إيهاب شوقي/كاتب مصري
مع أن مفهوم التفاوض ليس مناقضا لمفهوم المقاومة في المضمون؛ فهي نوع من التفاوض؛ لكن بالسلاح والقوة، لأنها لا تحرم ولا تجرم التفاوض في ذاته، بل تلجأ له في أي جولات أو هدن أو حتى اتفاقات وتسويات بعد الانتصارات والتحرير. إلا أن هناك نوعًا من التفاوض وضع مقابلًا للمقاومة ومشروعًا مضادًا لها، وهو فيما يبدو غاية وليس وسيلة؛ بلحاظ نتائجه التاريخية الفاشلة.
هذا النوع من التفاوض هو التفاوض المباشر مع العدو، في قلب المعركة وفي ظل ممارسته الاحتلال والقتل والتدمير. هذا التفاوض، في ظل تغييب أوراق القوة، هو مجرد استجداء وتحسين شروط للاحتلال وإعلان الاستسلام صراحة.
أبجديات التفاوض تعني وجود أوارق قوة في مقابل أوراق قوة أخرى، وتعني امتلاك خيارات وخطط بديلة عند فشل التفاوض. كما تشترط تفويضًا جماعيًا للطرف المفاوض، وأن يكون مقبولاً في تمثيله للشعب، قبل أن مقبولا ًعند العدو أو الوسطاء.
افتقد العرب، على مدار تاريخهم الحديث، هذه الأبجديات عند تفاوضهم مع العدو الصهيوني. ما تسبب في نتائج كارثية على مسار الصراع، فقد ظن البعض أن الخلاص الفردي بمكاسب تكتيكية هو النجاة، في حين أثبتت الأحداث أن العدو يفكر في الأمة ويطمع فيها، ويريد إقامة مشروعه الاستيطاني التوسعي على حسابها. وهدفه من تجزئة الساحات هو توقي المقاومة الجماعية الناجمة عن وحدة الأمة، وبالتالي العمل على تجزئتها لينفرد بكل قطعة على حدة.
لقد كان التطور الطبيعي لعقيدة التجزئة أن يذهب العدو لكل قطر ويلعب معه اللعبة ذاتها، فيقوم بتجزئة الأقطار وإشعال الفتن والانقسامات، ثم انتقاء طرف منها للانفراد به وإملاء شروطه عليه؛ غير آبه بنتائج ذلك وتداعياته على السلم الأهلي ووحدة الأقطار.
هذا ما حدث مع مصر؛ عندما فرطت في المقاومة ولجأت إلى التفاوض و"السلام" بالتفريط في خيار القوة؛ وأعلنت أن هذا السلام خيار استراتيجي، فخرجت من الصراع تحت مظنة الخلاص الفردي وأن قضية الأمة توريطـ ففوجئت بعزلتها وتكالب العدو على مكامن قوتها الناعمة وثرواتها ومنجزاتها الثورية، لتفقدها قطعة قطعة، حتى باتت رهينة الديون الخارجية، وارتهن قرارها السياسي لدول النفط، وأصبح أمنها القومي مهددًا في محاوره الاستراتيجية، شرقًا وغربًا وشمالاً وجنوبًا.
الأمر نفسه حدث مع الأردن؛ والذي وعد بالرخاء؛ فسرقت مياهه وارتهن للمساعدات، وأصبح أرضه ومطاراته قواعد للعدو ومنصات لشن العدوان، وانتزعت منه عمليًا ورقته بالإشراف على القدس.
كذلك حدث مع السلطة الفلسطينية؛ والتي خاصمت شعبها ومقاومته وأصبحت رهينة عند العدو، يمنح ويمنع الرواتب وينتهك مناطق سيطرتها في ظل عجز وخزي كبيرين.. حتى لم يعترف به العدو في التسويات الشاملة، لسبب بسيط، لأنه لا يملك شيئا، لا ورقة من أوراق القوة التي هي عنوان الصراع.
الغريب أن السلطة في لبنان تقدم على هذه الخطوات؛ وكأنها لم تعتبر مما مضى، ولا تفقه أبجديات التفاوض، فذهبت في ظل خلو من الإجماع الوطني، وفي ظل مخاصمة لورقة القوة الوحيدة، وهي المقاومة، وفي ظل احتلال وإعلان لخرائط صهيونية تعلن احتلال مساحات شاسعة من لبنان، منها مناطق ذات صلة بالترسيم البحري المتعلق بثروات لبنان.
الأغرب أن هذه السلطة ذهبت لتتفاوض مع عدو أعلن أن جدول أعمال التفاوض هو نزع سلاح المقاومة، وهو تخيير بين أمرين، كلاهما كارثي. أولهما التورط في فتنة داخلية مع المقاومة تمس بالسلم الأهلي، وتنقل الصراع مع العدو إلى صراع داخلي. والثاني هو ترك الأمر للعدو والتواطؤ معه وفتح الباب لحرية الحركة في استهداف المقاومة وهدم القرى، وربما فتح الباب لتدخل قوى أخرى خارجية، بصفتها مساعدات لمكافحة "الإرهاب"..!
مع الأسف؛ دأبت الأنظمة والسلطات العربية على تقزيم المقاومات ووصف صواريخها بالعبثية والانتحار. وذلك بقياس مادي تكتيكي لأعداد الضحايا وهدم المباني ونزوح الأهالي واغتيال القادة. في حين لم تخبرنا هذه السلطات عن انجازات الاستسلام للعدو، ولماذا لم يتم التحرير عبر التفاوض العقلاني الحكيم المزعوم؟
السؤال، هنا: هل تعد سيناء التي لا يستطيع المواطنون المصريون الذهاب إليها ولا إعمارها حرة؟ والتي يتحايل الجيش المصري جاهدًا لوضع قوات فيها.. وهل انتهى التهديد لها، أم أن سيناء مطمع معلن للتهجير ومرفقة بخراط "إسرائيل الكبرى" ومرتع للإرهاب الذي هدد الدولة، وقد تكون منطلقا لأي محاولات لهدمها.
هل الأردن حرّ، وحقق الرخاء أم أن وحدته الوطنية مهددة ومطمع لتهجير أهالي الضفة، وتتوالى عليه الأزمات، فأصبحت رهينة المساعدات المحسوبة لضمان وجودها في الفلك الأمريكي!
هل حققت السلطة الفلسطينية، والتي أقدمت على العمل ذاته، الذي تحاول السلطة في لبنان الإقدام عليه أي شئ، أم أنها ظلت تحت وعد "غزة اريحا"، وانتزعت منها غزة ولا نية ولا موافقة على إعادة سلطتها عليها؟ لقد أصبحت السلطة رهينة مقرها في رام الله، وأجبرت على التنسيق الأمني، وأصبحت الرواتب سيفًا مسلطًا عليها، حيث تقوم "اسرائيل" بجباية الضرائب نيابة عنها مقابل عمولة وتمنح وتمنع في إذلال صريح لضمان الارتهان!
بينما المقاومة، والتي يحلو للسلطات وصفها بالعبث والانتحار، هي التي أجبرت العدو على الانسحاب وحققت التحرير، وهي التي فتحت الأبواب للتفاوض الذي تهدره السلطات، ولا تستطيع إدارته لإصرارها على العداء للمقاومات وخضوعها لإغراءات ووعود العدو الكاذبة والمجربة.
ربما تظن السلطات أن مجرد البقاء على قيد الحياة، حتى لو كانت مذلة هو مفهوم الحياة، في حين أن الحياة الكريمة فقط هي مفهوم الحياة عند المقاومات.
كما أن الحياة المذلة التي ترغبها بعض السلطات ليست مضمونة، حيث تخلص العدو من أتباعه وذيوله مرارًا، واستخدمهم كأوارق المناديل بعد استنفاذ أدوارهم، كما غرس العدو في المجتمعات المطبعة فسادًا وأمراضًا وفقرًا أهلك الآلاف؛ في حين أن كانت الشهادة أكرم لهم.
المقاومة خيار حتمي، وهو الطريق الوحيد للحرية والمستند إلى التاريخ، لكن التفاوض من دون قوة وفي خصام مع الشعوب ومقاومتها هو الانتحار الحقيقي المجرب.