الحرب تلسع نحل لبنان… والمربون يخوضون معركة البقاء

post-img

لوسي بارسخيان (صحيفة المدن)

بينما يحتفي العالم خلال شهر أيار بالنحل بوصفه حارساً صامتاً للتنوع البيولوجي والأمن الغذائي، يخوض مربّو النحل في لبنان معركة بقاء فعلية. فالحرب، إلى جانب التغير المناخي والتلوث وفوضى المبيدات، لم تكتفِ بإفساد المواسم، بل دفعت قطاع تربية النحل إلى واحدة من أصعب مراحله.

اقتصاد النحل

يشكل شهر أيار مناسبة عالمية لتسليط الضوء على أهمية حماية الملقِّحات وموائلها، وتعزيز وفرتها وتنوّعها ودعم التنمية المستدامة لقطاع تربية النحل. إلا أن هذه المناسبة تعكّرها في لبنان منذ سنوات الظروف القاهرة التي تهدد القطاع باستمرار، وآخرها ما فرضته الحرب الممتدة على جولتين متتاليتين، من تحديات هجرة النحل وكلفة رعايته المرتفعة.

خلال إطلاق غرفة التجارة والصناعة والزراعة في زحلة والبقاع الأسبوع الماضي لمشروع PLANBEE الذي ينفذ في ست دول متوسطية من بينها لبنان بدعم من الاتحاد الأوروبي، بهدف تحويل "اقتصاد النحل" إلى رافعة للتنمية المستدامة في منطقة المتوسط، كشف وزير الزراعة نزار الهاني أن قطاع النحل في لبنان هو من "أكثر القطاعات الزراعية تضررًا".  

فعلى رغم الإيجابيات التي لاحت خلال العام الجاري من خلال الظروف المناخية المؤاتية لتربية النحل، خلافًا للعامين الماضيين، خسر المزارعون هذا العام جزءًا كبيرًا من المراعي التي يعتمدون عليها خلال فصل الشتاء خصوصًا.  

حرمت الحرب مزارعي النحل من موسم ليمون الجنوب تحديدًا، وهو الموئل الشتوي للنحل الذي يسمح له أيضًا بالتغذية من موسم الأفوكادو، ليساهم بدوره في عملية التلقيح والإنتاج الزراعي. 

إجلاء المناحل بسبب الحرب

يشرح رمزي البيطار، أنه كان من النحالين الذين خلّفوا خلاياهم في المناطق المتوترة، ولم يتمكن من الوصول إليها لمدة 23 يومًا، فاستعان مع غيره بمؤازرة الجيش لإجلاء المناحل ونقلها إلى المناطق الآمنة. هذا في وقت فرضت المخاطر ارتفاعًا في أسعار نقل هذه المناحل، ما حمّل النحالين الذين لم يتمكنوا من تأمين هذه النفقات، خسارة النحل مع خسارة موسم الليمون. 

بحسب النحال أسامة شحادة، فإن النحالين لم يتمكنوا من الوصول إلى ثلثي كمية المناحل التي تكتظ شتاء على الساحل. ويتحدث في المقابل عن الضرر الذي تسبب به استخدام المواد الفوسفورية والسامة خلال الحربين الأخيرتين، وهو ما يتوقع أن تظهر تداعياته لاحقًا من خلال انهيار طوائف النحل.

ولكن الحرب على رغم صعوبتها ليست العدو الأوحد لنحل لبنان. بل يواجه منذ سنوات تحديات كثيرة أيضًا تتعلق بعشوائية استخدام المبيدات، والقطع الجائر للأشجار وعدم احترام الطبيعة. 

هذا في وقت يرى شحادة أن الخطر الأكبر على النحل والقطاع عموما يتسبب به الغش في استيراد متممات غذائية تحت اسم العسل، بالإضافة إلى غزو أصناف النحل الهجينة للقطاع.  

الملكة ابنة البيئة اللبنانية

يكتسب شحادة صيته من تأصيل الخلايا الوطنية للنحل والعمل على تكثيرها. ولكنه يأسف لافتقاد مناحل لبنان للدم البلدي، متوقفًا خصوصًا عند خسارة ملكة الـ"سرياكا" التي كانت كما يقول "ابنة البيئة اللبنانية"، وتملك قدرة كبيرة على مقاومة الأمراض، و"لكنها ضاعت من بين أيدينا نتيجة دخول هجائن غريبة وشرسة ".

في المقابل يتحدث شحادة عن عدالة غائبة حتى في توزيع المساعدات والهبات التي تصل إلى النحالين. شارحًا أنه في قضاء زحلة مثلًا لا يوجد معمل واحد للشمع، بينما معامل أخرى موّلت بهبات دولية في مناطق أخرى، وبقيت مغلقة ولا تعمل. وهذا بالإضافة إلى الروتين الذي يعيق تصدير العسل اللبناني إلى الخارج، مع أن العسل اللبناني هو الأجود كما يقول شحادة، وسعره في أوروبا أعلى من سعر المنتج الأوروبي، خصوصًا بسبب التنوع الذي توفره الطبقة النباتية "من كل قلبها".

تحفّظ على إجراءات "الزراعة"

على رغم الجهد الذي يضعه النحالون في قطاع يؤمنون بفضله على حياة الإنسان عمومًا، والتضامن الذي ساد بينهم، خصوصًا في فترة الحرب، حيث استضاف النحالون في المناطق الآمنة موائل زملائهم الواقعة تحت الخطر، ينظر هؤلاء بعتب إلى دولة يعتبرونها مقصّرة بحق القطاع، سواء عبر التشريعات أو الدعم المطلوب.

في المقابل قوبل إعلان وزير الزراعة عن إنجاز اللجنة الفنية العليا لإنتاج العسل في وزارة الزراعة، قرارًا تنظيميًا كاملًا متكاملًا للقطاع، بتحفظ من قبل مربي النحل، وخصوصًا لجهة عدم إشراكه الممثلين الفعليين للنحالين، وتفصيله على قياس كبار التجار الذين قد لا يهتمون بصغار النحالين وفقًا لما يقوله النحالون. 

وفقًا لما شرحه الوزير هاني فإن القرار "وضع إطاراً واضحاً يشمل تسجيل المناحل، تنظيم توزيعها، شروط الاستيراد، الرقابة الصحية، إنتاج الملكات، وضبط جودة العسل وتوضيبه وتغليفه". مضيفًا أن "الأهم هو أننا نؤسس لثقافة التتبع الكامل، بحيث يعرف المستهلك مصدر المنتج، ويثق بجودته، ويحصل النحال اللبناني على القيمة الحقيقية لجهده". 

انعكاسات سلبية على القطاع

إلا أنه وفقًا لبيان صادر عن النقابة فإن هذا القرار بصيغته الموضوعة لم يراع واقع القطاع والتحديات التي تواجه النحالين في مختلف المناطق. لا بل حذّرت النقابة من الانعكاسات السلبية لبعض الإجراءات على حركة المناحل والإنتاج، خصوصاً في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة، والأضرار الجسيمة التي لحقت بالقطاع جراء العدوان الإسرائيلي المستمر على الجنوب، وما تسبب به من نزوح وحركة نقل إلزامية للمناحل نحو المناطق الآمنة.

ومع ذلك قد يشكل القرار خطوة متقدمة نحو إيلاء قطاع تربية النحل في لبنان الأهمية التي يستحقها، خصوصًا أنها ترافقت وفقًا لما أعلنه الهاني، مع دعوة المزارعين إلى الالتزام باستخدام المبيدات والأدوية الزراعية الرسمية المسجلة لدى وزارة الزراعة، والواردة ضمن اللوائح المعتمدة، والتي تحمل الملصق الرسمي الواضح. وهذا بالإضافة إلى الدعوة التي وجهت إلى البلديات للتشدد في مراقبة منع استخدام المبيدات العشبية في القرى وعلى جوانب الطرقات.

 إلا أن العبرة، سواء بالنسبة لهذه القرارات أو غيرها، تبقى دائمًا في التنفيذ. فإما أن يترجم مسؤولية الدولة والمجتمع تجاه هذا القطاع المرتبط بالسلامة الغذائية والحفاظ على التنوع البيولوجي، او أن يسير لبنان بثبات نحو التفريط بهذه الثروة الطبيعية، في وقت تستثمر الدول في مشاريع تحمي هذه الثروة وتغني تجاربها.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد