هبة وليد ياسين، فلسطينية من صفورية، قضاء الناصرة، وتسكن في صيدا جنوب لبنان، اختارت أن تجعل من الفن وسيلة. لحفظ الذاكرة الفلسطينية، والدفاع عن الهوية في مواجهة محاولات الطمس التي يعتمدها الاحتلال الإسرائيلي. فمنذ ما يقارب عشر سنوات، بدأت حلتها الفنية التي تحولت مع الوقت إلى مشروع بصري يحمل فلسطين إلى العالم.
كانت البداية عندما شاركت في مسابقة لتصميم عملة فلسطينية. ورغم إلغاء المسابقة، قررت نشر التصاميم عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لتفاجأ بحجم التفاعل والإعجاب الذي لاقته أعمالها. ومن تلك اللحظة، أدركت أن الفن يمكن أن يكون مساحة مقاومة، ورسالة قادرة على الوصول إلى الناس، لتبدأ رحلتها الطويلة في الرسم لفلسطين.
احتلال للهوية
وترى هبة أن الاحتلال لا يقتصر على الأرض فقط، بل يمتد إلى الثقافة والهوية والتراث والتاريخ، وهو ما يضع على عاتق كل فلسطيني مسؤولية الحفاظ على هذه المكونات الأساسية للوجود الفلسطيني. أما الفنان الفلسطيني فمسؤوليته أكبر؛ لأنه يحمل مهمة حماية هذا الإرث ونشره وتعريف العالم به من خلال الفن.
في أعمالها، تحرص على إدخال تفاصيل التراث الفلسطيني بشكل دائم، كنوع من التمسك بالهوية وحمايتها من الاندثار. فهي تحوّل الأغاني التراثية إلى لوحات بصرية نابضة بالحياة، مثل لوحة “يا حلالي يا مالي”، كما تعيد تقديم بعض اللوحات العالمية بروح فلسطينية، عبر إدخال التطريز الفلسطيني، والحروف العربية، والعناصر المرتبطة بالأرض الفلسطينية كأشجار الزيتون ونبات الصبر، في تأكيد بصري على فلسطينية هذه الرموز وتجذرها في الذاكرة الجماعية.
استمدت هبة الكثير من إلهامها من قصص الأجداد وأقاربها من جيل النكبة، وما حملته تلك الروايات من معاناة التهجير واللجوء والحروب. كما تأثرت بشكل خاص برواية “رجال في الشمس” للأديب الفلسطيني غسان كنفاني، وبالفيلم المقتبس عنها “المخدوعون”.
تستوقفها تحديداً تلك اللحظة الرمزية في الفيلم حين جعل المخرج الشخصيات تدق جدران الخزان، في اختلاف عن الرواية الأصلية، لتتحول العبارة الشهيرة من “لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟” إلى دعوة مستمرة للفعل والمقاومة: “دقوا جدران الخزان”.
يحتل الثوب الفلسطيني مساحة خاصة في أعمالها الفنية، إذ تراه الهوية التراثية الأولى للشعب الفلسطيني. وتشير إلى أن فلسطين تكاد تكون البلد الوحيد الذي يمتلك هذا التنوع الكبير في الأثواب بين المدن والقرى، بحيث يحمل كل ثوب تفاصيل المكان الذي ينتمي إليه، ويختزن داخله تاريخاً وحكايات ورموزاً تعكس روح الأرض الفلسطينية.
أما المرأة الفلسطينية، فتراها هبة أصل القضية وجوهرها، فهي الحافظة للهوية والذاكرة، وهي التي “تلد لتأخذ فلسطين”، كما قال غسان كنفاني. لذلك تظهر المرأة بشكل متكرر في أعمالها، كرمز للصمود والاستمرارية والحياة.
بوسترات
حول تفاعل الجمهور مع أعمالها، تؤكد أن ردود الفعل تختلف من لوحة إلى أخرى، إلا أن بعض السلاسل الفنية حققت انتشاراً واسعاً، مثل: سلسلة الطوابع الفلسطينية، وبوسترات غسان كنفاني، والأعمال التي تناولت المدن الفلسطينية. كما أن التفاعل لم يقتصر على فئة الشباب فقط، بل شمل مختلف الأعمار، وهو ما تراه دليلاً على حضور القضية الفلسطينية في وجدان الناس.
كما تطمح من خلال فنها إلى أن يشعر كل من يشاهد أعمالها بالحنين إلى فلسطين، وأن يرى تفاصيلها الإنسانية والثقافية والجمالية. فهدفها الأساسي أن تبقى فلسطين حاضرة في الذاكرة، وأن تنتشر أعمالها الفنية في كل بيت، كرسالة حب وانتماء للأرض.
تُعد سلسلة الطوابع الفلسطينية من أبرز مشاريعها الفنية، وكانت ثاني تجربة تخوضها في هذا المجال منذ بداياتها. وقد عملت على تصميم طابع فني لكل مدينة فلسطينية على امتداد الجغرافيا الفلسطينية، بحيث يحمل كل طابع رمزاً تاريخياً أو ثقافياً يعبر عن تلك المدينة ويختصر هويتها، لتتحول الطوابع إلى أرشيف بصري يوثق فلسطين بتاريخها ومدنها وتفاصيلها.
في ختام حديثها، تؤكد هبة أن النكبة بالنسبة لها، كما لكل فلسطيني، ليست مجرد حدث تاريخي مضى، بل هي اقتلاع مستمر من الأرض والذاكرة، بدأ بتهجير الأجداد وما زال يتجدد بأشكال مختلفة من التهجير وطمس الهوية وسرقة التاريخ. وترى أن هذه الحقيقة تضع على عاتق أبناء القضية مسؤولية كبيرة في الحفاظ على ما تبقى من الذاكرة الفلسطينية، والدفاع عن الهوية بكل الوسائل الممكنة. ومن هنا يأتي دور الفن بالنسبة لها، كوسيلة مقاومة تحفظ الرواية الفلسطينية، وتُبقي فلسطين حية في الوجدان، مهما حاول الاحتلال طمسها.