ليست الحرب في النظام الرأسمالي الإمبريالي حادثًا عرضيًا، ولا انحرافًا أخلاقيًا مؤقّتًا يمكن تفسيره بسوء القيادة أو بأخطاء السياسة الخارجية، بل هي وظيفة بنيوية في عملية إعادة إنتاج الهيمنة العالمية. فالإمبريالية لا تقوم فقط على السيطرة العسكرية المباشرة، بل على منظومة متكاملة من نقل القيمة، والهيمنة المالية، واحتكار السرد الإعلامي، وتسليح القانون، وإعادة تعريف العنف نفسه بحيث يصبح عنف المركز «أمنًا» و«دفاعًا عن الديمقراطية»، بينما تُجرَّم مقاومة الشعوب بوصفها «إرهابًا» أو «تهديدًا للنظام الدولي».
من هنا، فإنّ فهم الحرب المعاصرة—من غزة إلى إيران، ومن فنزويلا إلى العراق وليبيا—لا يمكن أن يتم عبر اللغة الليبرالية السائدة التي تفصل الاقتصاد عن الجغرافيا السياسية، أو تفصل الرأسمالية عن العنف المنظّم. فالحرب ليست خارج الاقتصاد؛ إنها أحد أشكاله العليا.
الحرب آلية تراكم لا فشل سياسيًا
أحد أكبر الأوهام الليبرالية هو اعتبار الحرب فشلًا للدبلوماسية أو ابتعادًا مؤقّتًا عن «الطبيعة السلمية» للرأسمالية. لكنّ التاريخ الإمبريالي، من الهند البريطانية إلى فلسطين، يثبت العكس: الحرب هي أداة منتظمة لإعادة تنظيم شروط التراكم. كما بيّنت الباحثة الهندية أوتسا باتنايك في تحليلها لمسألة «نزيف الهند»، لم يكن الاستعمار البريطاني مجرد احتلال سياسي، بل كان نظامًا منظّمًا لنقل الفائض الاقتصادي من الهند إلى بريطانيا عبر التجارة القسرية، والخدع المالية (مثل خدعة سندات المجلس) والضرائب، وحتى تصدير الغذاء أثناء المجاعات نفسها. لم تكن المجاعة حدثًا طبيعيًا، بل كانت شكلًا من أشكال الحرب الاقتصادية المستمرة.
المنطق نفسه يتكرر اليوم بأشكال أكثر تطورًا. فالعقوبات، وتجميد الأصول السيادية، والحصار المالي، والاستيلاء على الاحتياطيات الوطنية، كلها أدوات حرب اقتصادية حديثة. إن الاستيلاء على الأصول الإيرانية والفنزويلية أو العراقية مثلًا، واستخدام نظام التحويلات المالي (سويفت) كسلاح سياسي، كل هذه الأساليب ليست «عقوبات» بالمعنى الإداري، بل جباية إمبريالية معاصرة.
وكما يوضح علي القادري، فإنّ الإمبريالية المعاصرة لم تعد تكتفي بالاستخراج من خلال الدمج، بل انتقلت أيضًا إلى التراكم عبر التدمير: عندما لا يمكن دمج منطقة ما بصورة مربحة وآمنة، يصبح تدميرها نفسه مجالًا لإنتاج القيمة. العراق، ليبيا، سوريا، غزة، ولبنان، كلها أمثلة صارخة على هذا النمط.
من خدعة «النظام القائم على القواعد» إلى الوقاحة العلنية للقوة
خلال العقود الماضية، قدّمت الدول الإمبريالية نفسها بوصفها حامية «النظام الدولي القائم على القواعد»، وراعية الديمقراطية وحقوق الإنسان. ولطالما حاول المطبّلون للاستعمار إقناعنا بأن التقدّم والتنمية والازدهار لا يمكن أن تتأتّى إلا عبر القيم والأخلاق البورجوازية. لكن ما نشهده اليوم هو انهيار متسارع لهذا الغطاء.
لقد أصبحت اللغة أكثر صراحة وأكثر فجاجة. لم تعد الإمبريالية تحتاج دائمًا إلى التبرير الأخلاقي القديم. تصريحات من نوع «سوّوا غزة بالأرض»، أو «لقد سوّينا برلين وطوكيو، ويمكننا أن نفعل الشيء نفسه هنا»، ليست زلات فردية لسيناتور أميركي (لندسي غراهام) أو لرئيس مخبول، بل تعبير صريح عن المنطق الحقيقي الكامن خلف النظام.
عندما يقول وزير الحرب الأميركي إنّ وظيفة القوة الأميركية هي فرض الردع عبر التدمير الشامل، فإننا لا نكون أمام انحراف خطابي، بل أمام إزالة القناع. وعندما يدافع سياسيون وإعلاميون غربيون عن التجويع الجماعي أو قصف المستشفيات والمدارس بوصفه ضرورة أمنيّة، فإنهم لا يخرجون عن النظام الليبرالي، بل يكشفون جوهره حين يشعرون أن الهيمنة أصبحت مُهدَّدة.
إنّ ما يحدث في غزة هو المثال الأكثر كثافة لهذا الانكشاف: إبادة جماعية تُبثّ مباشرة، ومجاعة تُستخدم كسلاح مُعلن، وتدمير منهجي للبنية المدنيّة، مع دعم أميركي وأوروبي كامل. لم يعد هناك حتى محاولات اللجوء إلى الجهد القديم للحفاظ على اتّساق أخلاقي شكلي.
الصهيونية وظيفة إمبريالية لا مسألة محلية
لا يمكن فهم الحرب في فلسطين باعتبارها مجرد نزاع قومي أو صراع حدودي. فالمشروع الصهيوني، منذ نشأته، ارتبط بالبنية الإمبريالية العالمية بوصفه مشروعًا استيطانيًا وظيفيًا. قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الرقم 3379 عام 1975 لم يأتِ من فراغ، بل نصّ صراحة على أنّ «الصهيونية شكل من أشكال العنصرية والتمييز العنصري»، وقد أُقرّ بأغلبية 72 صوتًا مقابل 35، قبل أن يُلغى عام 1991 في سياق إعادة ترتيب النظام العالمي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وضغط الولايات المتحدة من أجل مؤتمر مدريد.
أهمية هذا القرار ليست قانونية فقط، بل تحليلية: فهو يربط بين المشروع الصهيوني ومنطق الاستعمار الاستيطاني، لا بوصفه انحرافًا قوميًّا خاصًا، بل كجزء من بنية عالمية أوسع من السيطرة العرقية والإحلال السكاني.
إسرائيل ليست فقط حليفًا للغرب، بل قاعدة متقدّمة للإمبريالية في قلب المشرق العربي، تؤدّي وظيفة استراتيجية: منع الوحدة الإقليمية، تفتيت المجال العربي، السيطرة على الموارد والممرات، وتحويل المنطقة إلى فضاء دائم للحرب والاستنزاف. لهذا فإن الحرب على غزة ليست مجرد «رد عسكري»، بل جزء من وظيفة تاريخية أعمق ألا وهي إعادة إنتاج الهيمنة الإقليمية عبر الإبادة والتطهير والترويع على المستوى الجماعي.
الإعلام جبهة حرب: تصنيع القبول الجماهيري
الإمبريالية لا تُدار فقط بالدبابات والطائرات، بل أيضًا بإنتاج القبول الجماهيري داخل المركز نفسه. هنا تصبح وسائل الإعلام والمؤسسات الثقافية والجامعات جزءًا من البنية العسكرية. بحيث إنه يحق لنا أن نتكلّم عن «المجمع الصناعي العسكري الأكاديمي».
لقد أصبح اليوم واضحًا أن الإعلام الأميركي والأوروبي لم يكن مجرد ناقل محايد للأخبار، بل مؤسسة عضوية في إعادة إنتاج الرأسمالية، عبر تطبيع علاقات القوة، وتحويل مصالح الشركات الكبرى إلى «مصلحة وطنية»، وتقديم الحرب بوصفها دفاعًا عن الحرية حتى عندما يتعلق الأمر بقتل 168 فتاة، لا تتعدّى أعمارهن 14 سنة، بالإضافة إلى معلماتهن، في مدرسة الشجرة الطيبة في ميناب.
هذا يفسّر كيف يمكن لمجازر جماعية أن تُقدَّم كأعمال دفاعية، وكيف يصبح الاحتلال «نزاعًا معقّدًا»، بينما تُختزل مقاومة الشعوب في صورة «الإرهاب». إن وظيفة الإعلام هنا ليست الكذب المباشر فقط، بل تنظيم الإدراك: جعل ما هو استثنائي يبدو طبيعيًا، وما هو إجرامي يبدو عقلانيًا، وما هو استعماري يبدو دفاعًا عن النفس. لهذا فإننا عندما نقول إن أفضل الديكتاتوريات هي تلك التي تجعلك تعتقد أنّك تعيش في ديمقراطية فلا يجب أن يُفهم هذا أنه حكمة سياسية، بل وصف دقيق لآلية الشرعية في المركز الإمبريالي.
الحرب القانونية: عندما يصبح القانون نفسه سلاحًا
أحد أهم تطورات الإمبريالية المعاصرة هو الانتقال من الاحتلال المباشر إلى الحرب القانونية. لم تعد السيطرة تحتاج دائمًا إلى إنزال عسكري؛ يكفي أمر محكمة في نيويورك أو لندن، أو مجرد قرار إداري لكي يتم فصل دولة عن النظام المالي العالمي وبالتالي التسبب في إحداث خلل أو حتى أزمات اقتصادية.
الاستيلاء على الأصول الفنزويلية، والعقوبات على العراق وإيران وسوريا، وتجميد الاحتياطيات الروسية، كلها أمثلة على هذا التحوّل. الملكية الخاصة نفسها تصبح مشروطة بالولاء الجيوسياسي. هنا تتكشّف الحقيقة التي تتجاهلها الأدبيات المؤسساتية السائدة: «حقوق الملكية» ليست مبدأ عالميًا محايدًا، بل امتياز سياسي يُطبَّق انتقائيًا. ما ينطبق على فنزويلا في النفط والذهب، ينطبق بصورة أكثر جذرية على فلسطين: حيث لا تُنتهك فقط الملكية، بل الوجود نفسه، أي تدمير كل أوجه الحياة والحضارة البشرية ويتم كل هذا تحت حماية النظام القانوني الدولي ذاته.
الإمبراطورية في مرحلة أزمة: لماذا يصبح العنف أكثر علنية؟
السؤال ليس لماذا أصبح النظام أكثر عنفًا، بل لماذا أصبح أقل قدرة على إخفاء عنفه؟
الإجابة تكمن في أزمة التراكم. مع تباطؤ النمو الداخلي في البلدان الاستعمارية، وتراجع فعّالية أدوات الهيمنة التقليدية، وصعود بدائل مثل الصين ودول البريكس ومحاولات إزالة الدولرة، تصبح إدارة الإمبراطورية أكثر تكلفة.
حين لا تكفي الديون، والعقوبات، والمؤسسات المالية، يعود النظام إلى أدواته الأصلية: الحرب المفتوحة، المصادرة المباشرة، والإبادة الجماعية. والتاريخ يشهد أن للإمبريالية باعًا طويلًا في سرقة موارد الشعوب وقتل كل مَن يرفض الهيمنة. بمعنى آخر: الهمجية ليست مرحلة جديدة، بل لحظة انكشاف. الإمبراطورية لا تصبح أكثر وحشية؛ إنها فقط تصبح أكثر وضوحًا وتُظهِر معدنها الحقيقي وقت الأزمات.
خاتمة
إنّ الإمبريالية الحديثة لا يمكن فهمها بوصفها نظامًا اقتصاديًا فقط، ولا بوصفها مشروعًا عسكريًا فقط، بل بوصفها وحدة عضوية بين التراكم والعنف، بين المال والحرب، بين القانون والقصف، بين الإعلام والإبادة. من الهند إلى فلسطين، ومن الخدع والطرق الملتوية إلى التجميد العلني للأصول السيادية، ومن «الرسالة الحضارية» إلى «حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها»، يبقى المنطق واحدًا: نقل القيمة من المستعمرات والدول الخاضعة إلى المراكز الاستعمارية، وضمان استمرار هذا النقل بالقوة عندما تفشل أدوات الشرعية. ولهذا، فإن مقاومة الحرب لا تبدأ فقط برفض القصف، بل بفهم البنية التي تجعل القصف ضرورة اقتصادية وسياسية للنظام نفسه.
الحرب ليست فشل الإمبراطورية. الحرب هي الإمبراطورية عندما تتكلّم بصراحة. وتبقى المقاومة هي السبيل الوحيد لضمان الكرامة والخلاص من نير الاستعمار والعبودية.
النصر للمقاومة.