د. زينب الطحان/كاتبة وأستاذة جامعية
بينما كانت آلة الحرب الإسرائيلية تراهن على "تغيير وجه الشرق الأوسط"، في عملية أسموها غرورًا وعدوانًا "زئير الأسد"، استفاقت "تل أبيب"، في صباح السابع عشر من نيسان/أبريل 2026، على وقع "مواء القطط" كما وصفته صحافة العدو.
إن مشهد عودة أهالي جنوب لبنان السريعة إلى قراهم، فوق الجسور المحطمة التي لمّا يجف ركامها بعد، هو إعلان ميداني لفشل استراتيجية الردع الإسرائيلية وسقوط الوعود السياسية الكبرى.
الداخل الإسرائيلي.. الانكسار بين "نكث الوعود" و"فخاخ ترامب"
يعيش من يُسمى "المجتمع الإسرائيلي" حالًا من الإحباط الوجودي؛ فالمستوطنون الذين وُعدوا بمنطقة عازلة حتى نهر الليطاني اللبناني، من جهة فلسطين الشمالية المحتلة، وبمنع عودة 600 ألف لبناني، وجدوا أنفسهم مجدداً "رهائن" لمزاج سياسي متخبط وقوة عسكرية مقيدة بضغوط دولية.
يبرز هذا الإحباط في:
1. تآكل الثقة في القيادة: تبرز عبارات المستوطنين في "أفيفيم": "نحن رهائن لحزب الله وحكومة إسرائيل"؛ حجم الفجوة بين تصريحات وزير الحرب يسرائيل كاتس الذي توعد بالسيطرة الأمنية، وبين الواقع الذي يرى فيه الإسرائيليون اللبنانيين يعيدون ترميم جسر القاسمية في ساعات.
2. الخسارة الاستراتيجية: صحيفة "معاريف" لخصت المشهد بمرارة: "خرجنا لزئير الأسد وعدنا بمواء القط". هذا الوصف يعكس قناعة داخل الجيش بأن القيود الأمريكية التي فرضها دونالد ترامب وضعت نتنياهو في "زاوية ضيقة"، حيث لم يتحقق أي هدف من أهداف الحرب الكبرى؛ فلا حزب الله نُزع سلاحه، ولا النظام الإيراني تراجع.
.jpg)
الموقف اللبناني.. عودة "الانتصارات" وفرض معادلة الميدان
في المقلب الآخر، يرى اللبنانيون، في وقف إطلاق النار، "خضوعاً إسرائيلياً" للإرادة الأمريكية التي اصطدمت بصمود أسطوري للمقاومة.
نرى ذلك في الجوانب الآتية:
1. زمن الانتصارات: تتصاعد السردية اللبنانية لتؤكد أن السيادة لا تُستجدى؛ إنما تُنتزع بالدماء والدموع. عودة الأهالي إلى القرى؛ "سواء كانت سليمة أم مدمرة" هي الفعل المقاوم الأبلغ؛ فهي إبطال مادي لمفاعيل الحرب النفسية التي حاول العدو فرضها عبر تدمير البنى التحتية والجسور.
2. تحدي السلطة والوحدة الوطنية: تبرز المطالبة بحكومة وحدة وطنيةكضرورة لحماية السلم الأهلي ومنع التدخلات الخارجية (الأمريكية-السعودية). إن المقاومة فرضت "وقائع ميدانية" جديدة لا يمكن للسياسة تجاوزها، وأن أي محاولة إسرائيلية للتحايل على الاتفاق ستُجابه برد "من دون استئذان".
الرؤية الإيرانية.. انتصار النموذج وثبات المحور
تأتي رسالة العميد إسماعيل قاآني لتضع النقاط على الحروف من منظور طهران، والتي رأت أن النتائج هي ثمرة الصمود الراسخ ودعم الجمهورية الإسلامية.
يظهر ذلك في أن:
1. طهران مرجع نهائي: يشير المحللون الإسرائيليون (مثل أفي أشكنازي) بمرارة إلى أن الصور الدبلوماسية للسفراء في واشنطن هي مجرد قشور، في حين "من يحدد قواعد اللعبة على الحدود الشمالية هم قادة الحرس الثوري في طهران".
2. هيهات منا الذلة: الخطاب الإيراني يركز على أن حزب الله لم يكسر شعاره التاريخي، وأن وقف إطلاق النار هو اعتراف ضمني بعجز إسرائيل والولايات المتحدة عن كسر إرادة المقاومة الإسلامية.
مخاض النظام الجديد
إن ما حدث، في نيسان 2026، يؤكد أن "التعادل البارد" الذي تتحدث عنه إسرائيل هو في الحقيقة نصر ساخن للمقاومة. إذ بينما يغرق المستوطنون في خيبات صناديق الاقتراع وغرفهم غير المحصنة، يضج الجنوب اللبناني بأهله الذين يعيدون بناء "القطرات" لتشكيل بحر الصمود مجدداً.

لقد أثبت الميدان أن ذكاء المقاومة في خططها العسكرية، والمدعوم بالعمق الاستراتيجي الإيراني، نجح في تحويل الآلة التكنولوجية الإسرائيلية إلى أداة مشلولة، لتظل الحقيقة الثابتة: لا يمكن لوعود كاتس الفارغة أن توقف تدفق الناس نحو أرضهم، ولا لضغوط ترامب أن تقتلع جذور المقاومة من الليطاني.
هذا ما تثبته أصوات النازحين اللبنانيين العائدين إلى قراهم وبلداتهم وضاحيتهم الجنوبية؛ والتي تقول في صرخة عالية: "يا سيد، انظر إلى أبنائك؛ وهم يعيدون إلينا زمن الانتصارات."