نجوى الموسوي/كاتبة وقاصة لبنانية
برز موضوعُ التنبؤ بالحروبِ في روايات أدبيّة كثيرة، ومنها ما تحوّل إلى أعمال فنيّة، مسلسلات أو أفلام؛ لما فيه من جاذبيّة في الأسئلة والتأمّلاتِ الكبرى والعميقة المستحوذة على اهتمام الإنسان.
يُصطلح في تسمية هذا الموضوع "ثيمة ديستوبيا"، وهي تختلف عن "ثيمات" أدب الحرب أو الجبهات أو السجون في عدة جوانب؛ لا سيما على صعيد الحبكة والزمان المستقبلي. في المقالة هنا جولة خاطفة على معنى هذه "الثيمة" ونماذج منها ولمحة عن مضمونها.
الروايات الاستشرافية
يرى بعض النقّاد أن "التنبّؤ أو التحذير من خطر فناء البشرية هو مهمّة سيتولَاها الأدب دائمًا بوصفه حارسًا للوجدان الإنساني"(عزّام 2016). تتميّز روايات التنبّؤ بالحروب بتقنية التشويق؛ لا سيما عندما تُبنى على معطيات علمية وتتحقق مشابِهاتها، حتى إن بعضها صدر بملايين النسخ وتُرجم إلى عدّة لغات في العالم. من تلك الروايات على سبيل المثال لا الحصر: "1984" لِلبريطاني جورج أورويل، و"الجحيم"Enferno) ) للأميركي دان براون و"حرب الكلب الثانية" للفلسطيني إبراهيم نصر الله و"في ممر الفئران" للمصري أحمد خالد توفيق و"فئران أمي حِصّة" للكويتي سعود السنعوسي.
يظهر من ميزات موضوع التنبؤ بالحروب أو "ثيمة الديستوبيا" أن الكاتب يتناول مراحل متخيّلة قادمة لا تقتصر على الماضي والحاضر، ولكنه قد يحشد الأحداث ما المستشرفة لوقوع الحرب في المستقبل، يُظهِر حركة الشخصيات الأساس وغيرها وكأنها مفاصل ومقدّمات لحصول المحظور، ومن تلك المقدّمات يجول القارئ في وقائع تتحدّث مثلًا عن فساد أو خيانة أو فتن أو تسلّح أو تخلٍ عن الواجبات الاجتماعية أو الحكومية أو الفتن الداخلية أو الاستسلام لضغوط خارجية.
بالنسبة إلى أنواع الحروب في روايات "التنبؤ" فهناك التنبؤ بالحروب البيولوجية وتبرز بقوة في رواية "الجحيم" ( إصدار 2013)، فتقوم أحداثها على حبكة "تخطيط" لحرب كونية كبرى، تستخدمُ فيها منظمةٌ سريّة سلاحَ الأمراض البيولوجية لهدف قاتل يمكن أن يؤدي إلى خسارة كمّ هائل من سكان الأرض وذلك بناء على فلسفة للشر تقول بضرورة التخلص من ثلث أبناء الكوكب من البشر عبر نقل أمراض إليه! وقد تذكر العالم هذه الرواية حين عمّت جائحة "كورونا" القارات. ويُذكر أن الشخصيات في الرواية تتنقل في حركة "بوليسية" بين عدة بلدان وأزمنة تثير في القارئ مخاوف من استخدام متوقّع للعلم في أسلحة الدمار طبية وفيروسيّة أو نووية.
أما على صعيد المضمون السياسي؛ فقد كتب جورج أورويل روايته سنة 1948 بعنوان "1984". واتضح من عنوانها أنها تتنبأ بما ستؤول إليه الأحداث بعد 36 سنة من كتابتها. و"مضمونها سياسيٌّ بامتياز، كونها تَنتقد الأنظمة الحاكمة وتُعالج عالم السياسة،(صالح، ٢٠١٧)، أحداث الرواية تدور في إنجلترا، ولكن قد تكون رمزًا لكل مدينة في العالم. في هذه الرواية يتحدّث "أورويل" عن نظام حاكم وأحداث تحتشد فيها خطط أحزاب و"أجندات" تُنفَّذ، وشخصيّات مقموعة وأخرى ناهضة أو مراقَبة من نظامٍ حاكمٍ يكتم الأنفاس، وكلهم يعيشون تجارب تقود نحو حرب بين الشعب والسلطة، حرب سوف تأتي نتيجةً حتمية لتسلسل الأحداث.

الروايات العربية الاستشرافية
في هذا السياق السياسي أيضًا من روايات عربية نقرأ "حربُ الكَلْبِ الثانية" التي تثير أزمة الاختلاف بوجهات النظر؛ إذ يتصدّر فيها مشهد قتل أحد متحاورَين على الهواء مباشرة متحاورًا مقابلا من اتجاه آخر. تدور الحكاية "حول عالم غرائبيّ مرعب تنتشر فيه الفوضى والعنف والفاشية، ولم يختر الكاتب مكانًا محدّدًا أو زمانًا معيّنًا، وإن كان الزمان يوحى إلى اقتراب تحقق نبوءة هذا العالم الفاسد الذى ترسمه الرواية بوضوح.. وسريعًا ما سوف يربط القارئُ العربي الفوضى المتخيّلة داخل الرواية بالفوضى.. منذ سقوط بغداد فى أيدى القوات الأمريكية، وما صاحبه بعد ذلك من تفتّت عدة دول عربية، واشتعال عدّة حروب إقليميّة شرّدت ملايين العرب وحوّلت العالم العربي إلى ما يشبه الديستوبيا الواقعية"(إبراهيم،2018).
أما رواية "في ممر الفئران"، والصادرة في العام 2015، فتغلب عليها أجواء خيالية؛ وقد استشرفت حربًا تنشأ من أسباب اجتماعية وفكرية وسياسية "إذ يحكم أرضَ الظلام مجموعةٌ من ذوي النفوذ، وقد سكنوا أعلى قمم جبال الهملايا ليتمتعوا بالضوء وبأشعة الشمس وبالحياة الطبيعية، ويمارسون سلطتهم الظالمة على سكان أرض الظلام ويحاولون إقناعهم بأنّ النور نقمة والظلام هو النعمة وقدرهم المحتوم! فتستمرّ الصراعات بين هاتين الطبقتين.." (سدر، 2022).
من جهةِ روايةِ "فئران أمي حصة" فقد رأى محلّلون أنها تحذّرُ من طاعون الطائفية وصراعاتٍ دينيّة "إيديولوجية" قد تؤدّي إلى حروبٍ عسكريّة وانقساماتٍ جغرافيّة، وتنبِّه إلى خطورة فكرة محو الآخر وتحتوي على نبوءة تشاءميّة. يرسم الكاتب فيها "مجريات مأساوية تنطلق من استشرافه للمستقبل وتحذيره من الخطر القادم، حيث تتداعى الأحداث، فتعمّ الفوضى بسبب تصاعد الطائفيّة مع عدم التحرّك الكافي لوأد الفتنة ويحدث الاقتتال وما يصاحبه من أحداث تراكميّة وتفاصيل فجائية من جراء الاحتراب الأهلي"(موقع جريدة الطليعة، 2016).
يتخيّل السنعوسي في روايته أحداثًا تنشأ عن فتنة وتصل إلى معارك تحوّل المكان المألوف الى دخان "كأنه منفضة سجائر" كبرى (ص 374)؛ ويصوّر حواجز على الطرقات تصطاد شخصيات الرواية الأصدقاء بحسب هويتهم الطائفية أو مذهبهم(ص327). كادت الحرب تمزق صداقة العمر، وعُدّت الرواية تنبؤية؛ لأن زمن السرد المستقبلي المتخيّل فيها هو بعد خمس سنوات من زمن إصدارها، وهناك من صنّفها "رسالة تحذيرية توجّه العيون لخطورة الطائفية، وتدعو لإيجاد سبل التعـايش وتقوية أواصر المحبة التي تنبع من صدق الانتماء والإنسانية الحقّة لحماية مستقبل الكويت" (عثمان، 2018).
عمومًا، معطياتٌ عديدة ساهمت في وضع أي رواية في مصاف الروايات التنبؤية ومنها الأجواء الغرائبية والزمن الخيالي، إلى جانب كثير من الأفكار الاستشرافية الواردة وتوقّعات المعارك والحصارات والسجون والإبادة والتجويع والتشرّد والقتل بسبب الاختلاف والمطامع وفلسفات شريرة وغيرها..
جاءت نهايات تلك الروايات غالبًا مفتوحة على التحذير من شرّ الحروب والجشع وسوء الأخلاق الشيطانية التي تؤدّي إلى فساد البلاد والعباد، كما جاءت مفتوحة على التفكير في الأمل أو حتى في اليأس ولكن مع الاستعداد للتغلب على الكوارث إن وقعت؛ وهذا راشد (الشخصية الأساس) في "حرب الكلب الثانية" يرى أن "المستقبل دائمًا أفضل شريك لتطوير العمل.. وحتى أسير الأمل يحتضن قلبُه شيئًا من اليأس، لأنه يأمل دائمًا أن يجد الحل فى الوقت المناسب إذا ما داهمه مكروهٌ، أما أسير اليأس فهو لا يفعل شيئًا سوى تجهيز نفسه لكي يكون حاضرًا عند وصول الكارثة" (الرواية ص 67)، وبعد كل ما تحقق يجدر السؤال: عن أي نوع أو جيلٍ من الحروب سنقرأ روايات إبداعية تنبّؤية في المدى المنظور يا تُرى؟

أبرز المراجع:
- عزام، ممدوح: مجلة العربي الجديد، 2026، العدد 4243، السنة الحادية عشر.
1- لحبيب ايت صالح ٢٠١٧https://www.aljazeera.net
2- سمر سدر 2022 https://khaerjalees.com
3- إبراهيم عاطف إبراهيم ٢٠١٨ https://alketaba.com
4- المحرر الثقافي في جريدة الطليعة. https://altaleea.com/?p=16635
5- رسالة ماجيستير وفاء جبر عثمان جامعة الكويت.تجربة سعود السنعوسي الروائية - دراسة تحليلية نقدية، رواية فئران أمي حصة أنموذجًا.