د. ليلى شمس الدين/باحثة في الأنثروبولوجيا والإعلام
نحن أمام حدث يُنحت لا نصًّا يُكتب .. لحظات تاريخية، تُمثّل عودة الإنسان إلى المعنى، لا إلى المكان فقط.. فبين الخوف والذاكرة، اختار الناس العودة لا لأنه خيار سكني، بل لأنه فعل وجودي يعيد تعريف الأرض والإنسان. فنرى العودة هنا، لا تمثّل نهاية حرب، بل بدايتها الوطنية والإنسانية.
مع أن صورة المستقبل لم تُحسم أمامهم، ومع ذلك، لم ينتظروا إعلان النصر، لأنّهم أسهموا في صنعه، بصمودهم وصبرهم وتضحياتهم وآلامهم وعنفوانهم وعزّتهم ووطنيتهم. مع أنّ السبل لم تكن آمنة، ولا السماء مطمئنة، ولا الأخبار حاسمة، لكن شيئًا واحدًا كان جلّيًا بالنسبة إليهم: أنّ الغياب لم يعد ممكنًا.. فالإنسان قد يتحمّل الخوف، لكنّه لا يتحمّل أن يُقتلع من معناه.
لذلك عادوا. عادوا سالكين طرقٍ لم تُؤمَّن، وعبروا أنهارًا ما تزال تحت الخطر، وردموا الجسور المدمّرة. عانوا ما عانوا، لكنّهم عادوا.. مشوا، وتعبوا، وحملوا ما تبقّى من أشيائهم، وما لم يُرَ من ذاكرة وحياة. عادوا إلى بيوت لم تعد كما كانت، لكنهم عادوا كما هم، أثقل.. وأصدق. والعودة تواجه العدو، وتقول ببساطة: لم ولن تنجحوا أبدًا.
-
العودة بين الذات والمكان
-
العودة استعادة للذات
يرى فرانتس عمر فانون أنّ الاستعمار لا يقتصر على السيطرة المادية، إنما يتغلغل في البنية النفسية للإنسان، ضمن هذا الإطار، يمكن فهم العودة بوصفها فعلًا تحرّريًا يعيد للإنسان موقعه فاعلًا، لا موضوعًا للسيطرة. والعودة، في هذا السياق، ليست رجوعًا إلى المكان فحسب، هي استعادة للقدرة على اتخاذ القرار في وجه منظومة تسعى إلى نزع هذه القدرة.
-
المكان.. خطاب ومعنى
يُظهر إدوارد سعيد أنّ المكان ليس معطىً محايدًا، هو نتاج خطابات وصراعات على المعنى. وعليه، فإنّ تهجير السكان لا يهدف فقط إلى إخلاء الأرض، بل إلى إعادة تعريفها. في هذا الإطار، تصبح العودة فعلًا مضادًا لإعادة كتابة المكان. إنها إعلان ضمني، بأنّ "هذا المكان لا يزال يحمل معناي".
-
العودة .. إعادة إنتاج الحياة
عندما يُقتلع الإنسان من بيئته، لا يفقد فقط مكانه، بل يتعرّض نظامه العملي للاهتزاز. هكذا، يقدّم بيار بورديو مفهوم "الهابيتوس" بوصفه منظومة من الممارسات المتجسّدة التي تشكّل علاقة الإنسان بالعالم. وبالتالي، فإن العودة تمثّل محاولة لإعادة تفعيل هذا الهابيتوس، والمتمثّل بإعادة فتح الأبواب، وإعادة ترتيب الأشياء، كما إعادة تفعيل الروتين اليومي.. أي أنّها إعادة تشغيل للحياة بوصفها نظامًا من المعاني المتجسّدة.
-
العودة فعل مقاومة
لم تكن عودتهم فعلًا جغرافيًا، بل فعل سيادي وجودي، شهدنا مقاوَمَة تنبض لتحمي الأرواح، ويشرّع شيبتها وشبابها أبواب المواطنة على مصراعيها، ويسمع العالم صوتها وهي تقول: نحن هنا باقون ما بقي الزعتر والزيتون. هنا، تتغيّر المعادلة، فالعودة لم تكن أبدًا انتقالًا من نقطة إلى أخرى. إنّها، ببساطة، إعلان صامت بأنّ الإنسان لا يقبل أن يُقتلع من معناه. في نشرات الأخبار، تُقاس الحروب بعدد الضحايا. وفي التحليلات، تُقاس بالخسائر والمكاسب. لكن في حياة الناس، هناك مقياس آخر: هل ما زلنا نستطيع العودة؟ وما دام هناك من يعبر نهرًا، أو يسلك طريقًا محفوفًا بالخطر، ليفتح باب بيته، أو ليسجد شاكرًا على ركامه ويقول: نحن هنا… فإنّ القصة لم تنتهِ بعد.
-
إعادة تعريف الزمن
تقوم الحروب على منطق التعليق: تعليق الحياة وتعليق الزمن وتعليق المستقبل. إلاّ أنّ العائدين يخرقون هذا المنطق، فهم لا ينتظرون الوقت المناسب، بل يخلقون زمنهم الخاص. فتغدو العودة هنا ليست نهاية مرحلة، بل بداية زمن بديل، يُبنى داخل الهشاشة لا بعدها.
-
الجسد أداة للقرار
في مشاهد العودة، يبرز الجسد بوصفه عنصرًا مركزيًا، فالأقدام تمشي لمسافات طويلة، والأيد تحمل ما تحمل، والعيون تراقب الطريق. لذا، لا يُختزل الجسد في كونه ضحية، بل يتحوّل إلى وسيلة تنفيذ القرار الوجودي بالعودة. إنّه الجسد الذي يكتب فعل العودة على الأرض.
-
العودة.. إنتاج للنسيج الاجتماعي
لا يعود الناس إلى بيوت فقط، بل يعودون إلى الجار الذي ينتظر، والطريق الذي يُعرف، والأصوات التي تشكّل الإحساس بالألفة. وفي هذا المعنى، فإنّ العودة هي إعادة إنتاج للمجتمع في حدّه الأدنى، حتى في غياب الدولة أو الاستقرار.
-
العودة.. لا عائق لها
على خلاف التصوّر العقلاني الذي يربط القرار بالوضوح، تكشف حالات العودة أنّ البشر قادرون على اتخاذ قرارات مصيرية في ظل غياب اليقين. فالعودة هنا لا تلغي الخوف، بل تتجاوزه، وهذا ما يمنحها طابعها الإنساني العميق.في علم السياسة، قد تُقاس الحروب بنتائجها العسكرية، وفي الإعلام، تُقاس بعدد الضحايا والخسائر. لكن في حياة الناس تُقاس بإصرار واحد على العودة، ليُثبتوا أنّه على الرغم من كل شيء، إنّهم المنتصرون. فالحرب قد تُجبر الناس على الرحيل… لكنها لا شك تفشل حين يبدأون بالعودة.
في نهاية المطاف، العودة ليست مجرد حركة في المكان، بل إعلان مستمر بأنّ الإنسان، رغم كل شيء، قاوم الحرب وتبعاتها، ولهذا لم تنجح في تحقيق غايتها الأعمق، محو المعنى. وفي هذا الظرف من الزمن، لا ينتظر الناس الأمان ليعودوا، بل ما يهمهم صناعة معنى الحياة، على الرغم من إدراكهم أنّ هناك أحبة رحلوا، لكنّهم يتخطّون آلامهم، لأنّ القصّة الأعمق تبدأ حين يقرّر الناس أن يعودوا قبل أن يُسمح لهم بذلك.
-
الذاكرة.. ودوافع العودة
لو استرجعنا الأدبيات التقليدية، لوجدنا أنّ مفهوم العودة يرتبط بإعادة الإعمار كما بالاستقرار السياسي. إلاّ أنّ ما نشهده هذه الأيام، على أرض هذا الوطن، يتجاوز هذا التصوّر. فالعودة هنا تحدث قبل اكتمال شروطها الموضوعية، بل في ظل استمرار التهديد. فماذا يعني أن يعود الإنسان إلى مكانه بينما الحرب لم تنتهِ بعد؟الحرب تعمل بمنطق واضح لا لبس فيه، إخافة الناس، ودفعهم إلى الرحيل، إضافة إلى كسر استمراريتهم. لكن ما لم يُحسب في هذا المنطق، هو أنّ هناك شيئًا لا يُقاس بالخوف وحده، ويتمثّل في علاقة الإنسان بمكانه.
هذه العلاقة ليست ملكية، وليست بيتًا فقط. إنّها أصوات، ووجوه، وتعلّق وعشق لأرض الآباء والأجداد، وتفاصيل صغيرة تصنع شعورًا لا يمكن استبداله. وهنا، تصبح العودة فعلًا مختلفًا، ليست استعادة لمكان، بل استعادة للذات..وحين يمشي الناس عائدين، فإن أجسادهم تتحوّل إلى خريطة مقاومة، فتقول ما لا تقوله البيانات السياسية. لقد قرّروا أن يعيشوا، رافضين أن تتحوّل حياتهم إلى حالة مؤجّلة. وقد يقول البعض: كيف يعودون والخطر لم ينتهِ؟ لكن السؤال الأعمق هو: كيف لا يعودون؟ كيف يمكن لإنسان أن يبقى بعيدًا عن مكانٍ يحمل ذاكرته.. وتاريخه، وأطفاله.. وأيامه وساعاته؟
.jpg)
صحيح، أنّ الحروب قد تفرض الرحيل، لكنها لا تنجح دائمًا في فرض الغياب. في هذا المشهد، لا تبدو العودة فعل تحدٍّ صاخب فقط، ولا خطابًا سياسيًا، ولا حتى موقفًا معلنًا. بل تبدو كما هي فعلًا: حياة تُستأنف رغم كل شي، فتُربك منطق الحرب نفسه. مع أنّ الحرب في جوهرها، لا تريد فقط السيطرة على الأرض، بل تريد كسر العلاقة بين الإنسان ومعناه. عندها تأتي العودة لترفع راية النصر الذي تحقّق.
-
المراجع
- Bourdieu, P. (1990). The logic of practice. Stanford University Press.
- Fanon, F. (1963). The wretched of the earth. Grove Press.
- Said, E. W. (1978). Orientalism. Pantheon Books.
- Chatty, D. (2010). Displacement and dispossession in the modern Middle East. Cambridge University Press.
- Hammond, L. (2004). This place will become home: Refugee repatriation to Ethiopia. Journal of Refugee Studies.
- Peteet, J. (2005). Landscape of hope and despair: Palestinian refugee camps. University of Pennsylvania Press.
- Turton, D. (2005). The meaning of place in a world of movement: Lessons from long-term field research in southern Ethiopia. Journal of Refugee Studies.