حسين شكر (صحيفة الأخبار)
«إن الذين لا يتعلمون من التاريخ محكوم عليهم أن يكرّروه»، يقول خورخي سانتايانا في معرض حديثه عن كيف أنّه لا سبيل للأقوام والمجتمعات أن تتقدّم من دون التّعلّم من دروس الماضي.
ونحن اليوم بعد انهيار قطاع مصرفي وانهيار سعر صرف الليرة اللبنانية عام 2019، نكرّر أخطاء التعامل مع النقد وسعر الصرف على النحو الذي عشناه في العقود الماضية وإن كانت بطريقة مختلفة. صحيح أننا لا نقترض بفوائد خيالية، ولا نقوم بألعاب مالية لتأمين سيولة بالنقد الأجنبي لنغطي حاجتنا من الاستهلاك، إلا أننا كما في الماضي لم نعمل على خلق مصدر لهذه السّيولة بالدولار.
لبنان بين مرحلتين: ما قبل الانهيار الكبير عام 2019 – وما قبل الانهيار الثاني إن لم يعدّل المسار
سابقاً، كنا نؤمن السّيولة بالدولار لحاجات السوق مما يثبت سعر صرف الليرة عبر الاقتراض من دون ان يكون لدينا مدخول شرعي وفعلي مستدام للدولارات هذه خارج الاقتراض والاستيراد الضعيف جداً والحوالات المالية من المغتربين. أما اليوم فنحن دخلنا في مرحلة تثبيت لسعر الصرف عبر تجفيف السوق من السيولة النقدية بالليرة اللبنانية بما يوازي الكتلة النقدية المتواجدة بالسوق بالدولار، والتي هي أصلاً تأتي بطريقة هي أشبه بـ«الرّعاية الإلهية» لا عبر نظام اقتصادي مالي مدروس. ونحن اليوم نؤمن السّيولة بالدولار بشكل أساسي من حوالات المغتربين، فالتصدير الضعيف جداً، كما عائدات السياحة في المواسم السياحية.
هشاشة هذه الموارد جعلت لبنان مكشوفاً نقديّاً أمام «الخضّات» التي تتوالى على المنطقة منذ مدة زمنية ليست بالقصيرة، مما جعل إمكانية استمرار سياسته النقدية هذه لمدة طويلة شبه مستحيلة. لماذا؟ للشرح المُبسّط، إن الحكومة بسياستها المالية والاقتصادية ومعها المصرف المركزي بسياسته النقدية يستطيعون تثبيت سعر الصرف حالياً عبر منع الليرة اللبنانية عن السوق لجعل الدولار يظهر بمظهر المتوافر. وكانوا يعتمدون على جلب الدولارات من الحوالات والسياحة، ولكن هذا الدولار لم يعد يتدفّق بشكل سليم في الشهرين الماضيين مع انخفاض نسبة السياح، ومن المتوقع ألا يتدفّق عدد كاف من السائحين في الموسم السياحي الصيفي مع استمرار الحرب الإسرائيلية على لبنان.
نحن نُهلك النقد ونستهلك الاقتصاد قد يظن البعض أنها مشكلة تأمين سيولة، وهي كذلك، ولكن إن كنت عاجزاً عن تأمين السّيولة المطلوبة، فمن البديهي ان تضع حداً لما عليك أن تنفقه في المقابل. ولكن يبقى نمط الاستهلاك في لبنان حاكماً على كل الأولويات الأخرى. اقتصادنا محكوم بالاستهلاك، مما جعل الاستقرار رهينة هذا الاستهلاك، وجعل صنّاع القرار يجنحون لسياسات نقدية غير منطقية إلا لتأمين الاستقرار هذا عبر السماح باستمرار الاستهلاك. ولكن الاقتصاد والنقد لا ينفصلان، فلا سياسة نقدية ناجحة بلا نظام اقتصادي مُنتظم وسليم ولا نظام اقتصادي ناجح بلا سياسة نقدية مُجدية.
الاستيراد الاستهلاكي
عام 2025 قمنا بإنفاق 21 ملياراً و76 مليون دولار على الاستيراد من الخارج، 4 مليارات و800 مليون دولار منها للمحروقات ومشتقاتها؛ 4 مليارات دولار لؤلؤاً، وأحجاراً كريمة وشبه كريمة، ومعادن ثمينة؛ 1 مليار دولار حيواناتٍ ومنتجات حيوانية؛ 1 مليار و100 مليون دولار منتجات نباتية؛ 1 مليار و300 مليون دولار منتجات صناعة الأغذية؛ 1 مليار و350 مليون دولار سيارات ووسائل نقل؛ 800 مليون دولار مواد نسجية ومصنوعاتها (ملابس) وأحذية وأغطية رأس... وغيرها من الإنفاق الذي لن اذكره كون قد يحلو للبعض اعتباره صناعة ثقيلة لا يستطيع لبنان الاستعاضة عنها بالإنتاج المحلّي.
في المقابل، لم نؤمن دولارات للسوق اللبناني من التصدير إلا ما قيمته 3 مليارات و639 مليون دولار بعجز ميزان تجاري حوالي 17 ملياراً و400 مليون دولار. وفي سياق مثل السياق اللبناني حيث لا مورد فعلي للدولار عبر استثمارات خارجية، أو تصدير للسلع، أو الخدمات، أو الموارد الطبيعية، فهذا العجز التجاري يمكن اعتباره عجز سيولة بالعملة الأجنبية أيضاً. كذلك الحال في 2026، في الشهرين الأولين استوردنا ما قيمته 3 مليارات و757 مليون دولار، ولم نصدّر سوى 426 مليون دولار بعجز تجاري ونقدي يساوي 3 مليارات و331 مليون دولار.
ويمكن الجزم أن نمط الاستيراد الاستهلاكي لم يتأثر بالحرب، بل استمر، حيث إنه بالقياس لم ينخفض إلا قليلاً بشيء لا يُذكر في أشهر الحرب عام 2024. وعليه، ومع استمرار التدفّق الخارجي للدولار عبر الاستيراد الاستهلاكي فضلاً عن حتمية ارتفاعه بالنسبة للمحروقات مع ارتفاع الأسعار العالمية، ومع تعثّر دخول الدولار عبر موسم سياحي عُلّق نتيجة الحرب، واحتمالية انخفاض التحويلات الخارجية من المغتربين في الخليج في حال تغيّر الوضع الاقتصادي هناك، ومع التصدير الضعيف، ومع عدم تعلّمنا من التاريخ عبر زيادة التّصدير أو استبدال الاستيراد بالإنتاج الداخلي، فنحن محكوم علينا أن نكرّر انهيار الليرة مرة أخرى.