اوراق مختارة

جابر لـ"المدن": التسرّع في زيادة الرواتب سيعرّضها للتآكل

post-img

خضر حسان (صحيفة المدن)

قبل بداية الحرب الراهنة التي توقّفت بهدنة هشّة، أقرّت الحكومة زيادة 6 رواتب لموظفي ومتقاعدي القطاع العام من مدنيين وعسكريين، كتعويض شهري على أساس الراتب ولا تدخل في صلبه. إلاّ أنّ الإقرار لم يعنِ بدء الدفع الذي بقي معلّقاً. ومع بدء الحرب في 2 آذار الماضي، زاد الضغط على الموظفين والمتقاعدين، فجزء منهم اضطر لمواصلة عمله في ظروف خطرة، وبعضهم نزح مكرهاً واضطر إلى تشغيل عدّاد دفع تكاليف النزوح من استئجار منزل إلى مصاريف يومية وغير ذلك. فباتت الحاجة ملحّة لتنفيذ إقرار الزيادة، ومع ذلك، لم يبصر أيّ من الرواتب الستّة النور. فرفع الموظّفون والمتقاعدون الصوت في وجه وزارة المالية، وانضمّت المستشفيات الخاصة إليهم مطالبة بمستحقاتها المالية، لتجد الوزارة نفسها أمام مأزق تأمين التمويل الكافي من جهة، وضرورة تأمين التوازن المالي وعدم الانزلاق إلى أزمات مالية، من جهة أخرى.

رفض المماطلة والتلويح بالشارع

إقرار الزيادة منتصف شباط الماضي، ترافق مع تفخيخها عبر ربط التنفيذ بصدور قانون زيادة الضريبة على القيمة المضافة TVA وقانون فتح الاعتمادات الإضافية اللازمة لتأمين كلفة الزيادة على الرواتب والتي تبلغ 800 مليون دولار.

لكن الصورة السلبية لهذا الإقرار كانت واضحة. فزيادة الرواتب اقترنت بزيادة الضريبة على القيمة المضافة TVA بنسبة 1 بالمئة، وترافق ذلك مع قرار زيادة الضريبة على البنزين بمعدّل 300 ألف ليرة للصفيحة، وتقدّم عدد من النواب بطعن ضد هذه الزيادات أمام مجلس شورى الدولة، علماً أن الموظفين والمتقاعدين رفضوا زيادة رواتبهم بالشكل الذي أقرّت فيه، والضرائب التي فرضت بحجّتها. ما يعني أنّ قرار زيادة الرواتب ولد ميتاً، ومع ذلك، لم ينفّذ القرار ولم يحصل الموظفون والمتقاعدون على أي زيادات.

وبالتوازي، رأى وزير المالية ياسين جابر أنّ الموظفين والمتقاعدين لن يحصلوا على الزيادة قريباً بسبب انعكاسات الحرب على الوضع الاقتصادي والمالي للدولة. وأكّد جابر في حديث لـ"المدن" على ضرورة دفع زيادة الرواتب "وأنا من المتحمّسين لدفعها، لكن يحتاج ذلك إلى إقرار الزيادة في مجلس النواب، وهو ما لم يحصل بعد". ولفت جابر النظر إلى أنّ "التسرّع في دفع زيادة الرواتب في الظرف الحالي سيعرّضها للتآكل بفعل التضخّم الذي سيزيد بعد ضخ كميات من الليرة في ظل الحرب والواقع الاقتصادي". وأشار إلى أنّ "الاجتماعات مستمرة مع حاكم مصرف لبنان لضمان إدارة السيولة وتأمين الدولارات لتسيير الدولة". واعتبر أنّه "لا يمكن اتخاذ قرارات شعبوية في هذا الظرف الذي قد يؤدّي إلى انفلات سعر الصرف وإلى التضخّم".

على أنّ تجمّع روابط القطاع العام (عسكريين ومدنيين)، رفَضَ هذا الواقع، واعتبر في بيان أنّ "تبرير عدم تنفيذ الزيادات تحت عنوان الحفاظ على الاستقرار المالي يتجاهل الواقع المعيشي الصعب الذي يرزح تحته العاملون في القطاع العام والمتقاعدون من عسكريين ومدنيين". ودعا التجمّع إلى "إضراب تحذيري في كلّ الإدارات العامّة والمدارس الرّسميّة، يوم الإثنين 27 نيسان". محذّراً من "تصعيد التحرّكات تدريجيّاً في حال استمرار تجاهل المطالب، والتوجّه نحو إعلان إضراب عام مفتوح وشامل يترافق مع تحرّكات ميدانيّة وتظاهرات في حال عدم التراجع عن النّهج القائم على المماطلة والتجاهل".

في الوقت عينه، أعلنت رابطة موظفي الإدارة العامة تنفيذ "اعتصام يوم الأربعاء 13 أيّار المقبل، أمام مبنى وزارة الشؤون الاجتماعية احتجاجاً على الأوضاع القائمة وللمطالبة بتنفيذ الوعود". وبدورها طالبت رابطة قدماء القوى المسلّحة اللبنانية بـ"التراجع الفوري عن أي موقف أو تصريح يناقض الالتزامات السّابقة، لا سيّما ما يتعلّق بمضاعفة الرّواتب وتسديد كامل الحقوق المتَّفق عليها، وإصدار مرسوم فوري يكرّس هذه الزّيادة، ويشمل التعويض العائلي والمساعدات المدرسيّة من دون أي تجزئة، والمباشرة الفوريّة بصرف المستحقّات كافّة من دون أي تأخير، واعتماد آليّة تصحيح جدّيّة تُعيد للرّواتب والتعويضات قيمتها الفعليّة وفق مؤشّرات التضخّم والانهيار النّقدي". وأكّدت أنّ "الاستمرار في هذا النّهج سيُواجَه بخطوات تصعيديّة ميدانيّة".

عدم التذرّع بالحرب

عدم دفع الزيادات يرتبط بالواقع المالي الذي فاقمته الحرب، لكنّه لم يستجدّ مع الحرب، فمنذ نهاية العام الماضي ومع إضرابات الموظفين والمتقاعدين، كان واضحاً أنّ أزمة الرواتب لن تُحَلّ قريباً. وأعلن وزير المالية أكثر من مرّة أنّه يرفض الزيادة انطلاقاً من عدم تحميل الدولة المزيد من الأعباء المالية. ورفضَ جابر استعجال إقرار الزيادة على البنزين واعتبار أنّها تؤمّن المبلغ المطلوب، مؤكّداً أنّ "الزيادة على البنزين لا تكفي نصف المبلغ المطلوب للزيادات التي أقرت على رواتب القطاع العام". وعلى وقع الحرب، فإنّ الفائض الذي حقّقته الخزينة بفعل تحسّن الجباية ومكافحة التهرّب الضريبي والجمركي، قد تراجع بنحو 40 بالمئة في شهر آذار، وفق جابر الذي ذكّر بأنّ أمام الدولة مستحقات كبيرة ترتبط بأكلاف الحرب الماضية والتي يقدّرها البنك الدولي بنحو 14 مليار دولار، يضاف إليها معالجة ملف سندات اليوروبوندز، فضلاً عن ضغط ملف إعادة أموال المودعين، وصولاً إلى كلفة الحرب الحالية التي لن تقلّ عن نحو 1.5 مليار دولار اعتماداً على تقدير أوّلي للأكلاف، من قِبَل البنك الدولي.

وما يزيد الطيب بلّة، هو أنّ وزارة المالية مُطالَبة أيضاً بدفع مستحقات المستشفيات الخاصة التي طالبت وزارة المالية بـ"إعطائها أولوية في آلية الدفع، نظراً إلى الاستنزاف المتواصل لقدراتها المالية". ورأت أنّ دفع المستحقات من شأنه "تمكين المستشفيات من الاستمرار في أداء رسالتها الإنسانية، وتعزيز دورها الوطني باعتبارها ركيزة أساسية في الأمن الصحي وفي مسار النهوض الاقتصادي". لكن جابر قال في حديث لـ"المدن" إنّ "لا مشكلة في الدفع بين الدولة والمستشفيات، فنحن ندفع للمستشفيات الحكومية والخاصة، ومشكلتهم مع الجهات الضامنة".

ورفضَ موظفو ومتقاعدو القطاع العام التذرّع بالحرب وأكلافها لعدم دفع الزيادة. فبحسب المستشار الإعلامي لرابطة موظفي الإدارة العامة، وعضو هيئتها الإدارية سابقاً، إبراهيم نحّال "يدفع الموظفون والمتقاعدون ثمن الحرب أيضاً، ويتكبّدون أكلافاً مادية خلالها، على صعيد الذهاب إلى العمل أو كلفة النزوح". ورأى نحّال في حديث لـ"المدن" أنّ بعض الموظفين والمتقاعدين "استشهدوا ودمّرت بيوتهم. ومن هو في الخدمة، لا يزال صامداً ليؤمِّن مستلزمات المواطنين في الإدارات العامة". ولذلك، اعتبر نحّال أنّه "كما صمدنا وقمنا بواجبنا، على الدولة أن تعطينا حقوقنا". لافتاً النظر إلى أنّه "خلال الحرب، استمرّت الدولة باستيفاء الزيادة على البنزين بحجّة تمويل زيادة الرواتب، ومع ذلك لم نشهد أي زيادة". وأكّد نحّال على أنّ "تحرّك يوم الإثنين لن يكون الأخير، وقد يرافقه تحرّك أمام وزارة المالية، ويتبعه تحرّكات تصاعدية حتى نيل الحقوق".

مأزق ليس سهلاً

جميع أطراف هذه المعادلة في موقف صعب. موظفو القطاع العام ومتقاعدوه بأمسّ الحاجة إلى إقرار مستحقاتهم، خصوصاً في الظروف الأمنية والاقتصادية الراهنة، وكذلك الحال بالنسبة للمستشفيات التي يزداد الضغط عليها خلال الحرب التي لم تنتهِ بعد. وفي الوقت عينه، تزيد الخسائر التي تخلّفها الحرب من المأزق المالي للدولة التي تجد نفسها أمام موارد محدودة، لا سيّما بالدولار. كما أنّ صرف الرواتب يعني زيادة ضخ الليرة في السوق، أي زيادة العرض مقابل الطلب في ظل اقتصاد ضعيف وطلب مرتفع على الدولار، مما يعرّض الليرة لمزيد من الخسائر ويرفع نسبة التضخّم التي ستلتهم قيمة الزيادة في حال أقرّت راهناً.

وعليه، لا حلول سحرية لدى وزارة المالية أو الحكومة في هذا الملف، بل كل ما يمكن أن يُطرَح هو تحديد الأولويات واتخاذ قرارات استناداً إلى وقائع المالية العامة ومتطلّبات الاستجابة لمفاعيل الحرب. وفي السياق أكّد جابر لـ"المدن" أنّ "الحكومة تضع 4 أولويات للدفع وإدارة السيولة، وهي الاستمرار بدفع الرواتب، استمرارية القطاع الصحي، عدم التوقّف عن جمع النفايات إلى جانب تأمين الناحية الإنسانية، ولذلك طلبنا تحويل جزء من القروض لتغطية الاحتياجات الإنسانية في ظل الحرب والنزوح". ولذلك، فإنّ وزارة المالية في مأزق ليس سهلاً، ومهما كانت الحلول، ستكون جزئية وسيبقى الموظفون والمتقاعدون والمستشفيات أمام مطالب غير محقّقة بشكل كامل، وتبقى الوزارة أمام ضغط مالي وشعبي.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد