تنظيماتٌ «غير واقعية» لقطاع النحل... في عزِّ الحرب!

post-img

زينب حمود (صحيفة الأخبار)

في 17 أيار الجاري، أصدرت وزارة الزراعة قراراً لـ«تنظيم قطاع تربية النحل وإنتاج العسل»، بهدف تطوير القطاع ورفع الإنتاجية، وتحسين الجودة، وفق المعايير العلمية الحديثة. هذا ما يبدو ظاهرياً، لكن، عند التدقيق في بنوده تتضح خطورته على تربية النحل وحركة المناحل والإنتاج بسبب القيود المفروضة، والإجراءات التنظيمية المستنسخة من الخارج، والتي لا تصلح في لبنان نظراً لضيق مساحته. وبعيداً عن فحوى القرار، كيف تنشغل وزارة الزراعة في تنظيم قطاع وصلت الخسائر فيه، نتيجة العدوان الإسرائيلي، إلى 75% من أصوله؟ وكيف تُبشِّر النحالين بزيادة الإنتاج قبل أن تنقذ مناحلهم من الحصار في الجنوب؟

بعد عدوان 2024، قدّر رئيس «نقابة مربي النحل في الجنوب» عبد الكريم قعفراني الخسائر في قطاع النحل بحوالى «25 ألف قفير نحل، إضافة إلى تراجع الإنتاج السنوي للعسل إلى النصف (من 200 طن إلى 100 طن)». وبعد خسارة الموسم واستشهاد 77 نحالاً، حاول من نجا النهوض من دون الحصول على أي دعم. وأتى نحالو الجبل والشمال والبترون والمتن بقفيرهم إلى الساحل بحثاً عن بيئة جغرافية دافئة لتربية نحلهم. وعندما أتموا التحضيرات، بدأت الحرب، التي يصفها رئيس جمعية مزارعي ونحّالي لبنان علي شقير بـ«الكارثة على النحالين». ليس هناك إحصاء دقيق للخسائر الإجمالية، لكن «يمكن تقديرها بنحو 90 ألف قفير نحل، بما يعادل 75% من القطاع»، وفق شقير، الذي خسر وحده «120 قفير نحل».

في ضوء ذلك، تعلو صرخة النحالين لإنقاذ مناحلهم العالقة في ياطر وزبقين والناقورة وعيتا الشعب وشقرا والغندورية والنبطية وميفدون... من خطر القصف، ومن أثر الروائح الناتجة عن البارود والدخان على سلامة النحل، ومن خطورة إهمالها الذي يؤدي إلى نفوقها. إذ «يجب زيارة المناحل مرة في الأسبوع بالحد الأدنى، خصوصاً في الصيف، لتقديم العلاجات اللازمة وزيادة أقراص الشمع».

لذا، طلبت وزارة الزراعة من النحالين تعبئة طلب نقل المناحل من الجنوب أو الكشف عليها عبر رابط إلكتروني، ثم نقلت 2500 قفير نحل فقط من الجنوب، «بطريقة غير مسؤولة، إذ تدخلت الوساطات والمحسوبيات»، وفق شقير. وانتقد النحال خلدون فنيش على «فايسبوك»: «التمييز الطائفي والمناطقي بين نحل حاصبيا ونحل الشريط الحدودي». وقال إن «الوزارة لم تتجاوب مع مطلبي لنقل نحلاتي إلى البياضة، لكنها قامت بنقل نحل من حاصبيا إلى صيدا»، متخوفاً من خسارة قفرانه للمرة الثانية، بعدما خسر 75 قفير نحل في الحرب الماضية. نحالون آخرون نقلوا قفرانهم بمواكبة الجيش اللبناني، مستفيدين من علاقاتهم الشخصية.

تنظيمات غير واقعية

وبينما كان النحالون ينتظرون من الوزارة المعنية بقطاعهم إجراءات إغاثية، ويرسلون إليها صور مناحلهم ومواقعها، من دون فائدة، تفاجأوا بـ«تهريب» قرار لتنظيم قطاع النحل في عزّ الحرب، وصدر على عجل، قبل استكمال النقاشات اللازمة مع المعنيين.

في التفاصيل، دعت وزارة الزراعة الجمعيات والنقابات والجهات لمناقشة مسودة القرار، وتمّ الاتفاق على منحها مهلة لتقديم الملاحظات والاقتراحات. وبعدما قامت الجهات المعنية بإعدادها فعلاً، «تفاجأنا بإصدار القرار بصيغته المقترحة، من دون دعوة المعنيين إلى الاجتماع النهائي أو الأخذ بمعظم ملاحظاتهم، ما يعني أن دعوتنا كانت شكلية فقط»، يقول بيان لـ«نقابة مربي النحل في الجنوب».

تعرض القرار لانتقادات واسعة من النحالين والتجار والجمعيات والنقابات المعنية، وتحذيرات من بعض الإجراءات التنظيمية الواردة فيه، ولا سيما تلك المتعلقة بـ«إشراف وزارة الزراعة، عبر المراكز الزراعية التابعة لها، على تنظيم توزيع المناحل على الأراضي اللبنانية، بالتنسيق مع البلديات والمخاتير والتعاونيات والنقابات والجمعيات المتخصصة، والحصول على إذن مسبق قبل إنشاء أي منحل ثابت أو مؤقت أو استضافة خلايا نحل، مع تحديد معايير تفصيلية للأعداد والمواقع».

«جميعة مزارعي ونحالي لبنان المتجدد» ترى أن تطبيق ذلك عملياً في لبنان «أمر صعب وغير واقعي، نظراً لصغر مساحته الجغرافية والكثافة الكبيرة للمناحل فيه، والتنقل المستمر للنحل، ما يجعل مسألة العزل الوراثي شبه مستحيلة». وتحذر من ربط نقل النحل بموافقات وإشراف البلديات والجمعيات، الذي «قد يدفع نحو المحسوبيات والوساطات، ويعرقل حركة النحالين خلال المواسم والتنقلات الضرورية بحسب الظروف المناخية».

ويعتقد رئيس الجمعية علي شقير أن «القرار سيحوّل قطاع النحل من قطاع منتج إلى فعل هواة، وأنه جاء نتيجة استنتساخ قوانين غربية هجينة على بلد مثل لبنان، ليثير الفتنة مناطقياً وطائفياً». ويشرح أن «النحال وصاحب الأرض الذي سيستقبل النحل سيملّون من معمعة الموافقات والأذونات، ومع فرض المسافات الفاصلة بين المناحل، ستجد فقط رُبع المناحل مكاناً لها في الأراضي الزراعية».

على صعيد تربية الملكات، وبموجب القرار، «يُخضع إنشاء محطات إنتاج الملكات لترخيص مسبق من وزارة الزراعة، مع فرض معايير علمية متقدمة. ويُلزم مربي الملكات بإعداد سجلات فنية متخصصة تتضمن البيانات الدقيقة». كما وُضعت ضوابط مشددة لاستيراد الملكات ومُنع استيراد طوائف النحل الكاملة والنحل المرزوم. وحُصر استيراد الملكات بفترات زمنية محددة. هذا كلّه، «يضرّ بتطوير القطاع، لأن الحاجة لاستيراد الملكات المحسنة قائمة على مدار السنة»، وفق الجمعية نفسها، التي تعتبر أن «فرض التسجيل وإجراءات إضافية على العاملين في مجال تربية الملكات يؤدي إلى زيادة الأعباء والتكاليف على النحالين بدلاً من دعمهم وتشجيعهم».

في السياق نفسه، يرى شقير أن «اقتراح استحداث محطات تلقيح الملكات هو أمر مستحيل بحكم ضيق المساحة في لبنان». وعن شروط التسجيل، يعتبر أنها «وُضعت لخدمة مجموعة ضيقة من التجار ستختارهم اللجنة الفنية حُكماً». كذلك، ينتقد شقير إلزام جميع مربي النحل، بمن فيهم الهواة الذين يملكون خلية واحدة، بالتسجيل في سجل المزارعين لدى وزارة الزراعة، لأن ذلك «سيؤدي إلى توسيع دائرة النحالين، وبالتالي يُصعِّب تنظيم القطاع ودعم جميع العاملين فيه».

في الخلاصة، ليست المشكلة تنظيم قطاع النحل، بل التوقيت أولاً، والآلية ثانياً. صحيح أن القرار يشمل أكثر من جانب مهم على صعيد الرقابة على جودة العسل ومنع الغش، وتحديد مواصفات إلزامية لعبوات العسل، وحماية صحة النحل وتعزيز الإدارة السليمة للمناحل، لكن هذه الإجراءات تشبه إلى حدّ بعيد وضع المكياج على جسد ينازع، و«بدل من أن يكحّلها، يُعمِيها»!

90 ألف قفير نحل

هي الخسائر الإجمالية المُقدرة لعدواني 2024 و2026، وتشكل 75% من أصول القطاع في لبنان.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد