على الرغم من توصّل اللجان النيابية المشتركة في البرلمان اللبناني أمس الثلاثاء إلى صيغة توافقية لاقتراح قانون العفو العام، بعد خلافات طويلة طبعت المناقشات والاجتماعات، فإن احتجاجات خرجت في الشارع، خصوصًا عن الموقوفين الإسلاميين، رفضًا لاستثناءات تحدّ برأيهم من استفادتهم الفعلية من القانون، وأصواتٍ سياسية حذّرت من اعتماده، ما دفع رئيس مجلس النواب نبيه بري إلى تأجيل الجلسة العامة التي كانت مقرّرة غدًا لمناقشته وإقراره.
قال المكتب الإعلامي لبري، اليوم الأربعاء، إن تأجيل جلسة الغد لموعد آخر "شعاره التوافق"، جاء بسبب ما جرى وشوهد في أكثر من منطقة مترافقًا مع تحريض طائفي ومذهبي، "رغم الجهود التي قامت بها دوائر المجلس النيابي واللجان المشتركة للتوصل إلى توافق وطني يكون علامة جمع في وطن أحوج ما يكون به للتضامن والتوافق"، لافتًا إلى أن "اقتراح قانون العفو، وتخفيض بعض العقوبات بشكل استثنائي، يرمي لإعادة الاعتبار لمبدأ العدالة بوصفه ركنًا من أركان الدولة القانونية وضمانة حرية الأفراد، لا سيما أن الوضع في السجون اتّسم بتأخير مزمن في إصدار الأحكام الجزائية".
أصدر الموقوفون الإسلاميون في السجون اللبنانية بيانًا أمس الثلاثاء حذروا فيه من قانون هو بمثابة "فخّ لتكريس الظلم"، داعين الرؤساء الثلاثة والنواب إلى رفض هذه الصيغة، والعمل الجادّ على تعديل البنود التي تلحق الضرر بهم بشكل خاص. وسُجّلت مساء أمس وصباح اليوم تحركات في عددٍ من المناطق، خاصة بالشمال والبقاع، مع إشعال إطارات وقطع للطرقات، اعتراضًا على استثناءات وضعتها الصيغة المقترحة، والتي لا تحقق برأيهم العدالة والمساواة بين الفئات المشمولة بالعفو العام، مطالبين بعفو يشمل جميع الموقوفين والمحكومين، مع الإشارة إلى أن توسيع الاستثناءات، وتعديل السنين السجنية بالصيغة المقترحة، وغيرها من البنود، من شأنها أن تعيق إطلاق السراح الفوري لعدد من المطلوبين، أبرزهم الشيخ أحمد الأسير، المحكوم بالإعدام من المحكمة العسكرية، والذي يُعد ملفه من الملفات الإشكالية.
يُعدّ هذا الملف من أكثر الملفات الداخلية حساسية، في ظل الانقسامات السياسية والطائفية حوله، والتباينات المتّصلة بدرجة أولى بالموقوفين لجرائم إرهاب وقتل عناصر الجيش اللبناني، وما يُطلق عليهم بـ"الموقوفين الإسلاميين"، والموقوفين لجرائم فساد أو مخدرات. كذلك يبرز إشكال ملف المبعدين اللبنانيين إلى إسرائيل، في ظل المفاوضات الدائرة مع إسرائيل في واشنطن، وترويج بعض وسائل الإعلام اللبنانية لـ"قضيتهم" مع سردية الظلم الذي تعرّضوا له. وقد طالب البطريرك الماروني بشارة الراعي قبل أيام بأن يعالج قانون العفو أوضاعهم، وفقًا للقانون الذي صدر عام 2011 بهذه القضية، وينصّ على أنه "يخضع المواطنون اللبنانيون من مليشيا جيش لبنان الجنوبي الذين فرّوا إلى الأراضي المحتلة في أي حين للمحاكمة العادلة في حال عودتهم إلى لبنان".
قال نائب رئيس البرلمان، إلياس بو صعب، بعد اجتماع لهيئة مكتب مجلس النواب مساء أمس، "توصّلنا إلى صيغة مقبولة من الغالبية العظمى بالمجلس النيابي، ويوجد ما هو مطلوب من عدد أصوات النواب لإقرار قانون العفو حسب ما اتفقنا عليه باللجان المشتركة".
أبرز بنود مقترح قانون العفو العام
ضمن تصريحاته، أعلن بو صعب أن من أبرز التعديلات التي حصلت اعتماد 28 سنة سجنية بالنسبة لجرائم الإعدام، أي تقريبًا 21 سنة سجنية فعلية، و17 سنة سجنية للأشغال الشاقة المؤبدة، مع تشديده على أن الاقتراح حافظ على حق أهالي شهداء الجيش بعدم إسقاط حقهم الشخصي بالقضاء المدني.
بحسب معلومات "العربي الجديد"، فإنّ من أبرز التعديلات أيضًا تخفيض العقوبات إلى الثلث، مع اعتماد أحكام القانون 194 الصادر عام 2011 بالنسبة إلى المبعدين واعتبار أحكامه نافذة، على أن يُمنح العفو عن الجرائم المرتبكة قبل 1 مارس/آذار 2026، أما الاستثناءات فقد شملت قائمة واسعة من الجرائم، منها جرائم القتل العمد أو القصد بحق المدنيين والعسكريين، والجرائم المحالة إلى المجلس العدلي، وجنايات المخدرات في حالات التكرار أو تعدد الأحكام أو الملاحقات، وجرائم الخيانة والتجسّس والصِلات غير المشروعة بإسرائيل، وجرائم التعدي على الأملاك العامة والمال العام، وجرائم منصوص عليها في قوانين مكافحة الفساد والإثراء غير المشروع.
قالت أوساط نيابية مطلعة لـ"العربي الجديد" إنّ "الصيغة المعروضة حاليًا ليست نهائية، ويمكن أن تُدخل عليها تعديلات، فهناك العديد من الملاحظات والانقسامات حولها، وبالتالي، لم تُحلّ كل الخلافات".
عزُّو: مقترح تشريعي مُركّب وهجين
في الإطار، قال رئيس الدائرة القانونية لروّاد العدالة المحامي هيثم عزُّو إن "صدور قانون عفو عام عن أفعال محدّدة يؤدي حكمًا إلى سقوط الملاحقة أو العقوبة عن الأفعال المشمولة به، باعتبار أنّ دعوى الحق العام نفسها تنقضي بقوة القانون".
أضاف عزُّو "من الناحية الواقعية في لبنان، فإنَّ مقاربة قوانين العفو العام كثيرًا ما تتأثر بطبيعة البيئة الطائفية المعقّدة التي تحكم التوازنات النيابية، حيث لا يُناقش النص القانوني دائمًا بمعزل عن الاصطفافات السياسية والاعتبارات المكوِّنة للتمثيل النيابي ذات البعد الطائفي"، مشيرًا إلى أن "قانون العفو يتخذ تسمية قانون مقايضات الطائفية، وعلى نسق معادلة 6 و6 مكرّر وهو ما يعكس بالنتيجة حجم التباين في المقاربات السياسية لهذا الملف، أكثر مما يعبّر عن حقيقة ضرورات العدالة الاجتماعية المنصوص عليها في متن الأسباب الموجبة للقانون".
أشار عزُّو إلى أن المقترح المعروض هو "مقترح تشريعي مُركّب وهجين من حيث بنيته القانونية، لكونه يتجاوز في بعض جوانبه المفاهيم الجزائية المستقرّة، ويعيد صياغة منظومة العقوبات بصورة لا تنسجم مع التصنيفات المعروفة في الفقه والقضاء المقارن"، لافتًا إلى أن "المقترح يتجه، على سبيل المثال، إلى تحويل عقوبة الإعدام إلى عقوبة زمنية محددة بثمانٍ وعشرين سنة سجنية، على أساس تسعة أشهر فعلية عن كل سنة، في حين أنَّ الإعدام، في جوهره القانوني، يعني إنهاء حياة المحكوم عليه كليًا، لا تحويله إلى عقوبة سالبة للحرية ذات سقف زمني".
أضاف "لم تتوقف الإشكاليات التشريعية ذات الطابع التقني عند هذا الحد، بل امتدت إلى تشويه مسألة آلية إدغام الأحكام، حيث أعاد المقترح صياغة القاعدة القانونية المستقرّة التي تقوم على تنفيذ العقوبة الأشد عند تعدد الأحكام بحق الشخص الواحد، ليضيف إليها آلية احتساب جديدة تقضي بإدخال ربع العقوبات الصادرة في الملفات الأخرى بحق الشخص ضمن العقوبة النهائية، بما يؤدي عمليًا إلى رفع مستوى العقوبة الأشد عبر عملية تجميع نسبي لباقي العقوبات، وهو ما يُحدث تحوّلًا في الفلسفة القانونية لـ"الإدغام" من منطق الامتصاص العقابي إلى منطق التراكم العقابي".
تابع "غير أنّه، وعلى الرغم من الإشكاليات البنيوية التي تعتري المقترح، لا بدّ من الإشارة إلى أنه يُسجَّل له إيجابًا محاولته معالجة إحدى أكثر الإشكاليات حساسية في المنظومة الجزائية، والمتمثلة بظاهرة التوقيف الاحتياطي غير المحدود زمنيًا في بعض الجرائم المستثناة بموجب المادة 108 من قانون أصول المحاكمات الجزائية، ولا سيما في جنايات القتل والجنايات ذات الخطر الشامل، حيث أوجب المقترح تخلية سبيل الموقوفين الذين أمضوا مدة تصل إلى 14 سنة سجنية من دون صدور أحكام مبرمة بحقهم، وهو ما يشكّل معالجة استثنائية لوضع قانوني شديد التعقيد طالما أثار إشكاليات على مستوى ضمانات الحرية الشخصية".
حذّر عزُّو من أنّ أخطر ما قد ينطوي عليه هذا المسار التشريعي هو الانتقال من واقعٍ قائم على عجزٍ قضائي في ملاحقة أصحاب النفوذ، بفعل التدخلات السياسية وغياب استقلالية فعلية للسلطة القضائية، إلى واقعٍ أخطر يتمثل في شرعنة هذا الإفلات من العقاب عبر نصوص قانونية رسمية، تُحوّل السرقة والاختلاس من جرائم يُفترض أن تُلاحق وتُحاسب، إلى أفعال يمكن أن تُطوى بغطاء العفو النيابي، بما يشكّل عمليًا تقويضًا لفكرة العدالة نفسها.