اوراق مختارة

وقائع من مفاوضات إسلام آباد: من «وديعة» اليورانيوم و«صندوق» الرسوم إلى ملف لبنان

post-img

إبراهيم الأمين/جريدة الأخبار

العقدة الأساسية التي تعترض مسار مفاوضات إسلام آباد، سواء في ما يخصّ إيران أو لبنان أو غيرهما، تكمن في مقاربة الأميركيين للعملية التفاوضية. فهم يجلسون إلى الطاولة، ويفتحون الملفات، وكأنّ الحديث يجري للمرة الأولى، من دون سوابق أو التزامات قائمة.

هذه الخلاصة ينقلها عضو في الوفد الإيراني إلى المفاوضات، موضحًا أن الجانب الأميركي يتجنّب أي مراجعة لما سبق.

هي مقاربة تتكرر في أكثر من ملف، كما حصل في نقاشات وقف الحرب على غزة، حيث بادر الأميركيون إلى سؤال قيادات المقاومة عمّا ينبغي فعله لاحقًا، متجاهلين الأسئلة المرتبطة بالاتفاقات السابقة ومصير مراحلها، ومكتفين بتكرار لازمة: «دعونا من الماضي ولنتحدّث عن المستقبل».

في الحالة اللبنانية، يحاول الجانب الأميركي اعتماد النهج نفسه. فعندما أراد الإيرانيون فتح الملف اللبناني بصورة كاملة، جاء الردّ الأميركي بأن ما حصل سابقًا أصبح من الماضي، مع تكرار عبارة: دعونا نبنِ مشروعًا جديدًا للمستقبل!

واقع الأمر أن الأميركيين لا يتصرّفون من موقع من يعتقد بأنه انتصر فحسب، بل من موقع من يسعى إلى فرض قواعد اللعبة، ويحدّد إطار المفاوضات وبنودها وسقوفها أيضًا. وفي موازاة ذلك، يكرّرون التهديد بالعودة إلى الحرب وتدفيع الإيرانيين واللبنانيين أثمانًا باهظة في حال رفضهم شروط واشنطن للتسوية.

في الملف الإيراني، لا تزال هناك نقاط مركزية عالقة. في مقدّمها، طلب واشنطن إعلانًا إيرانيًا بوقف تخصيب اليورانيوم لمدة لا تقلّ عن عشرين عامًا، مع نقل الكميات المخُصّبة إلى الولايات المتحدة، وإعادة هيكلة البرنامج النووي السلمي ضمن منشآت جديدة فوق الأرض، خاضعة لإشراف كامل من الوكالة الدولية للطاقة الذرية. في المقابل، تؤكد طهران أنها مستعدّة للبحث في وقف التخصيب العالي لفترة محدودة، وليس لعشرين عامًا، وللقبول بتعزيز آليات الرقابة الدولية على البرنامج النووي بعد إعادة تأهيل منشآتها، إضافة إلى إبداء مرونة حيال نقل اليورانيوم المُخصّب إلى دولة صديقة كالصين أو روسيا، على شكل «وديعة».

النقطة الثانية تتصل بملف لم يكن مطروحًا قبل الحرب، ويتعلق بكيفية إدارة مضيق هرمز. فإيران، التي تعتبر أن الحرب غيّرت قواعد الاشتباك، تؤكد أنها لن تبقى في موقع من يوفّر الأمن للممرّات البحرية من دون مقابل. لذلك، تطالب بفرض رسوم على عبور السفن، بدل توفير الأمن لها ولتغطية كلفة إعادة إعمار ما دمّرته الحرب الأميركية. وعندما حاول الأميركيون التمسك بالعودة إلى ما كان عليه الأمر قبل 28 شباط الماضي، جاء الردّ الإيراني بأن الظروف تبدّلت، وأن المضيق كان واحدة من أدوات الأميركيين في التحضير للحرب وفي الحرب نفسها.

في هذا السياق، لم يُظهِر الجانب الأميركي رفضًا مبدئيًا لفكرة الرسوم، بل دخل النقاش في تفاصيلها: من طرح شراكة أميركية - إيرانية في إدارة المضيق، إلى البحث في صيغة لاستثناء بعض السفن من الرسوم، وصولًا إلى القبول بالمبدأ، لكن ضمن آلية محدّدة، إذ اقترحت واشنطن إنشاء صندوق تُحوَّل إليه العائدات في حساب موجود في الولايات المتحدة، على غرار آلية عائدات النفط العراقي، بحيث تتولى واشنطن الإشراف على صرف الأموال، بحجة ضمان توجيهها إلى الأغراض المدنية فقط.

لكن ماذا عن ملف لبنان؟

مع تبلور الصورة، يبدو أننا سنكون أمام مفاجآت كبيرة حول مسار الأمور في هذا الملف، ليس خلال الحرب فحسب، بل قبلها أيضًا. فقد بات واضحًا أنّ المواقف والخطوات التي اتّخذها الرئيسان جوزيف عون ونواف سلام لم تكن خارج سياق الحرب منذ البداية. و«الثرثرة» الأميركية مفيدة في هذا المجال، خصوصًا عندما يكون هناك تنافس جدّي بين أركان الإدارة الأميركية حول الجهة التي تتولّى ملف لبنان.

عندما ناقش الإيرانيون ملف لبنان مع الجانب الباكستاني، كانوا واضحين تمامًا بأن طهران تعتبر حزب الله حليفًا أساسيًا ولن تتخلّى عنه على الإطلاق، وستواصل دعمه كلّما أتيح لها ذلك. وفي هذه المواجهة، ترى نفسها معنية بضمان أمن اللبنانيين الذين حملوا السلاح في مواجهة إسرائيل، ليس إسنادًا لإيران، بل لتحقيق أهدافهم المتعلّقة بإعادة صياغة الوضع مع إسرائيل، كون الولايات المتحدة وإسرائيل، ومعهما قوى إقليمية ولبنانية، عملت على مدى 15 شهرًا على محاصرة المقاومة وأقدمت على خطوات كثيرة لتلبية المطلب الأميركي - الإسرائيلي بالإجهاز على حزب الله.

انطلاقًا من ذلك، شدّد الإيرانيون أمام الوسيط على أنّ أي وقف لإطلاق النار، سواء أكان هدنة أم إنهاءً للحرب، يجب أن يشمل لبنان حكمًا، مؤكدين أن هذا ليس موقفًا دعائيًا بل هو شرطٌ تفاوضي جدّي. وقد فهم الجانب الباكستاني الأمر تمامًا، وأبلغ الأميركيين بوضوح أن طهران جادّة في موقفها، ولن تنخرط في مفاوضات من دون إدراج لبنان ضمن سلّة التفاهمات. في المقابل، حاولت الولايات المتحدة، ومعها إسرائيل وأطراف إقليمية ولبنانية، منذ البداية فصل المساريْن. إلا أنّ الوسيط أبلغ الأميركيين بأن أي تقدّم في الجولة الأولى من المفاوضات سيبقى مُعلّقًا ما لم يُسجّل اختراق في ملف لبنان.

تصرّف الأميركيون في البداية من موقع الدفاع عن قرارهم عدم شمول لبنان بوقف إطلاق النار. لكنهم، مع الوقت، طرحوا برنامجًا مُتدرّجًا، يبدأ بضمان وقف القصف على بيروت والضاحية والبقاع وجبل لبنان، مع وعد بأن يُصار لاحقًا إلى توسيع التهدئة لتشمل باقي المناطق، شرط ألّا يتحدّث الإيرانيون عن هذه التفاهمات علنًا. وقد جرى الإعلان عن هذا التوجه في اليوم التالي لـ«مجزرة الأربعاء».

عندما اجتمع الوفدان الإيراني والأميركي في إسلام آباد، كان واضحًا للوسيط أولًا، وللجانب الإيراني ثانيًا، أن هناك طرفًا آخرَ على الهاتف لدى التطرّق إلى ملف لبنان. ومع مرور الوقت، تبيّن أن هناك خلية عمل يقودها الرئيس عون، عبر شخصية لبنانية على صلة مباشرة بالموفد الأميركي ستيف ويتكوف الموجود في باكستان. وكانت مهمة هذه الشخصية محصورة في أمرين:

الأول، عدم منح إيران أيّ أفضلية في إعلان وقف إطلاق النار.

الثاني، الدفع باتجاه إعلان أميركي عن استعداد واشنطن لرعاية مفاوضات مباشرة بين إسرائيل ولبنان بعد وقف إطلاق النار.

فيما كان عون يقاتل لانتزاع أول اتصال مباشر بينه وبين الرئيس الأميركي دونالد ترامب، تلقّى رسائل واضحة بأن الأمور لا تسير بهذه الطريقة، وأن عليه القيام بخطوات «نوعية» للحصول على هذه «المكافأة». وبعد اجتماع السفيرين اللبناني والإسرائيلي في واشنطن، أُبلغ عون بأن الخطوة «جيدة، لكنها غير كافية».

في مقابل اهتمامه، شكلًا، بالحصول على أول اتصال له مع الرئيس الأميركي، أبلغه الأميركيون بأن الأهمّ أن يكون اتصاله مع إسرائيل. ومن هنا طُرح اقتراح بإجراء اتصال ثلاثي يجمع عون برئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو برعاية وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو. غير أن رئيس الجمهورية سمع سريعًا ملاحظات كانت أقرب إلى التحذير، من أن الإقدام على هذه الخطوة سينسف أي قاعدة للتفاهم الداخلي، ما دفعه إلى إبلاغ الأميركيين بصعوبة المهمة.

عند هذه النقطة، عاد الوسيط الأميركي، بالتنسيق مع الشخصية اللبنانية، إلى الدفع نحو صيغة بديلة تقوم على أن يصدر قرار وقف إطلاق النار من واشنطن مباشرة، يترافق مع اتصال بين ترامب وعون، وأن يُعلَن عن فتح الأبواب أمام وساطة خاصة، من خلال إعلان الرئيس الأميركي استعداده لدعوة عون إلى البيت الأبيض، شرط أن يوافق على لقاء يجمعه مع نتنياهو، يكون مقدّمة لمفاوضات خاصة حول حلّ دائم في لبنان.

في هذه الأثناء، كان العدو يعيد تموضعه ميدانيًا وسياسيًا. فمن جهة، أقرّ بتعثّر عمليته العسكرية البرية، في ظلّ تصاعد الخلافات داخل المؤسستين الأمنية والعسكرية حول «غياب الإحاطة بطبيعة عمل حزب الله». وفي المقابل، كان بنيامين نتنياهو يضغط لتحقيق إنجاز ملموس، متراجعًا في سقف الأهداف من القضاء على حزب الله إلى طلب السيطرة على ملعب بنت جبيل.

لكنّ التقارير الميدانية التي كانت تصل إليه رسمت صورة أكثر تعقيدًا، إذ أشارت إلى صعوبة تحرك القوات على الأرض، وأن التفوّق الجوي لم يعد كافيًا وحده، وأن حزب الله يُظهِر قدرات على إدارة النيران والاشتباك بصورة مختلفة عمّا كان عليه سابقًا. عندها وجد نتنياهو نفسه أمام خيارين: إمّا المضي في عمليات برية عالية المخاطر، مع ارتفاع مخاطر أسر جنود إسرائيليين وليس قتلهم فقط، أو العمل سريعًا على تراجع تكتيكي، في وقت كان يسمع كلامًا جديدًا من واشنطن.

كان واضحًا أن الأميركيين لا يمنعون إسرائيل من القيام بكل ما يلزم لتحقيق هدفها في لبنان، لكنهم أبدوا خيبة نتيجة عدم دقّة تقديرات إسرائيل السياسية والأمنية والعسكرية، ليس في لبنان فقط، بل في إيران أيضًا. وشكّلت «مجزرة الأربعاء» جرسَ إنذارٍ كبيرٍ، دفع بأحد مسؤولي الإدارة الأميركية إلى القول إن «لبنان ليس غزة»، ما سرّع في دفع مسار إعلان وقف إطلاق النار، مع علم الجميع أنه وقف مؤقّت، وأنه لا يعني شيئًا للمتحاربين، وهو مسألة وقت قبل العودة للقتال.

في المقابل، يبدو أن الأميركيين، الذين يفترضون أنه يمكن جرّ لبنان إلى مفاوضات، هم من يريدون هذه المرة العودة إلى الاتفاقات السابقة. وتُظهِر المداولات أنهم باتوا يميلون إلى تفعيل عمل «لجنة الميكانيزم»، وإعادة فتح مسار تطبيق القرار 1701، إلى جانب اتفاق 27 تشرين الأول 2024.

يتعامل الجانب الأميركي مع الأمر على قاعدة أن لبنان سيقبل بأي شيء مقابل وقف إطلاق النار، ما يتيح العودة إلى النغمة السابقة حول نزع السلاح وربط الخطوات الإسرائيلية لجهة الانسحاب وإطلاق الأسرى وإعادة الإعمار، بمدى تجاوب لبنان مع الطلبات المتعلّقة ليس بنزع السلاح فقط، بل وتقييد كل «منظومة العمل السياسي والاجتماعي والمالي» لحزب الله.

مشكلة الأميركيين في هذه النقطة، أنهم يتصرّفون وكأنهم الجهة المنتصرة في الحرب، سواء في إيران أو في لبنان. وقد وجد عملاء أميركا وإسرائيل في لبنان، ما يعتقدون بأنها سردية مُقنِعة، عبر القول إن المقاومة تسبّبت بتوسيع الاحتلال وزيادة الدمار، وبالتالي عليها أن تدفع الثمن مقابل وقف الحرب والانسحاب والإعمار.

تؤكد المعطيات أن مجمل هذه النقاشات جرى التطرّق إليها في المحادثات عبر الوسيط الباكستاني، وقد التزم الجانب الإيراني بالسقف الذي حدّده الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم في خطابه الأخير، عندما أعاد صياغة مطالب المقاومة لوقف الحرب، قائلًا إنها تتطلّب وقفًا كاملًا لكل أنواع إطلاق النار في كل لبنان، وبأي وسيلة كانت، وضمان انسحاب شامل وكامل من كل الأراضي اللبنانية، بما فيها النقاط الخمس، وضمان العودة الفورية وغير المشروطة لسكان القرى بمن في ذلك أصحاب المنازل المُدمّرة عند الحدود، وإطلاق الأسرى، إلى جانب بند رئيسي يتعلّق بإعلان الحكومة اللبنانية والدول الخارجية عن إطلاق عملية إعادة الإعمار.

ما ورد في البنود الخمسة يمكن للبعض أن يقرأه على أنه دعوة إلى تطبيق قرار 27 تشرين الثاني 2024، وهو أمر صحيح إجمالًا. لكنّ التدقيق وتقاطع المعطيات حول ما جرى بحثه حول لبنان بين الأميركيين والإيرانيين، يشيران إلى أن الأمور اختلفت كثيرًا. وعناصر الاختلاف هي:

أولًا، أن الضمانة الأميركية لأي اتفاق لم تعد صالحة وليس بمقدور المقاومة الأخذ بها تحت أي ظرف.

ثانيًا، أن الآليات التي حاول الأميركيون - ومن خلفهم إسرائيل - فرضها على لبنان تحت اسم «الميكانيزم» لم تعد هي الأخرى صالحة، ولن تقبل المقاومة بأن يكون هناك من يتولّى مراقبتها أو التدقيق في ما تقوم به.

ثالثًا، أن المقاومة تعتبر الجيش اللبناني هو الجهة الرسمية الوحيدة التي يمكن التعاون معها لضمان أمن جميع المناطق اللبنانية، بما فيها مناطق المواجهة.

رابعًا، والأهم، أن المقاومة انتزعت بقوة النار حقّها في الرد على أي خرق إسرائيلي، وهو حقّ ستمارسه من دون أدنى شك، وستجد قيادة المقاومة العسكرية آليات مناسِبة للقيام به، بما يجعل العدو في وضع مُعقّد وصعب جدًا، ويضبط إيقاع أي مواجهة مع العدو لحماية المدنيين.

بالتالي، فإن هذه القاعدة يُفترض أن تعني أمرًا واحدًا، وهو ما يجب على السلطة والأميركيين فهمه: لا تنازل عن السلاح حتى يصبح لبنان أمام وضع مختلف جذريًا، وحتى تكون هناك وقائع تضمن للمقاومة أن العدوان لن يتكرّر، سواء على صعيد العمليات الأمنية والعسكرية، أو على صعيد الاجتياحات.

عمليًا، نحن أمام مستوى جديد من المواجهة، وقدرة العدو على «هضم» ما حصل ليست من النوع الذي يدفع إلى الاعتقاد بأنه سيتراجع سريعًا، بينما تحتاج المقاومة إلى مزيد من الخطوات لتثبيت القواعد الجديدة. أمّا السلطة التي تعتقد بأن استعجال المفاوضات يمنحها أفضلية، فهي في وضع صعب جدًا، ليس لأنها لا تملك أوراق قوة تفاوض فحسب، بل لأنها لن تكون قادرة على تنفيذ أي التزام يتعارض مع مصلحة المقاومة واللبنانيين...

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد