في ذكرى النكبة.. إعادة تشكل القضية الفلسطينية في ظل التحولات الإقليمية

post-img

فادي الحاج حسن/كاتب لبناني

لا تمثل النكبة الفلسطينية حدثًا تاريخيًا عاديًا، منذ العام 1948، هو استعمار متجدد يتخذ أشكالًا متحولة عبر العقود. يتجلى مفهوم "النكبة المستمرة" في استمرار عملية التهجير القسري ومصادرة الأراضي وإنكار حق العودة للاجئين الفلسطينيين. شهدت السنوات 2023-2026 تحولات دراماتيكية أعادت القضية الفلسطينية إلى مركز الصراع الإقليمي، بدءًا من عملية "طوفان الأقصى"، في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، مرورًا بتشكل جبهات إسناد متعددة، وصولًا إلى الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران في العام 2026 الحالي. تطرح هذه التحولات أسئلة جوهرية عن مستقبل القضية الفلسطينية ضمن إعادة رسم موازين القوى الإقليمية.

السياق التاريخي للنكبة منذ العام 1948

نتجت نكبة العام 1948 عن تفاعل معقد بين السياسات الاستعمارية البريطانية والحركة الصهيونية والانقسامات العربية. إذ منح الاستعمار البريطاني الحركة الصهيونية الفضاء السياسي والعسكري لبناء مؤسسات "ما قبل الدولة"، في الوقت نفسه عمل على تفكيك البنية السياسية والاقتصادية الفلسطينية. أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار 181 في نوفمبر/كانون الثاني 1947، والذي منح 56% من أراضي فلسطين التاريخية لإقامة "دولة يهودية"، مع أن السكان اليهود لم يتجاوزوا آنذاك ثلث السكان، ويملكون أقل من 7% من الأرض.

أسفرت الحرب التي تلت إعلان "الدولة الإسرائيلية"، في مايو/أيار 1948، عن تهجير ما بين 750,000 إلى 900,000 فلسطيني من 531 قرية ومدينة، وفقًا لما وثقه المؤرخ الفلسطيني وليد الخالدي. تحولت فلسطين من أغلبية عربية إلى أقلية تحت الحكم الإسرائيلي، فيما استحوذت "إسرائيل" على 78% من الأرض، متجاوزة حصتها بموجب قرار التقسيم بأكثر من 20%. أصدرت الأمم المتحدة القرار 194 في ديسمبر/كانون الأول 1948 الذي ينص على حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة أو التعويض، لكنه ظل حبرًا على ورق حتى اليوم. خلقت النكبة واقعًا ديموغرافيًا وجيوسياسيًا جديدًا في المنطقة، وأرست أسس صراع استمر ثمانية عقود.

انعكاسات النكبة على دول غرب آسيا

أحدثت قضية اللاجئين الفلسطينيين معادلات جديدة في الأمن القومي العربي. استقبلت الأردن أكبر عدد من اللاجئين، حيث أصبح الفلسطينيون يشكلون نصف السكان تقريبًا، فأثر في تركيبة المملكة السياسية والاجتماعية. في لبنان، أدى وجود أكثر من 450,000 لاجئ فلسطيني إلى تغيير التوازنات الطائفية الهشة. كما احتضنت سوريا مئات آلاف اللاجئين، وظلت تستخدم القضية الفلسطينية ورقة في مواجهاتها الإقليمية.

فرضت حروب الأعوام 1956، 1967، و1973 تحولات جذرية على المنطقة. أدت هزيمة العام 1967 إلى احتلال "إسرائيل" للضفة الغربية وقطاع غزة وهضبة الجولان وسيناء، ما ضاعف عدد الفلسطينيين تحت الاحتلال الإسرائيلي. شكلت هذه الهزيمة نقطة تحول في الوعي العربي، فانتقلت المقاومة من الأنظمة إلى الفصائل الفلسطينية المسلحة. أعادت حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973 بعض القيمة العسكري للجيوش العربية، لكنها فتحت الباب أيضًا أمام مسار التسويات السياسية. أدت هذه الحروب المتتالية إلى استنزاف اقتصادي وبشري هائل، وعززت التدخلات الخارجية في المنطقة، فيما ظلت القضية الفلسطينية بلا حل جذري.

إخفاق المسار الدولي

أصدر مجلس الأمن الدولي عشرات القرارات المتعلقة بالقضية الفلسطينية، لكنها بقيت حبرًا على ورق. القرار 242 (1967) الذي يدعو لانسحاب "إسرائيل" من الأراضي المحتلة، والقرار 338 (1973) الذي يطالب بتطبيق القرار 242، والقرار 2334 (2016) الذي يدين الاستيطان، جميعها لم تجد سبيلًا للتنفيذ. يكمن السبب الرئيس في استخدام الولايات المتحدة حق النقض (الفيتو) بشكل منهجي لحماية "إسرائيل" من المساءلة الدولية؛ إذ استخدمت واشنطن الفيتو أكثر من 40 مرة في قضايا تتعلق بــ"إسرائيل" منذ العام 1972، وفقًا لإحصائيات الأمم المتحدة.

تحولت الشرعية الدولية من أداة لحل الصراع إلى آلية لإدارته وإطالة أمده. ركزت المبادرات الدولية على ترتيبات أمنية ومفاوضات ثنائية تتجاهل جوهر القضية: الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني وحق العودة. أخفقت عملية أوسلو (1993) في إنهاء الاحتلال، بل مكّنت "إسرائيل" من تعميق سيطرتها عبر توسيع الاستيطان وتجزئة الأراضي الفلسطينية. تراجع دور الأمم المتحدة أمام الهيمنة الأمريكية، فيما غابت محكمة العدل الدولية عن القيام بدور فاعل على الرغم من إصدارها رأيًا استشاريًا، في العام 2004، يؤكد عدم شرعية الجدار العازل. أصبحت المنظومة الدولية جزءًا من المشكلة بدلًا من أن تكون أداة للحل.

السياسات العربية ما بعد النكبة

مرت السياسات العربية إزاء القضية الفلسطينية بثلاث مراحل متمايزة. شهدت مرحلة المواجهة (1948-1973) خطابًا قوميًا متصاعدًا وحروبًا متعددة ضد "إسرائيل"، لكنها انتهت بهزائم عسكرية عززت من موقعها الإقليمي. افتتحت زيارة الرئيس المصري المقبور أنور السادات إلى القدس (1977) مرحلة التسوية (1978-2000) التي تميزت بمعاهدات سلام منفردة، أبرزها كامب ديفيد مع مصر (1979) ووادي عرابة مع الأردن (1994). أضعفت هذه التسويات الجبهة العربية وعزلت القضية الفلسطينية.

شكلت اتفاقيات إبراهام، في العام 2020، بداية مرحلة التطبيع (2020-2023)؛ فقد طبعت الإمارات والبحرين والمغرب والسودان مع "إسرائيل" من دون ربط ذلك بحل القضية الفلسطينية. تراجع مفهوم "المركزية الفلسطينية" في الخطاب الرسمي العربي لصالح أولويات أخرى في مواجهة إيران أو التنمية الاقتصادية. عكست هذه المرحلة تحولًا جذريًا في النظرة العربية الرسمية، فأصبحت القضية الفلسطينية ورقة تفاوضية بدلًا من قضية محورية. لكن "طوفان الأقصى" كشف هشاشة هذه التطبيعات، إذ اضطرت دول عربية عدة لتعليق مشاريع التعاون مع "إسرائيل" تحت ضغط الشارع العربي الرافض للإبادة في غزة.

من "طوفان الأقصى" إلى جبهة الإسناد

في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، شنت كتائب القسام والفصائل الفلسطينية عملية "طوفان الأقصى"، أكبر عملية عسكرية ضد "إسرائيل" منذ عقود. انطلقت العملية بإطلاق أكثر من 5000 صاروخ خلال عشرين دقيقة، تبعها اختراق بري وبحري وجوي لمستوطنات غلاف غزة واقتحام قاعدة رعيم العسكرية. أعلن محمد الضيف قائد أركان القسام أن العملية جاءت ردًا على "انتهاكات المسجد الأقصى واعتداءات المستوطنين". ردت "إسرائيل" بعملية "السيوف الحديدية"، شنت خلالها حرب إبادة على غزة أسفرت عن عشرات آلاف الشهداء وتدمير واسع للبنية التحتية.

لم تترك غزة وحيدة في معركتها. فتح حزب الله/ المقاومة الاسلامية اللبنانية، في جنوب لبنان، في الثامن من أكتوبر "جبهة الإسناد" باستهداف مواقع الاحتلال في مزارع شبعا والجليل الأعلى، مطبقًا مبدأ "وحدة الساحات". استمرت عمليات حزب الله أكثر من عام، أدت إلى تهجير مئات آلاف المستوطنين من شمال فلسطين المحتلة وإلحاق خسائر فادحة بجيش الاحتلال الإسرائيلي. انضم "أنصار الله" اليمني بإطلاق صواريخ وطائرات مسيرة نحو إيلات وفرض حصار على الملاحة الإسرائيلية في البحر الأحمر، فيما نفذت فصائل المقاومة العراقية عمليات محدودة ضد أهداف إسرائيلية. غيّرت هذه الجبهات المتعددة قواعد الاشتباك، وأظهرت أن القضية الفلسطينية ما تزال قادرة على تحريك محور إقليمي؛ على الرغم من سنوات التطبيع والمحاصرة.

الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران (2026)

استغلت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الاحتجاجات التي حدثت في ايران لتصعيد الضغوط على طهران، مطالبة بوقف كامل لتخصيب اليورانيوم وتفكيك برنامج الصواريخ البالستية ووقف دعم حركات المقاومة. خلال المفاوضات في مسقط، في بداية فبراير/شباط، حشدت واشنطن قوة عسكرية ضخمة في منطقة المشرق العربي وحوض البحر الشرق الأوسط قريبًا من إيران، تضمنت حاملتي الطائرات "أبراهام لينكولن" و"جيرالد فورد".

في التاسع والأربعين صباحًا بالتوقيت الإيراني، من يوم السبت 28 فبراير/شباط 2026، انطلقت عملية "الغضب الملحمي" (Epic Fury) الأمريكية بالتزامن مع عملية "زئير الأسد" أو "الأسد الزائر" الإسرائيلية. استهدفت الضربات الأولى العاصمة طهران ومدن قم وأصفهان وكرمانشاه وتبريز، فستشهد مئات المدنيين من النساء والاطفال وأربعين قائدًا إيرانيًا رفيعي المستوى، بينهم المرشد الأعلى السيد علي خامنئي.

دخل حزب الله على خط المواجهة فور بدء الرد الإيراني على العدوان بإطلاق صواريخ نحو العمق الإسرائيلي. أعلنت هدنة، مدتها أسبوعان، في الثامن من أبريل/نيسان 2026، بعد وساطات باكستانية وتركية ومصرية، لكن الاتفاق ظل هشًا وسط تهديدات متبادلة باستئناف القتال. غيرت هذه الحرب موازين الردع الإقليمي، وكشفت حجم البنى الدفاعية الإيرانية، وأظهرت قدرة طهران على توجيه ضربات انتقامية مؤلمة وتعطيل الملاحة في مضيق هرمز.

التداعيات الحالية على القضية الفلسطينية

أعادت التحولات الإقليمية الأخيرة رسم خريطة القوى المؤثرة في القضية الفلسطينية. على المستوى الداخلي الفلسطيني، كشفت حرب غزة انقسامات عميقة بين حركتي فتح وحماس، لكنها أيضًا أظهرت صمود المقاومة وقدرتها على استنزاف جيش الاحتلال الإسرائيلي مع فارق الإمكانات الهائل. تعرضت البنية التحتية في غزة لدمار شبه كامل، فيما استمرت عمليات الاستيطان في الضفة الغربية بوتيرة متسارعة.

تراجعت حظوظ "حل الدولتين" إلى أدنى مستوياتها، حيث تسيطر الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة على أكثر من 60% من الضفة الغربية عبر المستوطنات والطرق الالتفافية والجدار العازل. في المقابل، أظهرت عمليات المقاومة قدرة على تعطيل مشاريع التطبيع وفرض معادلات ردع جديدة، على الرغم من الخسائر الفادحة. أما على صعيد إعادة التدويل، فقد شهدت الجمعية العامة للأمم المتحدة تصويتًا تاريخيًا في مايو/أيار 2024 لصالح قبول فلسطين عضوًا كاملًا، لكن الفيتو الأمريكي في مجلس الأمن حال دون تنفيذ القرار.

ثلاثة سيناريوهات محتملة للمرحلة القادمة

تبرز ثلاثة سيناريوهات محتملة للمرحلة القادمة: الأول، استمرار حال "اللاحل واللاحرب" مع تفاقم الأوضاع الإنسانية وتآكل الأمل بحل سياسي. الثاني، انفجار شامل للمنطقة في حال تجدد الحرب مع إيران أو استئناف العمليات العسكرية الواسعة في لبنان. الثالث، انبثاق مسار جديد يستفيد من ثبات الصمود الإيراني خلال حرب العام 2026 ومن ضعف إسرائيل الاستراتيجي بعد حرب غزة ولبنان الطويلة، لإعادة طرح مبادرة شاملة تقوم على احترام حقوق الشعب الفلسطيني.

نحو إعادة تعريف النضال التحرري

تظهر المراجعة التاريخية للمرحلة، من 1948 إلى 2026، أن القضية الفلسطينية ليست مجرد نزاع إقليمي، هي قضية استعمار استيطاني مستمر تتطلب حلًا يقوم على العدالة التاريخية وليس فقط على ترتيبات أمنية. أثبتت العقود السبعة الماضية فشل المقاربات التي تتجاهل الحقوق الفلسطينية الأساسية: حق العودة، حق تقرير المصير، السيادة على الأرض والموارد. كما كشفت هشاشة التطبيع المنفصل عن حل القضية الفلسطينية، إذ انهارت جزئيًا مشاريع التطبيع تحت ضغط الشارع العربي الرافض لما يجري في غزة.

تفرض التحولات الإقليمية الأخيرة، خاصة حرب على إيران (2026) وتداعياتها، إعادة تعريف لمعادلات القوة والردع في المنطقة. لم يعد بالإمكان تجاهل دور المقاومة فاعلًا رئيسًا في تشكيل المشهد السياسي، كما لم يعد ممكنًا الاعتماد على منظومة دولية مشلولة بالفيتو الأمريكي. يتطلب المسار القادم بناء استراتيجية فلسطينية موحدة تجمع بين النضال الشعبي والدبلوماسي والقانوني، مع الإفادة من التضامن الدولي المتنامي، خاصة في الجامعات والنقابات ومنظمات المجتمع المدني.

النكبة المستمرة لن تنتهي إلا بإنهاء الاستعمار الاستيطاني وإعادة الحقوق لأصحابها، مهما طال الزمن.

---

 المراجع

الخالدي، وليد (2006). *كي لا ننسى: قرى فلسطين التي دمرتها إسرائيل سنة 1948*. مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت.

المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات (2026). "الحرب الإسرائيلية-الأمريكية على إيران: خلفياتها وأهدافها". معهد الدوحة للدراسات العليا.

الجزيرة نت (2023). "طوفان الأقصى: أكبر هجوم للمقاومة الفلسطينية على إسرائيل". موسوعة الجزيرة.

الجزيرة نت (2026). "حرب إيران بالحقائق والأرقام من الغارة الأولى إلى إعلان الهدنة". موسوعة الجزيرة.

الجزيرة نت (2026). "زئير الأسد والغضب الملحمي والوعد الصادق 4: عمليات الحرب على إيران". موسوعة الجزيرة.

الجزيرة نت (2024). "أبرز قيادات حزب الله التي اغتالتها إسرائيل بعد طوفان الأقصى". موسوعة الجزيرة.

مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية اليمني (2025). "حزب الله والتحديات الراهنة ما بعد طوفان الأقصى".

منظمة الأمم المتحدة. قرارات الجمعية العامة ومجلس الأمن بشأن القضية الفلسطينية (1947-2024).

صايغ، يزيد (2024). "محور المقاومة: بين الاستراتيجية الإقليمية والتكتيك المحلي". مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 140.

شلّح، رمزي (2023). "من أوسلو إلى طوفان الأقصى: مسارات فشل التسوية". مؤسسة الدراسات الفلسطينية.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد