استبقت طهران زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والمقررة في منتصف أيار/مايو الحالي إلى الصين، وأوفدت وزير خارجيتها عباس عراقجي إلى بكين لإطلاع القيادة الصينية على نتائج المفاوضات الأميركية - الإيرانية، في خطوة تعكس تنسيقًا سياسيًا متقدمًا بين البلدين، وسط تصاعد التوتر في الخليج وأزمة مضيق هرمز.
عقب مباحثات أجراها اليوم الأربعاء وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي مع نظيره الصيني وانغ يي في بكين، أكد عراقجي أن التعاون بين بلاده والصين "سيكون أقوى من أي وقت مضى"، واصفًا بكين بأنها "صديق مخلص لطهران"؛ خلال اجتماعه مع كبير الدبلوماسيين الصينيين.
من جانبه، أكد وزير الخارجية الصيني وانغ يي أن الاجتماعات مع الجانب الإيراني ضرورية، وبكين مستعدة للمساعدة في خفض التوتر. وأضاف أن الصين تدعم الدبلوماسية والحوار لحل القضايا الإقليمية، مشيرًا إلى مبادرة صينية من أربع نقاط لإنهاء الحرب وتحقيق السلام والاستقرار الدائم في المنطقة. ونبّه وانغ يي إلى خطورة الأوضاع في المنطقة قائلًا إنها: "تمر بمنعطف حاسم"، مضيفًا أن اللقاءات المباشرة بين الجانبين ضرورية من أجل التوصل إلى حل نهائي للحرب.
تأتي هذه الزيارة في وقت تشهد فيه العلاقات الصينية - الأميركية تصاعدًا في التباين بشأن الملف الإيراني، إذ أصدرت الصين، قبل وصول عراقجي إلى بكين، أوامر لمصافي النفط التي تشتري الخام الإيراني بعدم الامتثال للعقوبات الأميركية المفروضة على النفط الإيراني أو تطبيقها.
كما فعّلت وزارة التجارة الصينية، يوم السبت الماضي، وللمرة الأولى، قانونًا صدر في العام 2021 لحماية المصالح الصينية من القوانين والإجراءات الأجنبية، مؤكدة أن هذه الخطوة تأتي: "لاستخدام قوة سيادة القانون لمواجهة ما يسمى بالولاية القضائية الممتدة للولايات المتحدة".
هذا؛ وكان وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت قد أعلن أن شراء الصين للنفط الخام الإيراني يعد "دعمًا للإرهاب"، داعيًا بكين إلى تكثيف جهودها الدبلوماسية للمساعدة في إعادة فتح مضيق هرمز، وهو ممر مائي حيوي لنقل النفط والغاز ظل مغلقًا فعليًا منذ بدء الحرب.
كما تتزامن زيارة عراقجي مع فشل "مشروع الحرية" الذي أطلقه الرئيس الأميركي دونالد ترامب لمرافقة السفن التجارية عبر المضيق، بعدما علّق المشروع بعد يوم واحد فقط من انطلاقه، فيما يعد انتكاسة واضحة للاستراتيجية الأميركية في المنطقة.
كذلك تكتسب زيارة وزير الخارجية الإيراني أهمية استراتيجية إضافية؛ لأنها تسبق بأيام الزيارة المرتقبة للرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى بكين، في يومي 14 و15 أيار/مايو، والتي يُنتظر أن تشهد محادثات استراتيجية بين واشنطن وبكين في ظل التوترات المتصاعدة في منطقة آسيا وشرق غربها(الشرق الأوسط).
لم تخفِ بكين موقفها الداعم لطهران، إذ وصفت الحصار الأميركي المفروض على الموانئ الإيرانية بأنه "حصار غير مباشر على الصين"، كونها المستورد الأساسي للنفط الإيراني. كما دافعت الصين عن "الحق المشروع" لإيران في استخدام الطاقة النووية للأغراض المدنية، داعية إلى وقف كامل وفوري للحرب في المنطقة وإعادة فتح مضيق هرمز عبر الحلول السياسية.
في هذا السياق، تبدو الصين حريصة على تثبيت نفسها وسيطًا موثوقًا في المنطقة، مع تأكيد مصالحها الحيوية التي ترى أنها معرضة لتهديد مباشر نتيجة أي تصعيد عسكري في الخليج، أو تعطيل لمسارات الطاقة والتجارة الدولية.
في المقابل، استخدم عراقجي زيارته إلى بكين منصةً لتأكيد الموقف الإيراني الرافض للهيمنة الأميركية، مشددًا على أن طهران تعمل على "ترسيخ معادلة جديدة لمضيق هرمز". وأكد أن واشنطن تعرّض سلامة النقل البحري للخطر عبر محاولاتها كسر الإغلاق الإيراني للمضيق.
تُظهر الزيارة أن بكين وطهران تشتركان في رؤية نقدية واحدة للسياسات الأميركية، خصوصًا في ظل ما تعدانه تناقضًا في مواقف إدارة ترامب، والتي تعلن من جهة "انتهاء المرحلة الهجومية" للحرب على إيران، فيما تلوح من جهة أخرى باستخدام "قوة نارية ساحقة ومدمرة". كما أن تعليق "مشروع الحرية" الأميركي عزز، وفقًا لمراقبين، الموقف التفاوضي الإيراني وأظهر محدودية القدرة الأميركية على فرض وقائع عسكرية جديدة في الخليج.
يأتي ذلك أيضًا في وقت دعا فيه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو الصين إلى ممارسة ضغوط على إيران، غير أن بكين بدت أكثر تمسكًا بدعم طهران، فبرأيها أن العقوبات الأميركية تمثل تهديدًا مباشرًا لأمن الطاقة الصيني ومصالحها الاقتصادية.
كما يرى محللون أن الصين تستخدم زيارة عراقجي رسالةً سياسية قوية إلى واشنطن تؤكد فيها أنها لن تتخلى عن حليفها الإيراني تحت أي ضغط، وهي مستعدة لاستخدام نفوذها الدبلوماسي والاقتصادي لإفشال أي محاولة أميركية لعزل طهران، الأمر الذي يضع إدارة ترامب أمام اختبار معقد قبل محادثاتها المرتقبة مع القيادة الصينية.