اوراق خاصة

هل بدأ الناخب الأمريكي بفك ارتباطه التاريخي مع "إسرائيل"؟

post-img

فادي الحاج حسن/كاتب لبناني

في أروقة العاصمة الأمريكية واشنطن، حيث كانت "قدسية" الدعم المطلق لـــ"إسرائيل" تُعدُّ حجر الزاوية الذي لا يجرؤ أحد على المساس به، تهبُّ اليوم رياح تغيير عاتية لم تشهدها السياسة الخارجية الأمريكية مسبقًا. لا يتعلق الأمر بمجرد تغير في المزاج الدبلوماسي، هو تحول بنيوي عميق يعيد تعريف العلاقة بين "الحليفين"، تقوده قاعدة شعبية بدأت تدرك أن صوتها وضرائبها يجعلان منها شريكًا مباشرًا في القرار؛ وتاليًا شريكًا في المسؤولية عن نتائج السياسات الصهيوأمريكية في منطقة شرق غرب آسيا (الشرق الأوسط).

لغة الأرقام.. حين يتحدث الصندوق

لم تعد التحولات في الرأي العام مجرد انطباعات صحفية؛ فوفقًا لبيانات "مركز بيو للأبحاث" (Pew Research Center) ؛ والصادرة في أبريل/نيسان المنصرم، يحمل 60% من الأمريكيين نظرة سلبية إزاء "إسرائيل"، وهي زيادة دراماتيكية مقارنة بنسبة 42% في العام 2022. هذا الرقم ليس مجرد إحصاء، هو إنذار سياسي للمشرعين في الكونجرس، إذ يعكس فقدان 59% من الأمريكيين الثقة في القيادة الإسرائيلية الحالية، وتحديدًا بنيامين نتنياهو.

هذا التحول يتجلى بوضوح بصفته "فعلًا جمعيًا" تقوده الأجيال الشابة. إذ تشير الإحصاءات إلى أن أكثر من 60% من الأمريكيين دون سن الخمسين يتبنون مواقف سلبية علنية إزاء "إسرائيل". هذا الجيل، والذي نشأ في عصر التدفق الحر للمعلومات، بدأ ينظر إلى نفسه عنصرًا فاعلًا لا مجرد متفرج، مدركًا أن سياسة بلاده الخارجية هي انعكاس مباشر لاختياراته الانتخابية.

الناخب شريك في القرار.. المسؤولية الأخلاقية والسياسية

تتمحور الفلسفة السياسية الجديدة، في الشارع الأمريكي، حيال مفهوم "الناخب الشريك". إذ لم يعد المواطن الأمريكي يتقبل فكرة أن تنفرد الإدارة بصياغة سياسات دعم عسكري بمليارات الدولارات من دون مراجعة شعبية.  الوعي المتزايد بأن أموال الضرائب الأمريكية هي التي تمول القنابل المستخدمة في غزة، جعل الناخب شريكًا في المسؤولية عن تلك الأفعال.

هذا الوعي دفع بقطاعات واسعة، في الولايات المتحدة الأميركية، للمطالبة بآليات عمل تضمن رقابة شعبية على المساعدات العسكرية. لقد انتقل النقاش من "هل ندعم إسرائيل؟" إلى "بأي حق نستخدم أموالنا لتمويل حرب دموية غير إنسانية لا تحقق أهدافها؟". هذا التحول يضع الناخب الأمريكي في قلب العملية الاستراتيجية، فقد أصبح يرى أن صوته في صناديق الاقتراع هو الأداة التي قد تمنع أو تشرعن اعتداءات مستقبلية.

سقوط الرواية.. الحرب الدموية وفشل الأهداف

أحد أبرز أسباب سقوط هذا الدعم هو الفشل الميداني "الصارخ".. إذ على الرغم من الاعتداءات الصهيوأمريكية العنيفة والحرب المستعرة التي طالت بآثارها المنطقة، وشملت حربًا مباشرة مع الجمهورية الإسلامية في إيران، لم تنجح هذه السياسات في تحقيق الأمن الموعود أو الأهداف الاستراتيجية المعلنة.

بدلًا من ذلك، أنتجت هذه الحروب مشاهد دموية غير مسبوقة؛ إذ يرى 39% من الأمريكيين أن الرد العسكري في غزة كان "مبالغًا فيه". كما أن الصور القادمة من الميدان، والتي توثق حجم الدمار والمأساة الإنسانية، ضربت صميم الأيديولوجيا الأمريكية المتمثلة في "الدفاع عن الديمقراطية والحرية"، فخلق فجوة عميقة بين ما تنادي به واشنطن وما تمارسه على أرض الواقع.

تآكل اللوبيات وصعود القيم الإنسانية

على مدى سنوات طويلة، سيطرت لوبيات مثل "آيباك" على مفاصل القرار في واشنطن، لكن بعض المعطيات والإحصاءات تشير إلى تراجع ملحوظ في هذه السطوة المطلقة. السبب يعود إلى تحرك الجمعيات الإنسانية ومنصات الحقوق المدنية التي نجحت في تحويل القضية الفلسطينية والاعتداء على إيران من ملف معقد إلى قضية "حقوق إنسان" عالمية.

المواطن الأمريكي الذي يقدس "الحرية" بصفتها قيمة عليا، بدأ يرى في ممارسات اليمين الإسرائيلي المجرم تهديدًا لهذه القيمة. هذا الرفض للعنف هو أداة أو وسيلة وحيدة لحل الصراعات أصبح يمثل "جبهة ثامنة" داخل المجتمع الأمريكي، مخترقة حتى الأوساط التي كانت تُعد معاقل تاريخية لدعم الصهيونية و"إسرائيل"، مثل الأوساط الإنجيلية.

المصالح الاقتصادية.. مراجعة الجدوى

في ظل التحديات الاقتصادية التي تواجه الداخل الأمريكي، بدأ السؤال عن جدوى تمويل صراعات خارجية يأخذ منحىً جديًا. الناخب الأمريكي بدأ يدرك أن الاستمرار في نهج "الشيك المفتوح" لــ"إسرائيل" وحلفائها يضر بالمصالح الاقتصادية والوطنية الأمريكية، خاصة مع فشل تلك الحروب في تحقيق استقرار حقيقي في سوق الطاقة أو الأمن العالمي.

 نحو سياسة شعبية أمريكية جديدة

التحول الذي نرصده، اليوم، ليس مجرد سحابة صيف، هو إعادة صياغة للعقد السياسي بين الناخب الأمريكي وحكومته. تكمن أهمية هذا التحول في:

1.    إعادة تعريف الشراكة: الناخب الأمريكي اليوم يرفض دور الممول الصامت، ويصر على كونه شريكًا في القرار يملك الحق في وقف تمويل أي اعتداءات غير إنسانية.

2.    تغير آليات العمل: بدأت تظهر داخل الحزبين الجمهوري والديمقراطي أصوات تطالب بربط الدعم بالالتزام بالقانون الدولي، وهو أمر لم يكن مطروحًا للنقاش الجدي قبل سنوات قليلة.

3.    التأثير الانتخابي: ستكون ما يسمونه "قضية الشرق الأوسط" والسياسات إزاء إيران و"إسرائيل" معيارًا حاسمًا في الانتخابات القادمة، فلم يعد بإمكان أي مرشح تجاهل القاعدة الشعبية التي تنادي بالعدالة والحرية .

في الختام

يبدو أن السياسة الأمريكية إزاء المنطقة تمر بمرحلة مخاض عسير، حيث بدأ "الفعل الجمعي" عند الشعب الأمريكي يفرض واقعًا جديدًا يضع حدًا للهيمنة الصهيونية على القرار في واشنطن، مؤكدًا أن عصر الدعم غير المشروط قد بدأ بالأفول أمام صرخة الضمير الإنساني والمصلحة الوطنية العليا.
***

 المصادر والمراجع 

1.    إندبندنت عربية. (2026). الرأي العام الأميركي وإسرائيل... هل بدأ الافتراق؟. 
2.    الجزيرة نت. (2026). محللون: لهذه الأسباب تحول الرأي العام الأمريكي ضد إسرائيل. 
3.    سكاي نيوز عربية. (2026). تحول غير مسبوق في الرأي العام الأميركي تجاه إسرائيل.  
4.    مركز الجزيرة للدراسات. (2022). اتجاهات الرأي العام الأميركي تجاه إسرائيل: من التوافق إلى الانقسام 
5.    مركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية (ECSS). (2026). عادة تشكيل الموقف الأمريكي تجاه إسرائيل: من تآكل الإجماع القديم إلى... 
6.    موقع الخنادق. (2026). تحول في الرأي العام الأميركي: دعم إسرائيل محل نقاش. 
1.    Pew Research Center. (2026). *Public Opinion Trends on Israel and U.S. Foreign Policy. 
2.    The Guardian. (2026). *U.S. Public Sentiment Shifts on Gaza Conflict.
 

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد