حسين شعيتو/جريدة الأخبار
وصل وزير الداخلية الباكستاني، محسن نقوي، مساء أول من أمس، إلى العاصمة الإيرانية، في زيارة هي الثانية له خلال أسبوع، حاملًا ردًّا أميركيًا جديدًا في شأن الملفات التفاوضية، محاولًا بذلك إعادة تنشيط المسار الدبلوماسي بين واشنطن وطهران، والذي شهد الكثير من الأخذ والردّ أخيرًا، من دون أن يفضي إلى أيّ نتيجة إيجابية. ومن بعد نقوي، من المتوقّع أن يصل قائد الجيش الباكستاني، المشير عاصم منير، إلى إيران خلال وقت قصير، في زيارة وُصفت بالمهمة جدًا، يلتقي خلالها قائد «الحرس الثوري»، الجنرال أحمد وحيدي، الذي يؤدّي - إلى جانب جهات أخرى - دورًا رئيسًا في إدارة عملية التفاوض. وذكرت «وكالة أنباء الطلبة» أن «زيارة منير إلى طهران تهدف إلى تقريب المسافات والمساعدة في التوصل إلى إعلان تفاهم رسمي»، مضيفةً أن إيران «تعكف على الردّ على نصّ أرسلته الولايات المتحدة».
بحسب مصادر إيرانية، أكد الطرف الباكستاني، خلال اجتماعات نقوي مع المسؤولين الإيرانيين، أن كلّ الظروف باتت متوفّرة للوصول إلى اتفاق، وأن الطرف الأميركي جاهز للتعاون وإبرام صفقة استنادًا إلى ورقة الشروط التي كانت قدّمتها إيران سابقًا. لكن، بحسب المصادر نفسها، «يبقى ملف اليورانيوم المخصّب بنسبة 60% وما فوق، والبالغة كميته نحو 440 كيلوغرامًا، هو العائق الوحيد والأهمّ أمام الوصول إلى اتفاق»؛ إذ يرى الوسيط الباكستاني أنه «من المستحيل أن تقبل الولايات المتحدة وإسرائيل باتفاق يُبقي هذه الكمية داخل إيران».
بالتزامن مع زيارة نقوي، أعلن المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، أمس، أن بلاده تلقت «وجهات نظر الولايات المتحدة، ونعكف على دراستها»، في حين نقلت وكالة «رويترز»، مساءً، عن مصدر إيراني رفيع قوله إنه «لم يتمّ التوصّل إلى اتفاق بعد، لكن الفجوات تقلّصت»، وإن «تخصيب اليورانيوم ومضيق هرمز من بين النقاط الخلافية بشأن الاتفاق».
على أن ما بدا لافتًا هو ما نقلته الوكالة نفسها عن مصدرَين إيرانيَّين كبيرَين، من أن «المرشد الإيراني، السيد مجتبى الخامنئي، أصدر توجيهًا يقضي بعدم إخراج اليورانيوم العالي التخصيب من إيران»، ما يُفهم على أنه تشدّد إيراني إضافي حيال أحد المطالب الأميركية الرئيسة في المفاوضات. وأضافت «رويترز» أن هذا القرار الجديد «قد يثير غضب الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، ويعقّد المفاوضات». لكن هذه المعلومات لم تؤكدها المصادر الإيرانية أو تنفها، بل اكتفت بالتأكيد أن المطروح حاليًا هو «مفاوضات لإنهاء الحرب فقط، وبعد ذلك يجري بحث الملفات الأخرى».
في المقابل، أعرب وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، أمس، عن أمله في أن تنجح الوساطة الباكستانية في دفع مسار التفاوض بين واشنطن وطهران نحو اتفاق ينهي الحرب، مشيرًا إلى حصول تقدّم في هذا الاتجاه. وقال روبيو للصحافيين: «أعتقد أن الباكستانيين سيتّجهون إلى طهران اليوم. لذا آمل في أن يدفع ذلك هذا الأمر قدمًا بشكل إضافي». وفي الاتجاه نفسه، لفت ترامب إلى «(أننا) نتفاوض حاليًا للتوصل إلى اتفاق، وسنرى ما ستؤول إليه الأمور، لكننا سنحصل على ما نريد بطريقة أو بأخرى»، مجدّدًا القول: «لن نسمح لإيران بامتلاك أسلحة نووية»، مضيفًا «(أننا) سنحصل على اليورانيوم العالي التخصيب وسندمره ولا يمكن أن نسمح ببقائه في إيران».
تابع «(أننا) نريد أن يفتح مضيق هرمز من دون فرض رسوم». وكان ترامب لوّح بإمكان العودة سريعًا إلى الخيار العسكري ضدّ إيران، معتبرًا أن المحادثات باتت «في مفترق طرق» بين اتفاق ينهي الحرب وبين استئناف الضربات. وقال ترامب، من قاعدة آندروز المشتركة: «صدقوني، إذا لم نحصل على الردود الصحيحة، فإن الأمور ستتحرك بسرعة كبيرة. نحن جميعًا مستعدون للتحرك». وردًا على سؤال عن المهلة التي سيمنحها للمفاوضات، قال: «ربما تكون بضعة أيام، لكن الأمور قد تتحرك بسرعة كبيرة».
رغم استمرار التهديدات الأميركية، تواصل القيادة الإيرانية التمسّك بموقفها المتشدّد، مستندةً في ذلك إلى إرادة شعبية وسياسية واضحة، عابرة للتيارات والأحزاب، عنوانها رفض الاستسلام للولايات المتحدة وإسرائيل، والإصرار على الصمود والمقاومة حتى الوصول إلى الأهداف التي حدّدتها القيادة. وفي سلسلة اتصالات أجرتها «الأخبار» مع بعض الشخصيات الممثّلة لتيارات مختلفة في إيران، عُرفت بتمايز مواقفها عن «التيار المحافظ» في محطات متعدّدة، شدّد أستاذ العلوم السياسية وعضو قيادة «التيار الإصلاحي»، أحمد زيباكلام، على أن «الاختلاف السياسي الداخلي لا يعني التخلّي عن الثوابت الوطنية، ومهما بلغت الملاحظات على أداء التيار الأصولي، فعندما يتعلّق الأمر بأمن إيران القومي وخيرات البلاد والاقتصاص من الشعب، توضع كلّ الخلافات جانبًا». وهو ما أكده أيضًا عضو المكتب السياسي في «التيار الإصلاحي»، محسن كمالي.
أما مريدو رئيس الجمهورية السابق، محمد خاتمي، الذين اتّسمت علاقتهم بـ«المحافظين» بخلافات أعمق، خصوصًا بعد ما عُرف بـ«الثورة الخضراء» التي أعقبت انتخابات عام 2009 الرئاسية وخسارة المرشح مير حسين موسوي حينها، فلخّص موقفهم حمد الله زاده، الذين يعدّ واحدًا من أبرز رموزهم. وفي تصريح إلى «الأخبار»، أشار زاده إلى أن تياره لديه «الكثير من الملاحظات على تراكم الأخطاء من جانب النظام الحالي»، لكن «ذلك لا يعني أن العدو، إذا نجح في إسقاط النظام والإطباق على البلاد، سيترك للشعب حرية الحكم أو الثروات». وعليه، فالوقت الآن، بالنسبة إليهم، هو «وقت هزيمة المتربصين والأعداء»، كما قال.
إسرائيل تستعد «لجولات قد تستمرّ لسنوات»
بالنسبة إلى ضباط «الحرس الثوري» وجنوده وقادة الجيش الإيراني، لا مناص من التحضير لاستئناف الحرب من جديد؛ إذ يعتقد هؤلاء أنه، بالاستناد إلى التجربة التاريخية، «لا يمكن الوثوق بالمفاوض الأميركي، وكلما تقدّم الوقت وزاد الإصرار على الشروط الأميركية المستحيلة، اقترب موعد استئناف الحرب». وفي المقابل، تواصل إسرائيل استعداداتها لاحتمال تجدّد الحرب مع إيران، و«جولات قد تستمرّ لسنوات»، وفق ما نقلته وسائل إعلام عبرية عن مسؤولين إسرائيليين. وتسعى المؤسسة الأمنية، بحسب تفاصيل نشرتها صحيفة «يديعوت أحرونوت»، أمس، إلى تهيئة الإسرائيليين لواقع جديد، مفاده أن «الحرب ضدّ إيران قد لا تنتهي بضربة واحدة».
قال مسؤول رفيع في المؤسسة الأمنية: «يجب القيام بمواءمة التوقّعات مع الجمهور. الحرب ضدّ إيران طويلة. ما دام النظام لم يسقط، فنحن نتوقع الدخول في جولات قتال متكررة، ربما كلّ سنة، وربما بوتيرة أعلى، لضمان ألّا يشكّل تهديد النووي والصواريخ الباليستية خطرًا على وجود دولة إسرائيل». وأضاف المسؤول: «حتى لو افترضنا في السيناريو الأكثر تفاؤلًا، أن مسألة النووي ستُحلّ، رغم أن احتمال ذلك منخفض، فإن إيران ستسرّع سباق التسلّح لديها، خصوصًا في مجال الصواريخ»، مشيرًا إلى أن «هناك مستوى معيّنًا لا يمكن توفير حماية جوية كاملة ضده، لذلك لن يكون أمامنا خيار سوى العودة إلى الهجوم مرة أخرى».
على صعيد متصل، أجرى رئيس أركان جيش الاحتلال، إيال زامير، مشاورات مع قادة الهيئات والأذرع العسكرية في رئاسة أركان الجيش، خلال الأسابيع الماضية، ضمن تقييم عام لاحتياجات الدفاع والهجوم. كما أجرى زامير، خلال اليومين الماضيين، محادثات مع نظرائه الأميركيين لتنسيق صورة الوضع الإقليمي. ونقل موقع «واللا» العبري، عن مصدر عسكري، أن «الجيشَين الإسرائيلي والأميركي أجريا مراجعة معمّقة لمعطيات المواجهتَين السابقتَين مع إيران، خصوصًا في ما يتعلّق برصد الصواريخ والمسيّرات واعتراضها». وتَركّزت الدروس المستخلصة من تلك المراجعة على «تحسين سياسة الاعتراض، وتعزيز التنسيق بين الجيوش، ودمج التقنيات والبرمجيات، وزيادة القوات والوسائل الدفاعية».
في المقابل، نقلت صحيفة «واشنطن بوست» عن تقييمات لـ«البنتاغون» أن الجيش الأميركي استنفد «جزءًا كبيرًا من مخزون الصواريخ الاعتراضية خلال حرب إيران، يفوق ما استخدمته إسرائيل». وبحسب التقييمات نفسها، أطلقت الولايات المتحدة أكثر من 200 صاروخ «ثاد» دفاعًا عن إسرائيل، وهو «ما يعادل تقريبًا نصف الإجمالي المخزون».
في السياق نفسه، أفادت شبكة «سي إن إن» بأن الاستخبارات الأميركية تقدّر أن «إيران تعيد بناء جيشها بوتيرة أسرع من المتوقع، إذ استأنفت إنتاج المسيّرات بعد أسابيع قليلة من وقف إطلاق النار». وتشير التقديرات إلى أن «طهران قادرة على استعادة قدراتها الرئيسة في مجال الطائرات المسيّرة خلال ستة أشهر»، فيما «تؤكّد المعلومات الاستخباراتية عدم تضرّر جزء كبير من البنية التحتية الإيرانية للصواريخ والطائرات المسيّرة».