تجدّد الاهتمام بالكتابة العيلامية عقب تصريحاتٍ جديدةٍ للباحث الفرنسي فرنسوا ديسيه أعادت تسليط الضوء على أحد أقدم أنظمة الكتابة في حضارة إيران القديمة، وعلى مسارٍ علمي طويل انتهى إلى فكّ رموزها بعد أكثر من قرن من الغموض.
تأتي هذه التصريحات في سياق إعادة تداول عملٍ بحثي امتد لسنوات، أفضى إلى تفكيك بنية نظامٍ كتابي يرتبط بحضارة عيلام التي ازدهرت في جنوب غرب إيران منذ الألفية الرابعة قبل الميلاد، واستمرّت حتى الألفية الأولى قبل الميلاد، وظلّت نقوشه غير مقروءةٍ منذ اكتشافها الأول عام 1903 خلال بعثة فرنسية في موقع سوسة الأثري.
تتكوّن الكتابة العيلامية من نحو 77 رمزًا ذات طابعٍ هندسي، تقوم على معينات وانحناءات وتراكيب خطية، وتعتبر من الأنظمة القليلة التي نشأت داخل إيران القديمة، في مقابل أنظمةٍ أخرى وصلت من خارج المنطقة مثل الكتابة المسمارية، وهو ما يعطيها أهميةً خاصة في دراسة تطوّر الكتابة في الشرق القديم.
جاء التحوّل في دراسة هذا النظام مع اتساع corpus النقوش المتاحة، خصوصًا بعد الاطلاع على مجموعة من الأواني الفضية المنقوشة المحفوظة في مجموعة خاصة في لندن، والتي أضافت نصوصًا جديدة مكّنت من بناء مقارناتٍ داخلية بين الرموز وتحديد قيم صوتية لعدد منها، والانتقال من قراءة علامات منفردة إلى تحليل وحدات لغوية أكثر تركيبًا.
اعتمد ديسيه في منهجه على تحليل الأسماء العلم، باعتبارها مدخلًا أساسيًا لفكّ الشيفرات القديمة، وهو أسلوب سبق اعتماده في دراسة الهيروغليفية المصرية. وقد قاد هذا النهج إلى تحديد أسماء ملوك وآلهة، من بينها اسم الملك "شيلهها" الذي حكم في القرن العشرين قبل الميلاد، عبر رصد تطابقات داخل تسلسل الرموز.
مع تقدّم التحليل، أمكن قراءة مقاطع قصيرة تتضمن صيغًا دينية وسياسية مرتبطة بمفاهيم السلطة والطقوس والشرعية، ما أتاح إعادة بناء أولية لوظيفة النصوص داخل المجتمع العيلامي، باعتبارها أدوات تنظيمٍ إداري وديني.
يعمل ديسيه اليوم في لييج ضمن فريق بحثي يضم مختصين في المصريات ودراسات حضارات بلاد الرافدين، في مقاربة مشتركة لأنظمة الكتابة القديمة، تشمل العيلامية والهيروغليفية والآشورية، ضمن جهود أوسع لفكّ الأنظمة غير المقروءة في الشرق القديم.
يأتي هذا الاهتمام المتجدد في سياق أوسع من الدراسات التي تعيد النظر في أنظمة الكتابة القديمة غير المفككة بالكامل، حيث تتقاطع المناهج الأثرية مع التحليل اللغوي، في محاولة لإعادة بناء الطبقات الأولى من التاريخ المكتوب.
وتبرز أهمية هذا العمل في كونه أتاح توسيع قاعدة النقوش المعروفة إلى نحو 45 نقشًا بالكتابة العيلامية، إلى جانب دراسة نصوص تُصنّف ضمن "ما قبل العيلامية"، محفوظة في مؤسسات أثرية بينها متحف اللوفر في باريس، الأمر الذي من شأنه المساهمة في إعادة إدماج حضارة عيلام ضمن السرد التاريخي المكتوب لإيران القديمة.
يُعدّ الباحث الفرنسي فرنسوا ديسيه من أبرز المتخصصين في هذا المجال، إذ كرّس جزءًا كبيرًا من مساره لدراسة حضارات إيران القديمة، وأقام في البلاد بين عامي 2006 و2020 مشاركًا في حفريات وتنقيبات كشفت عن ألواح من الكتابة العيلامية. وقد لُقّب في الأوساط الأكاديمية ب"شامبيليون الأزمنة الحديثة" في إشارة إلى دوره في تفكيك نظام كتابي قديم، على غرار جان فرنسوا شامبيليون في فكّ الهيروغليفية. ويعمل ديسيه اليوم ضمن مقاربة بحثية تقارن بين أنظمة العيلامية والهيروغليفية والآشورية، في إطار فريق أكاديمي يضم مختصين في حضارات الشرق القديم.