محمود منصور/جريدة الأخبار
شكّل «طوفان الأقصى» لحظة مفصلية في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، ليس فقط بسبب حجم الحدث العسكري، وما تبعه من حرب مدمّرة على غزة، بل لأنه أعاد طرح أسئلة قديمة حول معنى الحرّية، ودور الشعوب، وحدود النخب العربية، وموقع القضية الفلسطينية في الوعي الجمعي العربي. فمنذ بداية الحرب، بدا واضحًا أنّ المنطقة لا تعيش مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل تعيش أزمة أخلاقية وفكرية عميقة تكشف حجم التناقض بين الخطاب والممارسة، وبين الشعارات التي رفعتها النخب لعقود والواقع الذي تعيشه الشعوب.
بعد أكثر من نحو عامين ونصف عام على استمرار القتل والدمار والإبادة في غزة ولبنان، يمكن القول إنّ أخطر ما أصاب المجتمعات العربية ليس فقط العجز السياسي، بل حالة «التأقلم» مع المأساة. فالمشاهد التي كانت تهزّ الضمير الإنساني أصبحت تمرّ كخبر يومي عادي، وكأنّ الإنسان العربي اعتاد رؤية الدم الفلسطيني واللبناني دون أن يتحوّل هذا الغضب إلى فعل سياسي أو اجتماعي حقيقي.
هذا «التأقلم» يؤكّد وجود أزمة عميقة في بنية المجتمعات العربية التي أُنهكت بالحروب والانقسامات والفقر والاستبداد، حتى أصبحت عاجزة عن تحويل تعاطفها إلى مشروع تغيير فعلي.
في المقابل، برزت مجموعات من الشباب في جنوب لبنان وفي فلسطين، وهم يواجهون آلة عسكرية ضخمة بإمكانات محدودة، لكن بإرادة عالية ورمزية كبيرة. هؤلاء بالنسبة إلى كثيرين يمثّلون صورة المقاومة بوصفها فعلًا وجوديًا مرتبطًا بالكرامة والحرية، بينما قسم من النخب العربية يصفهم بأنهم أدوات لمشاريع إقليمية أو مجرّد «مسرحية سياسية».
هذا التناقض الوجودي في الأمة، يكشف حجم الفجوة بين الخطاب النظري لبعض المثقّفين والواقع الميداني. فهناك مَن يدفع حياته ثمنًا للحرية، حرية الأرض وحرية شعبه، وهناك مَن يكتفي بالكلام عن الحرية داخل الندوات والمقاهي والجامعات، وهناك «نخب» تنظّر وتنتقد، بل البعض يخون مَن يناضل حقًا من أجل الحرية، أي مَن يمارس النظرية، وقد حوّلها إلى نهج.
بعض النخب العربية، خصوصًا مَن يتبعون لتيارات قدّمت نفسها لعقود باعتبارها حاملة لمشروع الحرية والعدالة الإنسانية، سقط في الانتقائية الأخلاقية، إذ دافع عن حقوق الإنسان في أماكن معيّنة، لكنه التزم الصمت أو التبرير عندما تعلّق الأمر بفلسطين أو لبنان. وهذا ما جعل قطاعات واسعة من الشباب العربي تفقد ثقتها بالمثقّف التقليدي، وتعتبر أن جزءًا من الخطاب الثقافي العربي أصبح منفصلًا عن معاناة الناس الحقيقية.
هذه الحال العربية المبتورة والمستنكرة، وجدت لنفسها حاملًا، هو جانب من الحالة الفلسطينية مُمثّلًا بالمفرّطين والمتخاذلين والمسلّمين أمورهم للاحتلال. الأزمة الفلسطينية تبدو أكثر تعقيدًا. والسؤال حول طبيعة القيادة الفلسطينية ومستقبلها أصبح مطروحًا بقوة، خاصة مع تصاعد الانتقادات لفكرة احتكار السلطة وتحوّل المؤسسات السياسية إلى بنى مُغلقة تعاني من غياب التجديد والمحاسبة. فالقضية الفلسطينية، رغم عدالتها التاريخية، تحتاج أيضًا إلى مراجعة داخلية تضمن بناء مشروع وطني قادر على تمثيل الفلسطينيين بصورة أكثر ديمقراطية وفاعلية.
رغم كل هذا المشهد القاتم، يبقى الصراع مفتوحًا على احتمالات كثيرة. فالتاريخ يثبت أن الاحتلالات مهما بدت قوية لا تستطيع الاستمرار إلى الأبد، لأن العنف وحده لا يصنع شرعية دائمة. ومن هنا، فإنّ بقاء القضية الفلسطينية حيّة بعد 78 عامًا، رغم كل محاولات الإلغاء، يدل على أنّ الشعوب لا تنسى حقوقها، وأن الصراع لم يعد مجرّد قضية حدود، بل قضية وجود وعدالة وذاكرة تاريخية.