اوراق مختارة

مهزلة المفاوضات في واشنطن.. هدنة لبنان بين أميركا وإيران

post-img

يحيى دبوق/جريدة الأخبار

تسعى التغطية الإعلامية إلى تقديم المشهد اللبناني كملف منفصل عن الصراع الأميركي - الإيراني، مع تحميل السلطة اللبنانية مسؤولية نتائج المفاوضات، بما فيها وقف إطلاق النار. وتُصِرّ هذه السردية على تصوير السلطة اللبنانية، المنخرطة في مفاوضات مع إسرائيل برعاية أميركية، كجهة مسؤولة عن النتائج الراهنة والمستقبلية، بما فيها وقف إطلاق النار المؤقّت، وما قد يليه من تمديد.

غير أن الوقائع تشير إلى أن لبنان ليس طرفًا مقرّرًا، بل متلقيًا لنتائج تفاهمات وصراعات تدور بين أطراف، فيما يُستخدم كواجهة دبلوماسية لإخراج تسويات تُحسم في غرف مُغلقة، بعيدًا عن بيروت، وخارج إطار التفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل.

في هذا السياق، جاءت الهدنة في لبنان نتيجة ضغط إيراني ربطها بمسار التفاوض مع الولايات المتحدة، لا كإنجاز لبناني، ولا نتيجة قدرة فعلية للسلطة على تحقيق «انتصارات»، بل أقرب إلى تسوية أميركية - إيرانية أُلبست غطاءً لبنانيًا لتسهيل تنفيذها على إسرائيل، ولتكريس انطباع بفصل المسارين اللبناني والإيراني، لأن في الإقرار بترابطهما ضررًا للمصلحتين الإسرائيلية والأميركية على السواء.

لا يعكس استمرار الهدنة حتى الآن توازنًا ميدانيًا بين إسرائيل وحزب الله فحسب، بل يعكس أيضًا رغبة أميركية مؤقّتة في تثبيت الجبهة اللبنانية، تفاديًا لأي تعطيل لمسار المفاوضات مع إيران. فأي انفلات أمني في لبنان قد يمنح طهران أوراق ضغط إضافية، أو يوفّر لها ذريعة للتراجع عن التزامات محتملة، أو في الحد الأدنى يعرقل المسار التفاوضي والتسوية المنشودة أميركيًا. من هنا، تُدار الهدنة بوصفها مقدّمة تخدم التفاوض الأكبر، لا هدفًا قائمًا بذاته.

في المقابل، لا تملك إسرائيل هامش مناورة واسعًا خارج المظلّة الأميركية، إذ يبقى قرار التصعيد أو التهدئة مرتبطًا إلى حدّ كبير بالتوجّه الأميركي. ويحتاج بنيامين نتنياهو إلى هذا الغطاء لمواصلة أي عمل عسكري أو سياسي، ما يجعل تل أبيب مضطرة للالتزام بإيقاع التهدئة عندما تقرّر واشنطن ذلك، حتى لو كان مرحليًا ومشروطًا، ويحمل كلفة سياسية داخلية وشعورًا بالإهانة والإحراج.

أما احتمال تمديد الهدنة، فيبقى مرهونًا بدوره بمسار المفاوضات الأميركية - الإيرانية، سواء تقدّمت أو تعثّرت. فطالما أن الهدوء في لبنان يشكّل شرطًا ضروريًا لهذا المسار، ستبقى واشنطن حريصة على إلزام إسرائيل به: إما لتأمين بيئة تفاوضية مستقرة، أو لتجنّب إضافة عنصر توتير جديد إلى مشهد مأزوم أصلًا. بذلك، تتحوّل التهدئة في لبنان إلى ضرورة ملازمة للتفاوض، لا نتيجة مباشرة له.

وعليه، يبدو ترجيح تمديد الهدنة قائمًا، لكن من دون أن يعكس ذلك قدرة تفاوضية لبنانية مستقلة. فهو، في جوهره، ترجمة لقرار أميركي مرتبط بإدارة التفاوض مع إيران، يُعاد تسويقه لاحقًا، بعد جولة جديدة من المحادثات في واشنطن بين ممثلين لبنانيين وإسرائيليين برعاية أميركية، بوصفه إنجازًا دبلوماسيًا ضمن مسار لبناني – إسرائيلي «مستقل».

الخلاصة: لا يمكن فهم مسار الهدنة في لبنان، ولا احتمالات تمديدها، بمعزل عن مسار التفاوض بين واشنطن وطهران. فما يُقدَّم في بيروت، أو يُسوَّق في واشنطن على أنه تقدّم دبلوماسي لبناني، ليس سوى تنفيذ لقرارات تُصاغ في سياق أوسع. وفي ظل غياب استراتيجية وطنية موحّدة وأدوات ضغط فعلية، تبقى السلطة اللبنانية في موقع المتلقّي، تدير التفاصيل فيما يُقرَّر الجوهر خارجها. وأي سردية مغايرة لا تعدو كونها إنكارًا موجّهًا للواقع، لأن الإقرار بهذه الحقيقة يُسقط رهانات وأدوارًا لكثير من اللاعبين في الداخل.

في المقابل، تبدو الصورة مختلفة في إسرائيل. فمع أن إلزام تل أبيب بالهدنة، ثم بتمديدها، جاء نتيجة ضغط أميركي واضح مرتبط بالمسار الإيراني، إلا أن ذلك لا يلغي سعيها إلى تجاوز هذا «التحدي» لاحقًا، في حال تعثّر المسار التفاوضي بين واشنطن وطهران بشكل كامل. ومع ذلك، يبقى هذا الرهان، حتى الآن، أقرب إلى التمنّي منه إلى تقدير يستند إلى معطيات صلبة.

عمليًا، تنتظر إسرائيل، تمامًا كلبنان الرسمي، مآلات التفاوض الأميركي - الإيراني، ولا سيما حدود ما ستنجح إيران في فرضه لربط الساحة اللبنانية ببنود أي اتفاق، مقابل ما ستتمكن الولايات المتحدة من منعه أو تقليصه. لكن تل أبيب، في الوقت نفسه، «لا تضيّع الوقت»، وتعمل على تثبيت ما تعتبره «الحد الأدنى» من إنجازاتها الميدانية في مواجهة حزب الله، تمهيدًا لمرحلة ما بعد أي تسوية محتملة.

في هذا الإطار، تسعى إسرائيل إلى تكريس واقع ميداني وسياسي جديد يَحول دون العودة إلى ما قبل الحرب، استباقًا لعدم قدرتها على محاولة العمل مجدّدًا، سواء بسبب نتائج الميدان أو أي ترتيبات بين أميركا وإيران، على تحقيق أهدافها الابتدائية بالاحتلال المباشر لمنطقة جنوب الليطاني والسيطرة النارية على شماله.

غير أنّ الحفاظ على «الشريط» المحتل لعدة كيلومترات، وترسيخ قواعد اشتباك لاحقة تصبّ في مصلحتها الأمنية، يتطلّبان مسارين متوازيين: الأول، تثبيت ما تسمّيه تل أبيب «هامش مناورة» مفتوحًا في الساحة اللبنانية، بما يعيد عمليًا إلى ما قبل الحرب الأخيرة، أي القدرة على تنفيذ ضربات داخل لبنان من دون ردّ مقابل من حزب الله. أمّا الثاني، فيقوم على فرض وقائع ميدانية دائمة في المنطقة المحتلة، عبر الهدم والتجريف المنهجيَّيْن للقرى والبلدات، بما يجعل أيّ تسوية مستقبلية تتضمّن عودة السكان أكثر تعقيدًا، إن لم تكن متعذّرة.

قد تحمل قراءة الموقف الإسرائيلي قدرًا كبيرًا من توصيف ما يجري فعلًا، مع رهان واضح على تحقيق مكاسب مرحلية وفق استراتيجيات تتبدّل تبعًا لمتغيّرات غير يقينية. صحيح أنّ تل أبيب تسعى إلى تحسين شروطها لما بعد أي اتفاق محتمل مع إيران، إلا أنها، في الجوهر، لا تختلف كثيرًا عن موقع الانتظار الذي يقف فيه لبنان الرسمي: ترقّب ما ستؤول إليه التسوية في «الشرق البعيد»: إيران.

لهذه الأسباب وغيرها، فإن ما يُحضَّر له اليوم في واشنطن بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، سواء وُصف بأنه مفاوضات مباشرة أو لقاء عار، يبدو في حقيقته أقرب إلى «مهزلة تفاوض»، لا أكثر ولا أقل، مع تظهير «استراتيجية التوسّل» لدى السلطة، من جهات لا ينفع معها أي شكل من أشكال التوسّل والاستجداء.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد