«التحرير» تحت ركام الحرب

post-img

لينا رشيد (صحيفة الأخبار)

يحلّ عيد المقاومة والتحرير هذا العام والجنوب تحت النار، يعيش تداعيات الحرب من قصف ودمار ونزوح وتدمير لمدنه الرئيسية من بنت جبيل إلى الخيام وصولاً إلى النبطية. هذا الواقع أعاد خلط المفاهيم مثل رمزية المناسبة بصورة الواقع الإنساني المعيشي القاسي. وعلى الرغم من اختلاف المواقف بين من يرى أن «التحرير فقد معناه في ظل استمرار الاحتلال والدمار»، ومن يتمسّك برمزية المناسبة كعنوان للصمود والأمل، يُجمِع أبناء الجنوب على حقيقة واحدة مفادها أنّ «الارتباط بالأرض لا يزال أقوى من كل الخسائر».

يقول أحمد النازح من بلدة بنت جبيل إن «حياته تبدّلت بالكامل بعد الحرب»، إذ كان يعيش حالة من الاستقرار المادي والمهني في بلدته. «كنت في بيتي في الجنوب، مكتفياً بما عندي، أعمل في كلّ شيء، وأعيش مرتاحاً». أمّا اليوم، فكل شي تغيّر، «أستدين المال وأنتظر المساعدات الغذائية لأتمكن من البقاء على قيد الحياة». بالنسبة إلى أحمد لا مجال للتكلّم عن عيد تحرير بينما الأرض محتلة، معتبراً أنّ «المناسبة فقدت معناها بالنسبة إلى كثيرين ما دامت أجزاء من الأرض مُحتلّة».

ولكن، وعلى الرغم من هذه النظرة، يعتبر أحمد أنّ أصل وجود المقاومة يساوي إمكانية التحرير من جديد. فالإرادة لدى أهل الجنوب وتمسّكهم بأرضهم من المسلمات. لذا «ستتحرر الأرض المحتلة من جديد»، يقول أحمد، وسنعيد إعمار بيوتنا ونستعيد كرامة العيش.

من جهتها تتحدّث المزارعة نعيمة قطيش بحرقة عن رزقها الذي التهمته نيران العدو الإسرائيلي منذ بداية المعارك في الجنوب، مستذكرةً سنوات التعب التي تحوّلت إلى رماد في لحظات. تبكي قطيش بحسرة جنى عمرها الذي كانت تعتمد عليه كسبيل وحيد للعيش، بعدما خسرت مواسمها الزراعية. وتقول إنّها كانت تعيش من زراعة القمح والزيتون والدخان والزعتر، إلا أنّ نيران العدو حرمتها من قطاف 12 دونماً من الدخان، فيما أتت الحرائق على موسمَي القمح والزيتون، وأحرقت نحو 150 شجرة زيتون.

«رمّمت نفسي بنفسي بعد الحرب الأولى»، تقول قطيش: «ثم خرجت في الحرب الثانية وتركت ورائي جنى عمري». وأمام هول ما جرى، تؤكد قطيش تمسكها بأرضها، قائلةً: «سأعود إلى أرضي، وسيتحرر الجنوب. العيد هذا العام مُثقل بالآلام والأوجاع، لكننا سنحتفل يوم يخرج العدو من الجنوب، حينها فقط سيكون عيد التحرير الحقيقي». بالنسبة إليها «لولا المقاومة لَما عرفنا التحرير».

أمّا علي ابن بلدة عيناثا الحدودية في جنوب لبنان، فيقول إنّ «عيد التحرير يبقى العيد الأهم بالنسبة إلينا كجنوبيين، ففي هذا اليوم خرج الاحتلال من أرضنا، ما يجعل من 25 أيار يوماً يحمل معنى يتجاوز الاحتفال العادي، لأنه مرتبط بالأرض والكرامة والعودة».

ويرى علي أنّ ذكرى التحرير لا تزال تمنح الأهالي أملاً على الرغم من الخسائر الكبيرة التي تكبّدوها خلال السنوات الأخيرة. يقول: «هذا اليوم يعطينا أملاً بأننا سنعود مجدّداً إلى قرانا مهما طال وقت الاحتلال». وعن الخسائر التي تكبّدها بسبب الحرب الإسرائيلية، يتحدّث علي عن التحوّلات القاسية التي عاشها نتيجة الحروب المُتتالية، موضحاً أنّه فقد مصدر رزقه الأساسي في حرب عام 2024 بعدما دُمّر محله التجاري، قبل أن يخسر لاحقاً مزرعته الصغيرة في الحرب الحالية، وهي كانت تشكّل موردَ دخلٍ إضافيٍّ لعائلته.

ويشير إلى أنّ الظروف الاقتصادية والمعيشية دفعته إلى مرحلة شديدة الصعوبة، ولكنه يؤكد أنّه لم يستسلم، لذا بدأ من جديد بمشروع متواضع عماده «بسطة قهوة» عند مفترق إحدى الطرقات في الجنوب أيضاً، في محاولة منه لتأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة اليومية، والعودة إلى القرية عند انسحاب العدو... «أنا مؤمن بأننا سنعود ونتحرّر مرة ثانية ونرجع إلى أرضنا وبيوتنا»، يختم علي.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد