موازنة 2026 تحت وطأة الحرب والانكماش: أيّ أسس مالية يبنى عليها عام 2027؟

post-img

سلوى بعلبكي (صحيفة النهار)

يرزح الاقتصاد اللبناني المنهك أصلا تحت كلفة حرب مدمّرة وخسائر بمليارات الدولارات أصابت البنية التحتية والإنتاج والسياحة والاستثمار، وأعادت توسيع دائرة الانكماش والنزوح والبطالة والفقر. بلد لم يخرج أصلا من انهياره المالي والنقدي، وجد نفسه أمام استنزاف إضافي يضغط على  الإيرادات العامة ويضاعف الحاجة إلى الإنفاق الطارئ والتعافي وإعادة الإعمار.

تحت هذا الثقل، تبدو أيّ موازنة تبنى على فرضيات الاستقرار والنمو أقرب إلى تمرين محاسبي منها إلى خطة مالية واقعية. من هنا يبرز السؤال الأساسي مع وضع موازنة 2027 على السكة: هل تملك الدولة الجرأة أولا على الاعتراف بأن موازنة 2026 باتت منفصلة عن الواقع الاقتصادي والاجتماعي الذي يعيشه لبنان؟

2026: أرقام على الورق واقتصاد ينكمش

يرى الخبير الاقتصادي الدكتور محمد فحيلي أن "موازنة 2026 لم تعد تعكس الواقع الفعلي للاقتصاد اللبناني، لأنها بنيت على فرضية انتظام مالي نسبي، فيما البلاد لا تزال تعيش حالة طوارئ اقتصادية وأمنية واجتماعية مفتوحة".

وبحسب فحيلي، فإن الحكومة نفسها تتحدث عن انكماش اقتصادي قد لا يقل عن 6% خلال عام 2026 نتيجة الحرب والتوترات الأمنية، "ما يطرح علامات استفهام حول جدوى الانتقال مباشرة إلى إعداد موازنة 2027 من دون إعادة النظر في الفرضيات الأساسية التي قامت عليها موازنة العام الحالي".

ويشير إلى أن موازنة 2026 قدمت نفسها على أنها شبه خالية من العجز، مع نفقات وإيرادات تقارب قيمتهما نحو 6 مليارات دولار على أساس سعر صرف يبلغ 89 ألفا و500 ليرة للدولار. إلا أن هذا "التوازن" يبقى شكلياً إذا كان الاقتصاد ينكمش، والاستثمارات تتراجع، والإيرادات تتعرض لضغط متزايد بفعل الحرب والتباطؤ الاقتصادي.

موازنة منفصلة عن الواقع

تكمن المشكلة الأساسية، وفق مقاربة اقتصادية ومالية أوسع، في أن موازنة 2026 تعاملت مع المالية العامة بمعزل عن البيئة الاقتصادية الفعلية. فالأرقام قد تبدو متوازنة محاسبيا، لكن الواقع مختلف تماماً.

فالنشاط الاقتصادي لا يزال هشاً ومتراجعاً، فيما تعرضت القطاعات الإنتاجية والسياحية لخسائر كبيرة. أما النزوح الناتج من الحرب فرفع الإنفاق الطارئ  والخدماتي، في حين تتآكل القدرة الشرائية للمواطنين بفعل الضرائب والرسوم، والاستثمار العام ما زال محدوداً وغير قادر على تحفيز النمو، وشبكات الأمان الاجتماعي لا تزال ضعيفة قياساً بحجم الأزمة.

لذا تبدو الموازنة أقرب إلى "موازنة جباية" هدفها توفير الحد الأدنى من إيرادات الدولة، أكثر من كونها خطة تعاف اقتصادي حقيقية.

موازنة 2027 على السكة… بأيّ فرضيات؟

يفترض وضع موازنة 2027 على سكة الإعداد، بحسب فحيلي، ليس فقط إعداد جداول وأرقام جديدة، بل إجراء مراجعة سياسية ومالية شاملة لموازنة 2026. ويطرح أسئلة عما تحقق فعليا من أهدافها؟ وما حجم  الإيرادات التي جرى تحصيلها؟ وهل استقرار سعر الصرف ناتج من تحسن اقتصادي حقيقي أو من إدارة نقدية ظرفية؟ وهل تستطيع الرسوم والضرائب الحالية الاستمرار من دون خنق ما تبقى من النشاط الاقتصادي؟ وأين الإنفاق الفعلي على إعادة الإعمار والبنية التحتية والحماية الاجتماعية؟ ومن أين يأتي التمويل اللازم لإعادة الإعمار؟

هذه الأسئلة، لا يمكن قراءتها اقتصادياً فقط، بل سياسياً أيضاً، لأنها تحدد طبيعة الدور الذي ستؤديه الدولة في المرحلة المقبلة: دولة جباية وإدارة أزمة، أو دولة تعافٍ وإعادة بناء؟

التحدي الأكبر: الإعمار وتمويل الدولة

التحدي المالي الأبرز الذي سيواجه موازنة 2027 يتمثل في كيفية التوفيق بين متطلبات إعادة الإعمار من جهة، والمحافظة على الحد الأدنى من الاستقرار النقدي والمالي من جهة أخرى.

فلبنان يحتاج إلى تمويل ضخم لإعادة تأهيل البنية التحتية، ودعم القطاعات المتضررة، وتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية، وتحفيز الاستثمار والإنتاج، وإصلاح الإدارة العامة والمؤسسات.

لكن كل ذلك يجري في ظل ضعف الثقة الداخلية والخارجية، وغياب الإصلاحات البنيوية الكبرى، واستمرار الأزمة المصرفية، ومحدودية التمويل الخارجي، وارتفاع نسب الفقر والبطالة.

الخلاصة التي يطرحها النقاش حول موازنة 2027 تتجاوز مجرد إعداد أرقام وجداول جديدة. فالمطلوب، قبل أيّ شيء، تقويم صريح لموازنة 2026: هل كانت فعلاً موازنة تعافٍ اقتصادي، أو مجرد محاولة لتثبيت دفتر حسابات الدولة مالياً، بينما الاقتصاد والمجتمع يتحركان في اتجاه مختلف تماماً؟

والواقع أن الخطر الأكبر لا يكمن فقط في العجز المالي، بل في استمرار إنتاج موازنات تتجاهل واقع الانكماش والخسائر والحرب، وتتعامل مع الاقتصاد اللبناني كأنه دخل فعلاً مرحلة الاستقرار، فيما المؤشرات اليومية تقول العكس تماماً.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد