اوراق خاصة

السلام الوهم.. ماذا حصدت الدول التي أبرمته مع "إسرائيل"؟

post-img

معتز منصور/ كاتب وباحث سياسي

المشكلة، في العالم العربي، لم تكن يومًا في كلمة السلام نفسها، إنما في الطريقة التي جرى بها تسويقها. قُدِّم السلامـ على مدى عقود، بوصفه مفتاح الاستقرار ومدخل الازدهار ونهاية الحروب وبوابة الاندماج في العالم الحديث. وقيل لشعوب المنطقة إن المشكلة هي رفض التكيف مع إسرائيل وليس رفض وجودها. هكذا جرى تحويل الصراع من قضية احتلال وعدوان إلى سوء تفاهم قابل للحل بالمصافحة والصور الرسمية.

بعد عقود من هذا الخطاب، يحق لنا السؤال ببساطة: ماذا حصدت هذع الدول التي أبرمت السلام مع إسرائيل؟

إذا أردنا الجواب بعيدًا عن الشعارات، فعلينا أولًا التمييز بين وقف الحرب التقليدية وبين تحقيق السلام الحقيقي. الأول؛ قد يُفرض بتوقيع اتفاق، أما الثاني فيحتاج عدالة وسيادة وتوازن مصالح واعترافًا بالحقوق. لكن ما جرى، في أغلب التجارب العربية، لم يكن هذا ولا ذاك، بل تجميدًا للصراع بشروط إسرائيلية، مع بقاء أسبابه حية تحت السطح.

في مصر، استُعيدت سيناء، وهذه حقيقة لا يجوز إنكارها. لكن في المقابل نشأ ما يمكن وصفه بسلام بارد، دولة ترتبط بمعاهدة مستقرة، وشعب لم يقتنع يومًا بأن إسرائيل تحولت إلى جار طبيعي. لم تُحل القضية الفلسطينية، ولم تتوقف الاعتداءات الإسرائيلية، ولم يتحول الاتفاق إلى شراكة إقليمية منتجة. بقيت المعاهدة إطارًا أمنيًا ينظّم الحدود أكثر مما يصنع سلامًا بين الشعوب.

في الأردن، تحقق استقرار حدودي وتنسيق مائي وأمني، لكن هل أنهى ذلك معضلات الدول الكبرى؟ هل حل أزماتها الاقتصادية البنيوية؟ هل أزال الضغط السياسي والديموغرافي المتصل بفلسطين؟  الواقع يقول: لا. بقي الأردن محكومًا بتوازنات معقدة، في حين ظلت إسرائيل تتصرف بصفتها القوة الأعلى القادرة على فرض الوقائع حين تريد.

بعد ذلك؛ جاءت موجة الاتفاقات الأحدث، والتي بُنيت على خطاب مختلف: التكنولوجيا، الاستثمار، الشراكات الذكية، تجاوز الماضي. قيل إن المنطقة ستدخل عصر ما بعد الأيديولوجيا، وأن المصالح الاقتصادية ستطوي ملفات الصراع. لكن ما الذي حدث؟ استمرت الحروب، وتصاعد الاستيطان، وتكررت الاعتداءات، وانكشفت هشاشة الرهان على أن إسرائيل يمكن أن تتحول إلى شريك طبيعي من دون أن تغيّر سلوكها الأصلي إزاء الفلسطينيين والمنطقة.

المشكلة الجوهرية أن إسرائيل لم تتعامل مع السلام، في معظم تجاربها، على أنه تسوية متوازنة، بل عدّته أداة لتحييد الجوار وتفريغ البيئة الاستراتيجية من الخصوم. هي تريد حدودًا هادئة وأسواقًا مفتوحة وتعاونًا أمنيًا، من دون أن تدفع أثمانًا سياسية حقيقية تتصل بالاحتلال والحقوق والسيادة الفلسطينية. أي أنها تريد فوائد السلام من دون التزاماته، ومكاسب التطبيع من دون إنهاء أسباب الصراع.

ما سُمّي سلامًا مع إسرائيل لم يكن في أغلب تجاربه العربية سوى إدارة رسمية للهزيمة. توقفت الحروب التقليدية، لكن بقي الاحتلال، واستمرت الهيمنة، واتسعت الفجوة في القوة. لم تُحل أسباب النزاع، بل أُعيد تغليفها بلغة دبلوماسية ناعمة، وأُعطيت أسماء براقة تخفي جوهرها القاسي.

هذا الواقع؛ لا يعني أن بعض الدول لم تحصل على مكاسب محددة. هناك ترتيبات أمنية وفرص اقتصادية جزئية وهوامش حركة دبلوماسية أوسع. لكن الفجوة بين المعلن والمتحقق بقيت هائلة. قيل للناس استقرار شامل، فجاء استقرار هش. قيل ازدهار واسع، فجاءت فوائد انتقائية للنخب والقطاعات المرتبطة. قيل نهاية التوتر، فعادت المنطقة إلى دورات تصعيد متكررة كلما قررت إسرائيل توسيع عدوانها.

الأخطر من ذلك أن هذا السلام، حين يُفرض من أعلى ويبقى منفصلًا عن المزاج الشعبي، يتحول إلى ترتيبات دولة لا إلى مصالحة مجتمعية. وهذا ما رأيناه مرارًا. سفارات مفتوحة، واتفاقات قائمة، لكن القبول الشعبي محدود والشك عميق والصورة الذهنية لإسرائيل بوصفها قوة استعمارية لم تتغير؛ لأن الصور لا تغيّرها البيانات، بل السلوك على الأرض.

في المقابل، جرى تشويه كل من حذّر من هذه النتائج. وُصِف الرافضون بأنهم أسرى الماضي وأعداء التنمية، وأنهم لا يفهمون لغة العصر. لكن السنوات أثبتت أن السؤال لم يكن عاطفيًا كما قيل، بل واقعيًا: هل يمكن بناء استقرار دائم مع كيان ما يزال يرى التفوق العسكري بديلًا عن العدالة السياسية؟ التجربة العربية أجابت بالنفي أكثر مما أجابت بالإيجاب.

الأوضح من كل شيء أن الدول التي عقدت السلام لم تحصل على قدرة للتأثير في القرار الإسرائيلي؛ بقدر ما حصلت إسرائيل على قدرة أكبر للتحرك من دون خشية الجبهات التقليدية.. أي أن المكسب الاستراتيجي كان إسرائيليًا في جوهره، فيما اكتفى العرب بإدارة الخسارة وتجميلها.

بعد عقود من التجارب، يمكن تلخيص المشهد بجملة واحدة: ما أُبرم مع إسرائيل أوقف بعض الحروب، لكنه لم يصنع سلامًا، بل أدار اختلال القوة لمصلحة الطرف الأقوى. بقيت الأرض محتلة، والحقوق معلقة، والتفوق الإسرائيلي قائمًا، والتوتر قابلًا للعودة في أي لحظة.

لهذا لا تكفي الصور ولا التواقيع.. فالسلام الحقيقي لا يُقاس بعدد الاتفاقات، إنما بعدد المظالم التي انتهت. وفي الدول العربية لم تنتهِ المظالم، لقد تغيرت لغتها فقط.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد