اتهام الفائز بجائزة الكومنولث للقصة القصيرة باستخدام الذكاء الاصطناعي

post-img

أعاد فوز قصة "الثعبان في البستان" بجائزة الكومنولث للقصة القصيرة عن منطقة الكاريبي طرح سؤال حساس في المشهد الأدبي العالمي يتعلق بحدود الملكية الإبداعية في مرحلة تتنامى فيها أدوات الذكاء الاصطناعي بسرعة، داخل الكتابة والنشر.

القصة التي كتبها جمير نذير جرى اختيارها ضمن القائمة النهائية للجائزة من بين آلاف المشاركات القادمة من فضاء كومنولث الأمم، قبل أن تنشر في مجلة Granta، في سياق احتفاءٍ نقدي أولي ركز على كثافة اللغة وبناء الحالة النفسية داخل نصّ يتناول علاقة زوجية متوترة في فضاءٍ ريفي مشحون بالغموض.

سرعان ما انتقل العمل من فضاء التقدير الأدبي إلى دائرة التشكيك، بعد تداول قراءاتٍ نقديةٍ رقمية رأت أن البنية اللغوية للنص تحمل خصائص متكررة في النصوص المولدة آليًا، خصوصًا التوازي التركيبي وتتابع الصيغ الثلاثية في الجمل، إلى جانب حضور تعبيراتٍ وصفية عامة ذات إيقاعٍ متشابه. هذا المسار النقدي ارتبط بتحليل أوسع أجراه باحثون في الذكاء الاصطناعي، من بينهم إيثان موليك الذي أشار إلى أن أدوات الكشف مثل "بانغرام" صنّفت النص ضمن المحتوى المولّد بالذكاء الاصطناعي بدرجاتٍ عالية.

الجدل لم يتوقف عند التحليل الأسلوبي، إذ امتد إلى سؤال أكثر تعقيدًا يتعلق بموثوقية أدوات التحقق نفسها، في ظل اعتمادها على نماذج احتمالية تقيس التشابه الإحصائي بين النصوص دون القدرة على الحسم في أصلها الفعلي. هذا البعد التقني جعل القضية تتجاوز حدود النص الأدبي نحو نقاشٍ حول بنية المعرفة الرقمية وحدود التمييز بين الإنتاج البشري والمولّد آليًا.

مؤسسة الكومنولث الجهة المنظمة للجائزة أوضحت أن جميع المشاركين يقدمون تعهدًا صريحًا يؤكد أن الأعمال أصليةٌ وغير مولدةٍ بالذكاء الاصطناعي، مع اعتمادها على مبدأ الثقة في ظل غياب أدواتٍ حاسمة يمكن استخدامها دون المساس بخصوصية النصوص غير المنشورة. هذا الموقف يعكس إشكالية بنيوية في الجوائز الأدبية التي تجد نفسها أمام نصوص لا يمكن إخضاعها لفحصٍ تقني نهائي دون فتح أسئلةٍ قانونيةٍ وأخلاقية معقدة.

في المقابل، أشارت مجلة "غرانتا" إلى أنها أجرت تحليلًا للنص باستخدام نموذجٍ لغوي متقدم، حيث جاءت النتائج غير حاسمة، مع احتمال أن يكون العمل نتاج تداخل بين كتابةٍ بشرية وتأثيرات أدوات توليد النصوص. هذا التوصيف أضاف طبقةً جديدة من الغموض إلى القضية بدل تقديم إجابةٍ نهائية.

القضية أخذت بعدًا إضافيًا مع تداول معلومات عن الكاتب الذي يُقدَّم باعتباره من ترينيداد وتوباغو، مع حضورٍ أدبي محدودٍ يتمثل في عمل شعري منشورٍ ذاتيًا، في مقابل ملفٍ رقمي يثير تساؤلات حول انخراطه في نقاشات الذكاء الاصطناعي، وهو ما غذّى قراءات نقدية متعددة داخل الفضاء الرقمي.

يذكر أن قصة نذير "الثعبان في البستان"، حسب ما أوردته مؤسسة الجائزة في ملخص عنها على صفحتها على فيسبوك، تدور في ريف ترينيداد حول مزارعٍ يعاني من ضغوط الحياة وزوجة شابة مهمّشة، في ظل بستان يوصف في النص بكيان يختزن الذاكرة ويعيد تشكيل علاقة الشخصيات بماضيها.

حظيت القصة بإشادة لجنة التحكيم التي رأت فيها بناءً لغويًا متماسكًا وقدرة على خلق أجواء مشحونة بالقلق والرمزية، قبل أن تتحول لاحقًا إلى محور نقاشٍ نقدي واسع حول احتمال استخدام الذكاء الاصطناعي في كتابتها، في ظل غياب حسم نهائي من الجهات المنظمة حتى الآن.

بين أسئلة الأسلوب وأسئلة التقنية، وبين معايير التحكيم وحدود الكشف، تتحول هذه الواقعة إلى نموذجٍ مكثف لتحول أعمق يشهده الأدب المعاصر، إذ لم تعد مسألة من كتب النص سؤالًا بسيطًا، وأصبحت نقطة تقاطعٍ  بين الإبداع البشري وأنظمة توليد اللغة، في وقت يعاد فيها تعريف مفهوم الأصالة نفسه داخل الحقل الثقافي.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد