رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد/ صحيفة الأخبار
ما ينبغي التوقّف عنده في التقييم العام للحرب العدوانية الأميركية - الصهيونية ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، «ذهول الرئيس ترامب» وصدمته وسخطه من إصرار طهران على الصمود والمواجهة، وعدم الاستسلام أمام ما نزل بها من خسائر جسيمة، في مقدّمها استهداف قائد الثورة السيد علي الخامنئي (قدّس سرّه)، وعدد مهم من القيادات العسكرية والأمنية والسياسية، فضلًا عن التدمير الواسع للقدرات والمنشآت ومنصات إطلاق الصواريخ وقواعد الدفاع الجوي والرادارات والمصانع وغيرها.
لم يكن ترامب وزبانيته يتخيّلون، بعد تلك الاستهدافات، أن يبقى في إيران من يصرّ، بحزم وصلابة، على مواصلة التصدّي والمواجهة ضد العدوان الصهيو - أميركي، والنهوض بثقة عالية استنادًا إلى المشاركة الشعبية الواسعة التي لا نظير لها في تاريخ الحروب، من أجل إسقاط أهداف هذا العدوان وقطع الطريق أمام مشروعه للسيطرة والتسلّط، ليس على إيران فحسب، بل على سوق الموارد النفطية والغازية، والتحكّم بالممرات الاستراتيجية الدولية، وقطع طرق الإمداد بالطاقة للصين، الهدف الرئيس والمُعلن لكل الغطرسة الأميركية في هذه المرحلة.
ما كان لبلد في العالم، عبر التاريخ الماضي والمعاصر، أن يقوى على الصمود بعدما تكبّده من خسائر قيادية وتسليحية كبرى، كما حصل بإيران في آذار 2026 على أيدي الأميركيين والصهاينة الغزاة. ولذلك، فإن الذهول الذي أصاب ترامب وشركاءه طبيعي جدًا. أحد أهم أسباب الذهول الطاغوتي، وما يفاقم لديهم الخيبة والمرارة، رغم الاعتداد المبالغ فيه بالقدرة وبالعظمة وبالطغيان والعلو والاستكبار والتنمّر لدى ترامب وفريقه، هو حالة الصمود والثبات واستدامة الثقة والقدرة على المواجهة لدى إيران بعد ما تكبّدته من خسائر الضربة العدوانية الأولى. هو خطأ القراءة وسوء الفهم والتقدير لمرتكزات نظام الجمهورية الإسلامية والتشابك المُحكم عقائديًا وتعبويًا وتنظيميًا وحضاريًا، بين القيادة وقواها المساعدة والشعب الإيراني الذي يمثّل بوعيه وبدوره الركن والداعم الأساس للسيادة والاستقلال في إيران.
لا السلطة الإيرانية تهبط على الشعب بالمظلات الأجنبية أو اتصالات الأوصياء، ولا الشعب الإيراني مجرّد تراكم سكاني يملأ كرة يتقاذفها السياسيون في لعبة السلطة وتنافساتها، بقدر ما هو مُنتِجٌ فاعلٌ وجدّي للسلطة على قواعد ثابتةٍ رؤيويةٍ ومبدئيةٍ وواقعيةٍ أيضًا في ترسيم الطموحات نحو تحقيق المصالح القطاعية والشاملة ضمن وتحت سقف المصالح الوطنية للجمهورية الإسلامية.
هذا التشابك الفريد الذي لا مثيل له في عالمنا العربي مثلًا والذي يكاد يقلّ نظيره في معظم أنحاء العالم، من الطبيعي أن يصدم الطاغوتَ الأهوجَ الذي يستند مشروع سيطرته وإرهابه وتسلّطه، إلى تفوّق ظاهري في القدرات المادية الهائلة غير المتوازية مع الحد الأدنى للمنسوب الحضاري المقنع والمؤثّر إيجابًا في الشعوب، والذي يجعل الإدارة الأميركية مثالًا وازنًا في تحمّل مسؤولية تحقّق السلم والأمن والعدل والاستقرار.
ذلك أن التفوّق لا يعني امتلاك القدرات والقوى العسكرية والمادية فحسب، لاستخدامها ضد الطرف أو الأطراف الأخرى في الحرب. بل لا بد أن ينطوي التفوّق على القدرة التبريرية المُقنِعة بأن توسّل الحرب أو الدخول فيها يكتسب الشرعية المتأتّية من مراعاة القوي لمبادئ وقيم القانون الدولي والإنساني. ومن دون ذلك يفقد القوي ميزة تفوّقه لأنه يضع نفسه في موقع البلطجي أو المخالف أو الخارج عن القانون والقيم.
لقد أسقط ترامب بنفسه التفوّق الأميركي وأهانه على مرأى ومسمع العالم كلّه حين هدّد باستخدام القوة لإبادة ما أسماه هو بـ«الحضارة الإيرانية»، وكشف أن أميركا ليست قوة بناء وفرض نظام، وإنما هي فقط قوة تهديد وهدم وتدمير. وأزال بذلك صفة التفوّق وكل توقّع لفعل أخلاقي قانوني يصدر عن إدارته المتغطرسة.
لقد بدا بوضوح من خلال الأداء الأميركي في الحرب الراهنة وسابقاتها أن الاختلال في بنية النظام الأميركي بين القوة والقيم هو السبب الأعمق لفشل السياسات الأميركية في العالم، رغم كل أكاذيب الترويج والتشويق الدعائي، خصوصًا إزاء الدول التي تتمتّع شعوبها بدور أساسي فاعل في صنع أنظمتها وسياساتها الداخلية والخارجية. وكذلك الأمر بالنسبة إلى الفهم الخاطئ والتقدير السطحي (تتساوى في ذلك الإدارة الأميركية والكيان الصهيوني) للأنظمة والمكوّنات التي تستند إلى إرادة الناس الحقيقية. ولذلك فإن الصدمة لدى الطرفين كانت متماثلة: صدمة الكيان من قدرة حزب الله على التعافي والنهوض السريع بعد استهداف قيادته؛ وصدمة أميركا من مواصلة إيران تصدّيها وصمودها في مواجهة الحرب العدوانية الكبرى عليها.
ما شهدناه في غزة وما واجهته بيئة حزب الله والجمهورية الإسلامية الإيرانية لو واجهتهما أيّ دولة أو بيئة مُصطنعة في عالمنا الراهن على الأقل، لشاهدَ العالم الرايات البيضَ تغطّي سطوح المباني والأبراج، لكنّ لله في خلقه شؤونًا، وسيعلم الذين ظلموا أيَّ مُنقلب ينقلبون والعاقبة للمتّقين.
تماسك النظام الإسلامي في إيران، وبيئة المقاومة الإسلامية في لبنان، مردّه إلى صدقية وعمق الالتزام المبدئي بالمضمون الرسالي والحضاري، وبالتطبيق الأكثر عدالة والأقلّ انتقائية للأنظمة والقوانين والأحكام المرعية الإجراء داخل النظام أو المجتمع أو البيئة الواحدة.
احترام الفرد والجماعة معًا وتوخّي الصدق والعدل في الممارسة والحرص على نصاعة النموذج الرسالي وحمايته من التشويه والافتراء والإساءة والتزييف، هو ما يعزّز التماسك وينمّي الاستعداد للتضحية وبذل الدم والروح من أجل الدفاع عن الحق ونموذجه. ولأن توفّر عناصر هذا التماسك الصارم، أمر نادر الوجود في الأنظمة المُصطنعة والوظيفية، وفي البيئات والمجتمعات غير الرسالية، فإن سرعة انهيار تلك الأنظمة والمجتمعات نتيجة الضربات المعادية الموجعة والثقيلة العيار كتلك التي تستهدف القيادات أولًا والقدرات، تُعتبر أمرًا طبيعيًا، وناتجًا معادِلًا لحجم القوة الضاربة وفعّاليتها.
أمّا في البيئات المتماسكة عقائديًا ورساليًا والأنظمة القائمة على حفظ مصالح ومبادئ تلك البيئات التي تتبادل معها مسؤولية حفظ الأوطان والسيادة والكرامة الإنسانية والمصالح الحيوية، فإن العدوان الخارجي عليها سيقابله ارتدادٌ موازٍ أو أشدّ قوةً وصلابةً واندفاعًا لحماية الوجود والدفاع عن الذات الحضارية والمجتمعية.
صمود إيران وثبات المقاومة في لبنان نموذجان مُعبِّران عن هذه المعادلة. ونجاحهما سيدفع إلى تكرارهما في العديد من الدول والأنظمة والبيئات التي تتعلّم الدرس وتحترم هُويتها ووجودها.