تبكير الانتخابات يشعل المنافسة.. سباق يميني على تسريع الاستيطان

post-img

أحمد العبد/جريدة الأخبار

في موازاة اتجاه إسرائيل نحو انتخابات مبكرة يُرجّح إجراؤها في أيلول المقبل - في ظلّ مصادقة «الكنيست» بالقراءة التمهيدية، أول من أمس، على مشروع قانون حلّ نفسه بتأييد 110 أعضاء -، تتصاعد المخاوف الفلسطينية من تحوّل المرحلة الانتقالية إلى فرصة لتسريع مشاريع الضمّ والاستيطان في الضفة الغربية المحتلة. ورغم أن حلّ «الكنيست» قد يؤشّر، ظاهريًا، على ضعف الحكومة، غير أن التجربة الإسرائيلية تُظهر أن الحكومات الانتقالية غالبًا ما تواصل إدارة الملفات الجوهرية، والتي تأتي، في مقدّمها، هذه المرّة، مشاريع الاستيطان والضمّ، التي تتسابق قوى اليمين المتطرّف على الدفع بها، بهدف استثمارها انتخابيًا. وتعزز هذا السباق وسط المنافسة الحادة بين قادة المعسكر اليميني على استعادة شعبيّته المهدَّدة بالتراجع، وغياب أي ضغط دولي جدّي من الخارج في اتجاه وقف تلك المشاريع.

يبدو أن قادة اليمين الاستيطاني بدأوا بالفعل استخدام الملفات الأمنية والاستيطانية ضمن دعايتهم الانتخابية المبكرة. وفي هذا السياق، ظهر وزير «الأمن القومي»، إيتمار بن غفير، أخيرًا، في مقاطع مصوّرة، وهو ينكّل بنشطاء «أسطول الصمود» المعتقلين في مكان احتجاز مؤقت في ميناء أشدود، في محاولة لاستعراض موقفه المتطرف أمام جمهوره اليميني. أما وزير المالية والوزير في وزارة الأمن، بتسلئيل سموتريتش، فذهب أبعد من ذلك، معلنًا «الحرب» على السلطة الفلسطينية، على خلفية تسريبات تحدّثت عن توجّه «المحكمة الجنائية الدولية» إلى إصدار مذكرة اعتقال في حقّه، إلى جانب مسؤولين إسرائيليين آخرين. كما أعلن سموتريتش، خلال مؤتمر صحافي عقده الأربعاء، عزمه توقيع أمر لإخلاء تجمّع «الخان الأحمر» البدوي شرقي القدس، معتبرًا أن مذكرات الاعتقال الدولية تمثّل «إعلان حرب»، ومتوعّدًا باتخاذ خطوات تصعيدية ضدّ الفلسطينيين والسلطة الفلسطينية.

تُعدّ قضية «الخان الأحمر» من أكثر ملفّات الضفة الغربية حساسية؛ إذ إن هذا التجمّع يشكّل البوابة الشرقية لمدينة القدس، ويقع في المنطقة الفاصلة بين القدس الشرقية ومستوطنة «معاليه أدوميم»، وذلك ضمن المساحة المغطّاة بمشروع «E1» الاستيطاني الذي تسعى الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة إلى تنفيذه منذ عقود. ويستهدف ذاك المشروع فصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها، وتهويد القدس عبر إحاطتها بحزام استيطاني يمنع أيّ تواصل جغرافي فلسطيني مستقبلي.

إذ يعود قرار هدم «الخان الأحمر»، الذي يضمّ قرابة 14 تجمّعًا بدويًا، إلى عام 2018، فإن الاحتلال كثّف، خلال الأشهر الأخيرة، محاولات تنفيذه، مستفيدًا من ظروف الحرب والتوترات الإقليمية، وبضغط من المنظمات الاستيطانية واليمين المتطرّف. وشهدت الضفة الغربية، منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر، تصاعدًا في سياسات تهجير التجمّعات البدوية؛ إذ جرى تهجير نحو 80 تجمّعًا في مناطق رام الله وأريحا والأغوار وشرق بيت لحم. وفي موازاة ذلك، ارتفع عدد البؤر الاستيطانية في الضفة إلى نحو 360، بينها أكثر من 200 بؤرة رعوية، في ظلّ توسّع غير مسبوق للاستيطان الرعوي المدعوم من قِبل حكومة الاحتلال، والذي يُستخدم أداةً للسيطرة على الأراضي الفلسطينية.

كان سموتريتش تفاخر بأن حكومته صادقت منذ تشكيلها على أكثر من 100 مستوطنة جديدة و160 بؤرة استيطانية، إضافة إلى عشرات آلاف الوحدات السكنية، معتبرًا أن هذه الحكومة تقود «ثورة» في الضفة الغربية. ويبدو أن تصريحات سموتريتش ومواقفه العنصرية اليمينية بدأت تأتي أُكلها؛ إذ بعد أشهر عجز خلالها عن تجاوز نسبة الحسم في استطلاعات الرأي التي أجرتها مختلف وسائل الإعلام الإسرائيلية، أظهر استطلاع نشرته صحيفة «معاريف»، أمس، أن حزب «الصهيونية الدينية» سيتجاوز العتبة الانتخابية ويحصل على أربعة مقاعد في «الكنيست»، للمرة الأولى منذ أشهر. وبحسب الاستطلاع نفسه، ستحصل أحزاب الائتلاف، مجتمعةً، على 51 مقعدًا، مقابل 59 مقعدًا للأحزاب المعارضة، وعشرة مقاعد للأحزاب العربية.

بالعودة إلى التوسع الاستيطاني، تتواصل التحركات الإسرائيلية في الاتجاه المذكور، إنما تحت غطاء «التخطيط الحضري» و«التراث والآثار» هذه المرة. وفي هذا السياق فحسب، يأتي المخطط الهيكلي رقم 1627/7، المعروف باسم «حي الشامي»، والذي يستهدف إقامة حيّ سكني حضري قرب تجمّعات البدو شرقي القدس، بما يتيح نقل هذه التجمّعات قسرًا من بيئتها الرعوية التقليدية إلى مجمعات سكنية مكتظّة، وبالتالي يسهّل السيطرة على الأراضي المفتوحة المحيطة بها لصالح التوسّع الاستيطاني.

بعد ساعات من تهديدات سموتريتش، قدّم 207 أشخاص من سكان تجمع «الخان الأحمر» والمجلس القروي لـ«عرب الجهالين» وممثّلي التجمعات البدوية الأخرى، إلى جانب «لجنة مجتمع أبو النوار» ونساء المنطقة، اعتراضًا رسميًا على مخطط «حي الشامي». واعتبر هؤلاء في رسالة الاعتراض، التي بعثوا بها عبر جمعية «بمكوم – التخطيط وحقوق الإنسان»، أن المشروع يشكّل خطوة جديدة ضمن سياسة تستهدف نقلهم قسرًا من محيطهم الريفي إلى بيئة حضرية مكتظّة لا تنسجم مع طبيعة حياتهم التقليدية.

في السياق نفسه، صادقت الحكومة الإسرائيلية على خطة بقيمة ربع مليار شيكل للسيطرة على مواقع أثرية في الضفة الغربية، ضمن مشروع وصفته بأنه «غير مسبوق»، يشمل إقامة مراكز تراثية وبنى تحتية سياحية في الضفة الغربية والأغوار، بذريعة حماية «التراث اليهودي». وتُعدّ هذه الخطة حلقة جديدة من مسلسل تعزيز السيطرة على الأراضي الفلسطينية، بالاستثمار في ملف «الآثار والتراث»، والذي يحذّر مختصون من خطورته.

إزاء ما تقدّم، يرى مراقبون فلسطينيون أن هذه التحولات المتسارعة كان يُفترض أن تدفع القوى الفلسطينية، وخصوصًا حركة «فتح» خلال عقد مؤتمرها الثامن، أخيرًا، إلى بلورة استراتيجيات جديدة لمواجهة المشروع الاستيطاني، وخصوصًا أن سلطات الاحتلال باتت تنفّذ عمليات هدم ومصادرة حتى في المناطق المصنّفة «أ» الخاضعة إداريًا للسلطة الفلسطينية. غير أن المؤتمر الذي لم يطرح أي أدوات عملية لمواجهة التحولات الجذرية التي تفرضها إسرائيل على الأرض، لم يخرج حتى بأي مقاربات مختلفة عن النهج التقليدي الذي اتبعته السلطة طوال العقود الثلاثة الماضية.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد