اوراق خاصة

الاستقالات في واشنطن.. صراع سلطة أم تمهيد لمواجهة مع إيران؟

post-img

معتز منصور/ كاتب وباحث سياسي

إن بدت الاستقالات الأخيرة داخل الإدارة الأمريكية مجرد حركة تبديل وظيفي داخل جهاز بيروقراطي واسع، لكنها تمثل مؤشرًا سياسيًا كثيفًا على لحظة إعادة تشكّل داخل بنية السلطة في واشنطن، حيث يتداخل العامل الداخلي مع الحسابات الخارجية، ويتقاطع صراع النخبة مع احتمالات تصعيد أكبر في الإقليم، وفي مقدمته ملف إيران. الاستقالة، عادة، في مواقع القرار الأمني والعسكري لا تُقرأ عادة خارج سياقها الاستراتيجي، لأنها تقع غالبًا عند نقطة الاحتكاك بين الإرادة السياسية والحدود الفعلية لما تسمح به المؤسسة.

مع بداية فصل الربيع هذا العام (2026)، يعود هذا المشهد إلى الواجهة بقوة، بعد سلسلة تغييرات طالت مواقع سيادية حساسة. إ أُبعدت Kristi Noem من وزارة الأمن الداخلي في مارس/أذار، ثم غادرت Pam Bondi وزارة العدل في أبريل/نيسان، كما استقالت Lori Chavez-DeRemer تحت ضغط سياسي، وأُقيل John Phelan وسط صراعات داخل البنتاغون.. هذه التحولات المتقاربة زمنيًا لا تبدو مجرد صدف إدارية، هي تعكس إعادة فرز داخل مركز القرار الأمريكي، وتعيد طرح السؤال القديم الجديد عن طبيعة السلطة داخل إدارة ترامب وحدود تماسكها.

في العمق، ترتبط هذه الظاهرة بطبيعة الحكم في عهد دونالد ترامب، حيث لا تعمل السلطة بوصفها جهازًا مؤسسيًا متجانسًا، إنما لكونها ساحة صدام بين قيادة تميل إلى الشخصنة والتسريع ومؤسسات أمنية وعسكرية تميل إلى التدرج والحسابات الباردة. ترامب، منذ دخوله الحياة السياسية، لم يتعامل مع الدولة على أنها منظومة مستقرة، بل بصفتها جهازًا يحتاج إلى إعادة ضبط مستمرة عبر كسر التقاليد وإضعاف مراكز النفوذ التقليدية. هذا النمط لا ينتج استقرارًا إداريًا، بل يراكم توترًا دائمًا بين المركز التنفيذي وبقية طبقات القرار.

لقد ظهر ذلك سابقًا في موجات خروج مشابهة، خلال ولايته الأولى. إذ إن استقالة James Mattis عكست خلافًا عميقًا حيال الانسحاب من سوريا والعلاقة مع الحلفاء، كما كشف خروج H.R. McMaster ثم John Bolton حدود الانسجام بين مؤسسة الأمن القومي ورئاسة تميل إلى القرار السريع والمتقلب. أما إقالة Mark Esper فقد أظهرت أن التوتر تجاوز السياسة الخارجية إلى العلاقة مع المؤسسة العسكرية نفسها. بذلك، لا تبدو استقالات العام 2026 حادثة منفصلة، بل امتدادًا لنمط سياسي يتكرر كلما اتسعت الفجوة بين الرئيس وأجهزة الدولة.

في هذا السياق، تصبح الاستقالة نتيجة مباشرة لاختلال توازن السلطة. إذ إن المسؤول داخل إدارة من هذا النوع يجد نفسه أمام معادلة ضيقة، إما الانخراط في منطق سياسي سريع تقوده الرغبة في الحسم وإظهار القوة، وإما  الاصطدام بهذا المنطق عندما يتعارض وتقديره المهني لمسارات الحرب والأمن القومي. لذلك، لا تبدو الاستقالة قرارًا فرديًا بقدر ما تبدو تعبيرًا عن حدود قدرة المؤسسة على استيعاب الإيقاع السياسي الذي يفرضه رأس السلطة.

عند إدخال ملف إيران إلى هذا المشهد، تتضاعف دلالة الاستقالات؛ فالتغييرات الأخيرة جاءت في لحظة تشهد فيها واشنطن انخراطًا عسكريًا متصاعدًا في الخليج، مع توتر حاد في مضيق هرمز وتقديرات أمريكية بأن تداعيات أي صراع محتمل قد تمتد اقتصاديًا وعسكريًا لأشهر. في هذا السياق، اكتسبت إقالة جون فيلان من وزارة البحرية دلالة خاصة، لأنها جاءت حين بدأت البحرية الأمريكية تؤدي دورًا مباشرًا في إدارة الضغط على إيران.

إذ إن العلاقة بين واشنطن وطهران لم تعد مجرد ملف دبلوماسي، لقد تحولت إلى محور اختبار استراتيجي داخل الدولة الأمريكية نفسها. هناك تيار يرى في إيران خصمًا يجب كبحه بأقصى درجات الضغط، وربما عبر خيارات عسكرية محدودة أو موسعة، في مقابل تيار آخر داخل مؤسسات الأمن والدفاع يدرك أن أي مواجهة مباشرة لن تبقى محصورة، بل ستتحول إلى صراع إقليمي يمتد من العراق إلى لبنان، مرورًا بالخليج وسلاسل الطاقة العالمية.

هذا الانقسام الداخلي لا يبقى نظريًا، بل يظهر عند لحظات الاقتراب من القرار. إذ كلما ارتفع منسوب التوتر مع إيران، برزت التصدعات داخل الإدارة، سواء باعتراضات داخلية أم استقالات في مواقع حساسة. بمعنى آخر، الاستقالة هنا ليست حدثًا إداريًا منفصلًا، هي عرض لانقسام أعمق حيال طبيعة المواجهة وحدودها وكلفتها.

الأكثر حساسية، في هذا السياق، أن ترامب لا يتعامل مع الحرب بوصفها قرارًا عسكريًا خالصًا، أيضا بصفتها أداة سياسية متعددة الاستخدامات. هو يميل إلى توظيف التهديد العسكري وسيلةً لضغط قصوى في التفاوض، وأداة لإعادة تشكيل صورته السياسية داخليًا بوصفه قائدًا حازمًا قادرًا على فرض الإرادة الأمريكية. لكن هذا النمط من إدارة التصعيد يخلق حالًا من عدم اليقين داخل المؤسسات، لأن المؤسسة العسكرية لا تُبنى على منطق التهديد المتحرك، بل على منطق الأهداف المحددة والقواعد الواضحة.

هذا التباين بين الإيقاع السياسي والإيقاع المؤسسي يفسر جانبًا مهمًا من موجة الاستقالات. إذ كلما اتسعت الفجوة بين الخطاب السياسي ومتطلبات إدارة الحرب أو الردع، ارتفع احتمال خروج شخصيات ترى أن استمرارها داخل المنظومة قد يضعها في موقع المسؤولية عن قرارات لا تتحكم في مسارها النهائي.

في المقابل، لا يمكن إغفال احتمال آخر أكثر تعقيدًا، وهو أن هذه الاستقالات تأتي ضمن عملية إعادة تشكيل داخل بنية القرار نفسها استعدادًا لمرحلة أكثر تصعيدًا. في هذا النموذج، لا تعني الاستقالات ضعفًا في السلطة، بل انتقالًا من مرحلة إدارة متوازنة نسبيًا إلى مرحلة إعادة تموضع سياسي وأمني، يجري فيها استبدال الأصوات المتحفظة أو المستقلة بشخصيات أكثر انسجامًا مع خيار الحسم.

التاريخ السياسي الأمريكي يعرف هذا النمط في لحظات التحول الكبرى، حيث تُعاد هندسة مراكز القرار قبل الدخول في مواجهات خارجية واسعة أو قبل فرض تحولات استراتيجية كبرى. لكن هذا الخيار يحمل كلفة بنيوية مرتفعة؛ فإقصاء الأصوات المهنية لمصلحة الولاء السياسي قد يرفع من سرعة القرار، لكنه يضعف في المقابل آليات الضبط الداخلي، ويزيد من احتمالات سوء التقدير.

مع إيران تحديدًا، يصبح هذا الخلل أكثر خطورة، لأن الطرف المقابل يمتلك قدرة عالية على الرد غير المتناظر، وعلى تحويل أي مواجهة محدودة إلى شبكة صراع ممتدة إقليميًا، من الممرات البحرية إلى الجبهات غير المباشرة وشبكاتها الحليفة المنتشرة في أكثر من ساحة.

من زاوية استقرار الحكم، فإن خطورة الاستقالات لا تكمن في عددها، إنما في توقيتها وطبيعة السياق الذي تأتي فيه؛ فإذا تزامنت مع تصعيد سياسي أو عسكري، تعكس درجة من التباين داخل مركز القرار نفسه. أما إذا ترافقت مع صعود شخصيات أكثر ولاءً وأقل استقلالية، فذلك يشير إلى انتقال تدريجي نحو نمط أكثر مركزية في إدارة الدولة، حيث يتقلص هامش المؤسسات لمصلحة القرار الفردي.

في المحصلة، لا يمكن فهم الاستقالات في واشنطن بمعزل عن ثلاث طبقات متداخلة: طبيعة القيادة السياسية في عهد ترامب القائمة على الشخصنة والتصعيد التكتيكي، الانقسام البنيوي داخل الدولة الأمريكية حيال إيران وحدود المواجهة معها وإعادة ترتيب مراكز القرار استعدادًا لمرحلة لم تتضح معالمها بعد.

بين هذه الطبقات، تصبح الاستقالة أكثر من قرار وظيفي، إنها إشارة سياسية إلى أن السلطة نفسها تعيد تعريف حدودها، إما باتجاه مواجهة أكبر، وإما باتجاه إدارة أزمة داخلية في بنية القرار قبل أن تتحول إلى أزمة خارجية مفتوحة.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد