجة، بل في سرعة التحول من وضع إلى آخر.

بالتوازي، يتحول مضيق هرمز من ممر بحري إلى عقدة في هندسة الاقتصاد العالمي. السيطرة عليه لا تُقرأ على أنها تهديد مباشر فقط، بل هي قدرة على إعادة تسعير المخاطر الدولية وخلق ضغط غير عسكري على سلاسل التجارة والطاقة. هذه ليست ورقة تفاوض، بل نقطة تماس بين الجغرافيا والنظام الاقتصادي العالمي، حين يصبح الردع جزءًا من بنية الاقتصاد لا من ساحة الحرب فقط.

لكن الأخطر في هذه المعادلة ليس تعدد أدوات الردع، بل تحول الردع نفسه إلى منطق إدارة للصراع. لم يعد الهدف منع الحرب فقط، بل إثبات القدرة على تحملها أو فرض كلفتها على الطرف الآخر. بهذا المعنى، الردع لا يُنتج استقرارًا، بل سباقًا مستمرًا على من يملك قدرة أعلى على امتصاص الألم من دون انهيار.

في هذا السياق، ما يُقدَّم في الخطاب الأمريكي على أنه "عرض دبلوماسي مرن"، يُقرأ في طهران على أنه مرحلة تموضع؛ أي تخفيف ضغط لا يُفهم منه أنه تنازل نهائي، بل إعادة توزيع للقوة قبل جولة جديدة من التصعيد. لذلك تصبح الدبلوماسية نفسها جزءًا من دورة الحرب، لا بديلًا عنها.

المعضلة إذًا ليست في غياب اتفاق ممكن، بل في غياب أرضية مشتركة في معنى الاتفاق. واشنطن تبحث عن تقييد طويل الأمد لقدرات إيران، فيما ترى طهران أن أي تقييد غير قابل للعكس هو شكل آخر من العزل الاستراتيجي الذي يُمهّد لضربة لاحقة. بين هذين المنطقين، لا يولد اتفاق مستقر، بل هدنة قابلة لإعادة الانفجار.

في النهاية، ما يبدو صراعًا على النووي أو العقوبات أو الممرات البحرية، هو في جوهره صراع على تعريف الاستقرار نفسه: هل هو تجميد للقوة تحت سقف أمريكي؟ أم توازن رعب قابل للانفلات في أي لحظة؟

طالما لم يُحسم هذا السؤال، سيبقى كل اتفاق محتمل مجرد توقف مؤقت في حرب لم تتوقف فعليًا، بل غيّرت فقط شكلها وإيقاعها.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد