يحيى دبوق/جريدة الأخبار
بين التصعيد الإقليمي وتدفّق السرديات الإعلامية الإسرائيلية إلى الفضاء العربي، تتزايد الحاجة إلى قراءة نقدية للإعلام العبري بوصفه أداةً سياسية وأمنية، لا مجرد مصدر معلومات. كيف تُصنع هذه الروايات؟ ولماذا تتحوّل عناوينها المثيرة إلى «حقائق» متداولة عربيًا رغم الرقابة العسكرية وآليات التوجيه التي تحكم إنتاجها؟
عندما يتصفح المتابع للشأن الإسرائيلي عنوان مقالة المحرر العسكري في صحيفة «هآرتس» أول من أمس: «إسرائيل تتصرف وكأن القرار قد اتُّخذ بالفعل لمهاجمة إيران قريبًا»، يتوقع بطبيعة الحال أن يجد في المتن تحليلًا استقصائيًا يكشف عن تحركات عسكرية ملموسة، أو قرارات حكومية استثنائية، أو مؤشرات ميدانية تنذر بحرب وشيكة، أو تسريبات عن قرارات تلقتها إسرائيل من أميركا بخصوص الحرب وموعد استئنافها.
إلا أن المفاجئ أن المقالة نفسها تخلو تمامًا من أي دليل يدعم هذا الادعاء الدرامي. وهذه الفجوة الصارخة بين العنوان والمحتوى، ليست زلة قلم لكاتب بعينه، بل عرض متكرر لنمط بنيوي، متجذر في الإعلام العبري اليوم.
الخطر الحقيقي لا يكمن في إنتاج هذه السرديات، بقدر ما يكمن الخطر في طريقة استهلاكها. فالكثير من المحللين ووسائل الإعلام العربية والإقليمية يتعاملون مع مثل هذه المقالات كـ«حقائق مبرمة»، ويعيدون تدويرها من دون تمحيص أو قراءة نقدية لسياقها الداخلي ودوافعها السياسية. وهذا الاستسهال التحليلي يُشكّل مرضًا مزمنًا في التعامل مع المنتج الإعلامي الإسرائيلي، رغم الإقرار الواضح بآليات التوجيه والرقابة العسكرية التي تصيغ هذه السرديات من أعلى، وتوجهها نحو أهداف محددة، قد لا تعكس واقعًا ميدانيًا أو قرارًا فعليًا.
تستدعي هذه الظاهرة وقفة تحليلية في ثلات اتجاهات: كيف يُنتج الإعلام العبري عناوينه المثيرة؟ ولماذا تتعامل الأطراف الخارجية (العربية) معها بوصفها مؤشرات استراتيجية بدلًا من كونها أدوات إدارة وتوجيه إدراك للذات وللآخر؟ وكيف يمكن تفكيك هذه السرديات، قبل سقوطها في فخ التلقي الأحادي بلا تمحيص ولا دراسة؟
خلف هذه الظاهرة، في الإعلام العبري، عوامل هيكلية وبنيوية متشابكة:
أولًا: الطبيعة الأمنية للمجتمع الإسرائيلي. إذ يعمل الإعلام العبري، كتّابًا ومؤسسات، في العموم الأغلب «مضخمات» للرواية الرسمية كما تردهم، مقابل حد آخر هو «النقد التكتيكي» الذي يركز على الكفاءة التنفيذية، وليس التقريرية، في تجنب واضح جدًا للأسئلة الاستراتيجية الجذرية التي قد تُفسَّر على أنها «تقويض للمعنويات» أو «إضرار بالأمن القومي»، تحت سقف المقولة العبرية الشهيرة: «نحن في حرب» التي تستخدم غالبًا مبررًا لرفض أي اعتراض أو تساؤل، أو المقولة الشهيرة الأخرى «دعوا الجيش يعمل».
ثانيًا: الاعتماد على المصادر العسكرية. معظم «المحللين الأمنيين» في الإعلام العبري هم ضباط سابقون في «الجيش» الإسرائيلي، وتحليلاتهم تميل للسرد الوصفي لما «يُسمح بنشره»، وتتجنّب الأسئلة الحرجة التي من شأنها المسّ بالمؤسسة التي كانوا جزءًا منها.
ثالثًا: الاستقطاب السياسي الداخلي. من الواضح أنّ الإعلام العبري بات حاليًا أكثر من الماضي، أداةً في الصراع بين أصحاب القرار والحكم، وبين المعارضة وما بينهما. أما النتيجة؟ فهي عناوين مثيرة، ومحتوى «آمن» لا يغضب جهة مؤثرة، مع التركيز على انتقاد الكفاءة الشخصية للسياسيين، بدلًا من نقد السياسات ذاتها.
رابعًا: تفرض إسرائيل رقابة عسكرية صارمة على الإعلام أثناء الحروب والمواجهات، ما يعني أنّها تفرض عليها رقابةً صارمة طوال الوقت، لأنّ «شمس الحروب لا غيب عنها»، ما يعني منع نشر تفاصيل عمليات ما لم يأذن الرقيب العسكري بها، وضمن رواية موجهة وموحدة تعطى للإعلام عبر إحاطات عامة. أما مخالفة ما يمنع نشره، فقد تصل العقوبات فيها إلى غرامات باهظة، وسحب رخصة الاتصال بالضباط والناطقية العسكرية ودخول أماكن تلقي المعلومات العسكرية والأمنية.
خامسًا: تنشط في الكيان الرقابة العسكرية في مستويين اثنين: رقابة رسمية تفعل بشكل مسبق في كثير من الأحيان من الرقيب العسكري، تجاه سلسلة من المواضيع المدرجة والمحدثة تباعًا في جداول توضع أمام الكتاب كي لا يحيدوا عنها، ومن بينها أي مقال أو تقرير يتعلق مثلًا بـ «حزب الله» أو المواجهات أو العمليات أو كشف توجهات أو تقديرات أو وسائل قتالية، وصولًا إلى ما يمكن أن «يحبط الجمهور»، أو يعلي من شأن الأعداء ويعزز ثقتهم بأنفسهم، سواء عبر تقرير أو مقالة رأي، أو صورة حية، أو مشهد لواقعة أو اشتباك.
الرقابة من النوع الثاني، هي الرقابة اللاحقة التي تتسع لكل المواضيع ذات المضمون الأمني أو ما يدور في «المنطقة الرمادية» بين الأمني وغير الأمني، وفي العادة تتعلق بتقييم لاحق على ما ينشر، وليس مسبقًا، خصوصًا في حال كان متن المقالة يتعلق بموضوعات غير مدرجة في جداول المنع والرقابة المسبقين.
سادسًا: الاتجاه الثاني في الرقابة، وهو الأكثر حضورًا وتأثيرًا، فهو الرقابة التي يمارسها المحررون والكتاب على أنفسهم: «الرقابة الذاتية»، التي تتطرّف في تجنّب الكشف عن تفاصيل عملياتية أو تقديم نقد استراتيجي جذري، قد يُفسَّر على أنه تجاوز للخطوط الحمر. وعمليًا، تنزع هذه الرقابة، تمامًا المهنية عن الإعلام العبري، وتحوله إلى ناطق باسم «الجيش» الإسرائيلي والسلطات صاحبة القرار السياسي والأمني.
خلال الحرب الحالية، تكثر التقارير العبرية، التي تنقل عن الآخر، وما تسميه «وفقًا لتقارير أجنبية» كما تكثر الترجمات عن الإعلام الأميركي، والغربي عمومًا، في مواضيع يمنع الرقيب العسكري من تداولها والحديث عنها مباشرة، فيصار إلى ترجمتها عن مصادر غير إسرائيلية، ويعد خارج عن صلاحيات الرقابة. وهو دليل، موضوعي وشبه مباشر، على سطوة الرقابة المسبقة واللاحقة، وكذلك الذاتية، في الإعلام الإسرائيلي، بما لا يمكن قياسه بأي من الأنظمة القمعية حول العالم.
تكفي الإشارة، للدلالة، إلى واحدة من أهم الوقائع والحقائق: في حال قرّر أحد الكتاب، كتابة مقالة أو تقرير أو حتى تحليل، يتعلق بـ «حزب الله»، فإنّ الرقابة على تقارير مماثلة تكون مسبقة.
كما يتبين من التماسات عرضت على القضاء الإسرائيلي، ومكنت من فهم محتوى الآلية المتبعة، فإنّ الرقيب يطلب حذف هذه العبارة أو الجملة أو الفكرة، ويطلب الاستعاضة عنها بعبارة أو جملة أو فكرة مغايرة تمامًا وقد تكون نقيضة. كما يطلب تنسيق العمل ليكون متوافقًا مع أعمال أخرى، جرى طلبها و«فرضها» على كتّاب آخرين.
هذه عينة من عينات. ما يشار إليه هنا، هو جزء من كل. وهو ما يجب أن يكون حاضرًا لدى قراءة وترجمة وإعادة إنتاج ما يصدر في الإعلام العبري. وكلما كانت التقارير أكثر «دسامةً» وأكثر «عمقًا» و«كشفًا»، يجب حينها أن يسأل القارئ نفسه: ما هو الهدف من هذه الدسامة وهذا العمق وهذا الكشف؟ ولماذا تسمح الرقابة بنشر تقارير مماثلة؟، وأيضًا، كيف يسمح الصحافي العبري لنفسه بنشرها؟
من المسيء، للذات وللرأي العام، وكل من يستهلك ما ينشر في وسائل الإعلام العربية، بما يشمل وسائل الإعلام اللبنانية المتلقفة لما يرد من تل أبيب، أن تصادف تقارير مسيئة جدًا للوسيلة الإعلامية نفسها، ولكتاب التقارير، وللقارئ، مثل: «ذكرت صحيفة «معاريف» العبرية نقلًا عن صحيفة «الأخبار» أنّ...».