أوراق سياسية

دم آمال خليل يفضح كذبة الهدنة ويعري نفاق السلطة

post-img

عبدالله م. بدوي (صحيفة الأخبار)

لم تكن آمال خليل في موقع اشتباك. لم تكن تحمل سلاحاً، ولا كانت جزءاً من معركة مباشرة بين جيشين. كانت صحافية في الجنوب، تؤدي عملها، توثّق العدوان الإسرائيلي المستمر، قبل أن تتحول هي نفسها إلى هدف. قُتلت في الطيري، وبقي الوصول إليها متعذراً لساعات تحت النار، فيما نقلت التغطيات أن النيران الإسرائيلية عطّلت جهود الإنقاذ، وأن محاولات الوصول إليها توقفت مراراً بسبب التهديد والمنع الإسرائيلي المباشر. هنا تسقط كل اللغة الخشبية عن «هدنة» و«خفض تصعيد» و«نافذة دبلوماسية». من يقتل صحافية ثم يمنع إسعافها، لا يكون داخل هدنة، بل داخل حرب مستمرة تُدار بسقف أخفض فقط.

هذه هي النقطة التي يجب أن يبدأ منها أي كلام جدي عن الجنوب اليوم. لا من بيانات السلطة، ولا من تمنيات الوسطاء، ولا من الأكاذيب التي تُسوَّق للبنانيين على أن الدولة «تمسك الملف» وأن المسار السياسي كفيل وحده بإنتاج الأمن. دم آمال خليل يقول شيئاً آخر: ما يجري ليس وقفاً للنار، بل مرحلة بين حربين. إسرائيل لم توقف عدوانها أصلاً. قصفت، واغتالت، وهدمت، وتوغلت، واحتفظت لنفسها، حتى في النصوص الدبلوماسية المنشورة، بحق الضرب متى شاءت تحت عنوان «الدفاع عن النفس». أي أن الهدنة المزعومة لم تكن، منذ ولادتها، أكثر من غطاء سياسي هش فوق نار لم تنطفئ.

والأخطر أن هذا كله يجري فيما يراد من اللبنانيين أن يصدقوا رواية زائفة واحدة: أن المقاومة فشلت، وأن زمن الردع انتهى، وأن ما تبقى هو التسليم للأمر الواقع والبكاء عند الأمريكيين واستجداء نتنياهو وانتظار «ثمار» التفاوض. لكن الوقائع تقول عكس ذلك تماماً. فلو كانت إسرائيل مطمئنّة حقاً إلى أن الجبهة اللبنانية خرجت من المعادلة، لما احتاجت إلى كل هذا القدر من العنف المفتوح. ولو كانت الهدنة حقيقية، لما استمرت الغارات والهدم والتموضع العسكري داخل الجنوب منذ أيامها الأولى. ولو كان المسار السياسي وحده كافياً، لما قُتلت آمال خليل أصلاً وهي تغطي ما يُفترض أنه مرحلة تهدئة.

في الحقيقة، ما خفّض السقف ليس صحوة ضمير أميركية، ولا براعة سلطة لبنانية، ولا رغبة إسرائيلية في وقف النار. الذي خفّض السقف هو توازن الردع والكلفة.

فالتغطيات الدولية أظهرت أن مسار التفاوض الأوسع الذي رعته باكستان بين واشنطن وطهران ضغط في اتجاه إدراج لبنان ضمن التهدئة، في حين لم يكن ذلك خياراً إسرائيلياً مريحاً ولا اندفاعة أميركية صافية لكبح العدوان. وحتى داخل إسرائيل نفسها، ظهرت الفوضى السياسية والإجرائية بوضوح، مع تقارير عبرية تفيد بأن قرار وقف النار أو تمديده لم يمرّ بالمسار الحكومي (الكابينت) الإلزامي والطبيعي قبل الإعلان عنه. هذا وحده يكفي لفهم أن ما جرى لم يكن هدنة راسخة، بل كان ترتيباً مؤقتاً ومضطرباً لإدارة النار.

لكن لبّ الحقيقة يبقى في الميدان. إسرائيل امتلكت، ولا تزال، قدرة تدميرية هائلة. دمّرت القرى والمنازل والجسور، وضربت البنية المدنية بلا رحمة، وسعت إلى فرض حزام أمني حتى الليطاني أو إلى ما يشبهه من واقع عسكري دائم. الإعلام الإسرائيلي نفسه تحدث عن «منطقة أمنية» و«خط دفاع أمامي» ووجود عسكري مستمر إلى أن يزول «التهديد». غير أن التدمير، مهما اتسع، لا يُحسب وحده نصراً.

المعيار الفعلي هو: هل نفذت إسرائيل ما أرادته؟ هل فرضت سيطرة مستقرة ومريحة؟ هل حوّلت الجنوب إلى فضاء خالٍ من التهديد؟ الجواب الذي تعطيه الوقائع الإسرائيلية نفسها هو لا. لقد دمّرت كثيراً، لكنها لم تستطع تسييل هذا التدمير سياسياً ولا تحويله إلى حسم كامل.

وهنا بالضبط معنى المقاومة، وهنا أيضاً معنى الردع. المقاومة ليست جيشاً كلاسيكياً يُقاس فقط بعدد المباني التي بقيت قائمة أو بعدد الكيلومترات التي احتفظت بها على الخريطة. المقاومة فعل منعٍ وإفشالٍ واستنزافٍ وردّ. قيمتها في أنها تمنع العدو من تنفيذ رغبته كاملة، وتحول دون ترجمة تفوقه الناري إلى إنجاز سياسي نهائي. ولذلك، فإن فشل إسرائيل، رغم عشرات الأيام من الضغط والقصف والتوغّل، في فرض كامل ما أعلنته هدفاً، هو بحد ذاته دليل على أن المقاومة لا تزال تؤدي وظيفتها، وأن ميزان الردع لم يسقط كما أراد البعض أن يقنع اللبنانيين به.

الذي يمنع إسرائيل اليوم من الذهاب إلى أقصى التوسّع في العمق اللبناني ليس «قدسية هدنة» لم تحترمها أصلاً، بل معرفتها أن التوسيع سيقابله توسع، وأن رفع السقف سيُنتج كلفة أكبر على جبهتها الداخلية وعلى قرارها السياسي والعسكري. هذا هو الردع، لا النصوص. الردع هو أن تبقى القدرة المقابلة حاضرة في الحساب. هو ألّا يعود العدو حراً في فعل ما يريد لأنه يعرف أن الكلفة سترتد عليه أيضاً. وما دام هذا الحساب قائماً، فالمشهد ليس سلاماً، وليس وقفاً حقيقياً للنار، بل اشتباك منخفض السقف تحكمه معادلة: إذا تماديتم، ستدفعون الثمن.

لذلك، فإن دم آمال خليل لا يفضح إسرائيل وحدها. إنه يفضح أيضاً السردية الرسمية اللبنانية التي تريد التستر خلف كلمات مثل «التهدئة» و«السيادة» و«الدبلوماسية»، فيما الجنوب يُقصف، والصحافيون يُقتلون، والإسعاف يُمنع من الوصول. من يواصل الترويج لهذه اللغة بعد جريمة الطيري لا يكون فقط بعيداً عن الواقع، بل يكون شريكاً في تزويره.

فلا هدنة مع من يقتل الصحافة في ظلها. ولا سلام مع من يمنع الإنقاذ. ولا أمن يُبنى على إنكار حقيقة بسيطة: ما يجري في الجنوب ليس هدنة، بل مرحلة بين حربين، يضبطها الردع لا الاتفاق. وآمال خليل، بدمها، كتبت هذه الحقيقة الدامغة التي عرت كذب أميركا وتوحش الاحتلال ونفاق السلطة معاً.
فهل من معتبر؟

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد