جاد طعمه (صحيفة الأخبار)
ليس مهماً في الحياة الدستورية أن يُقِرّ المجلس النيابي قانوناً أو يمتنع عن إقراره، فهذه وظيفة طبيعية للسلطة التشريعية. أمّا أن يصبح تعطيل التشريع هو القاعدة، فهنا تبدأ الأزمة الدستورية.
إن النقاش الذي رافق مقترح قانون العفو العام لم يكشف انقساماً حول السياسة الجزائية فحسب، بل أعاد طرح سؤال أعمق: هل ما زالت المؤسسات الدستورية اللبنانية تؤدّي الوظيفة التي أنشأها الدستور من أجلها، أم أنها أصبحت تدير الأزمات بدلاً من حلّها؟
إن مبدأ الفصل بين السلطات لا يقتصر على توزيع الاختصاصات بين السلطات العامة، بل يهدف إلى ضمان استمرار الدولة في أداء وظائفها الدستورية. فإذا أصاب التعثّر إحدى السلطات، تعاظمت مسؤولية السلطتين الأخريين في حماية الشرعية الدستورية. أمّا إذا أصاب الوهن السلطات جميعها، فإن الدولة لا تواجه أزمة سياسية فحسب، بل أزمة دستورية تمسّ جوهر دولة القانون.
إن الحق في المحاكمة خلال مهلة معقولة لم يعد مجرّد مبدأ إداري يتعلق بحسن سير العدالة، بل أصبح من الضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة في الفقه الدستوري المعاصر، بحيث يغدو التأخير غير المُبرّر مساساً بحقوق المتقاضين، لا مجرّد خلل في الأداء القضائي.
فقدان النصاب: من ضمانة دستورية إلى مرض مزمن
النصاب لم يبتكره الدستور ليكون وسيلة تعطيل، بل ليضمن أن تصدر القرارات عن مجلس مكتمل التمثيل.
غير أن الممارسة الدستورية اللبنانية خلال السنوات الأخيرة كشفت تحوّلاً خطيراً إذ انتقل فقدان النصاب من وسيلة استثنائية إلى أداة سياسية متكررة.
وقد شاهد اللبنانيون هذا المشهد خلال أزمة انتخاب رئيس الجمهورية، حيث استُخدم فقدان النصاب بصورة متكررة حتى أصبح الفراغ الرئاسي جزءاً من الحياة الدستورية، ثم عاد المشهد نفسه ليتكرر في الأمس خلال العمل التشريعي.
وكأنّ فقدان النصاب لم يعد وسيلة استثنائية تفرضها ظروف محدّدة، بل تحوّل إلى نمط متكرر في إدارة الخلافات الدستورية.
وهنا يبرز السؤال الذي لم يعد بالإمكان تجاهله: هل يجوز أن تتحوّل قاعدة وُضعت لضمان حسن عمل المؤسسات إلى وسيلة تمنع المؤسسات من أداء وظائفها؟
إن الفقه الدستوري لا يكتفي بالنظر إلى مشروعية الوسيلة في ذاتها، بل يبحث أيضاً في الغاية التي استُعملت من أجلها. فالنصاب وسيلة لضمان صحة انعقاد المجلس، وليس وسيلة لإعدام وظيفته التشريعية.
من هنا، فإن تكرار استعمال فقدان النصاب بصورة تؤدّي إلى شلل المؤسسات يستدعي نقاشاً دستورياً جدّياً حول مفهوم حسن استعمال الصلاحيات الدستورية وحدودها.
العفو العام: عندما يصبح الاستثناء سياسة عامة
الأصل في الدولة أن تحاكم، والاستثناء أن تعفو.
لكنّ التجربة اللبنانية تكاد تعكس هذه المعادلة.
فكلما تراكمت الملفات القضائية، وازدادت أعداد الموقوفين، وطالت المحاكمات، عاد النقاش حول قانون عفو جديد، وكأنّ العفو أصبح جزءاً من السياسة الجزائية للدولة.
وهذا في حدّ ذاته مؤشر على خلل مؤسساتي.
فالعفو العام ليس علاجاً لأزمة القضاء، بل هو اعتراف غير مباشر بوجودها واستمرارها كنهج.
ولو كانت المحاكمات تجري خلال مهلة معقولة، لما وجد آلاف الموقوفين أنفسهم ينتظرون سنوات قبل معرفة مصيرهم، ولما تحوّلت السلطة التشريعية إلى ساحة نقاش دوري حول قوانين العفو.
إن المشكلة ليست في غياب العفو بل في غياب العدالة السريعة.
ولا يقتصر التنظيم الدستوري على توزيع الاختصاصات بين السلطات، بل يفترض أيضاً ممارستها ضمن زمن يحقّق الغاية التي أنشئت من أجلها. فالتأخير غير المُبرّر في ممارسة الاختصاص قد يفرغه من مضمونه، كما هو الحال في انتخاب رئيس الجمهورية، أو في ممارسة البرلمان لوظيفته التشريعية، أو في حق المتقاضين بمحاكمة ضمن مهلة معقولة.
العدالة الناجزة أولى من العفو العام
إن أخطر ما يمكن أن يصيب الدولة هو أن يتحوّل الاستثناء إلى قاعدة.
فالعفو العام يجب أن يبقى استثناءً تفرضه ظروف وطنية استثنائية.
أمّا عندما يصبح الوسيلة الوحيدة لمعالجة الاكتظاظ في السجون أو طول أمد التوقيف، فإن ذلك يعني أن الدولة لم تعد تعالج سبب الأزمة، بل نتائجها.
فالحق الأول للمتهم ليس العفو وإنما أن يحاكم خلال مهلة معقولة.
والحق الأول للضحية ليس التسوية السياسية وإنما صدور حكم قضائي مُنصِف.
ولهذا فإن النقاش الذي ينبغي أن يشغل الرأي العام لا يجب أن يبدأ من السؤال: هل نريد عفواً عاماً؟ بل من سؤال أكثر جوهرية وعمقاً قوامه لماذا أصبحت الدولة تحتاج، بصورة متكررة، إلى العفو العام؟
إن الدولة التي تؤدّي سلطتها القضائية وظيفتها بكفاءة لا تحتاج إلى قوانين عفو متكررة لمعالجة آثار التأخير، لأن العدالة الناجزة تمنع تراكم المظالم قبل أن تتحوّل إلى أزمة سياسية.
أمّا عندما يصبح العفو العام حلاً دورياً، فإن ذلك لا يدل على نجاح السياسة الجزائية، بل على إخفاقها.
وهنا تكمن المفارقة؛ فبدلاً من إصلاح المرفق القضائي، يجري نقل الأزمة إلى السلطة التشريعية، لتتحوّل قاعة البرلمان إلى مكان لمعالجة آثار أزمة كان ينبغي أن تُحل داخل قاعات المحاكم.
عندما تضعف السياسة يجب أن تقوى العدالة
إن أخطر ما يمكن أن يصيب النظام الدستوري ليس ضعف سلطة بعينها، وإنما أن تضعف السلطات جميعها في الوقت نفسه.
لقد أثبتت التجربة اللبنانية، خلال السنوات الأخيرة، أن السلطة السياسية أصبحت تعاني اختلالات متكررة في أدائها الدستوري. فالفراغ الرئاسي الطويل، وتعطيل الاستحقاقات، وتكرار فقدان النصاب في أكثر من مناسبة، لم تعد أحداثاً استثنائية، بل تحوّلت إلى ظاهرة تكاد تشكل سمة من سمات الحياة الدستورية اللبنانية.
ولا يهم في هذا المقام تحديد المسؤوليات السياسية، لأن المسؤوليات تتبدّل بتبدّل المواقع والاصطفافات. أمّا الثابت فهو أن الدولة لا تستطيع أن تستمر إذا أصبح التعطيل جزءاً من آليات عملها الطبيعية.
وهنا تبرز الوظيفة الحقيقية للسلطة القضائية.
فالقضاء، في الدولة الدستورية، لا ينشأ ليكون سلطة بديلة عن السلطة السياسية، ولا خصماً لها، وإنما ليكون صمام الأمان عندما تعجز السياسة عن حماية الشرعية.
ولهذا، كلّما ازدادت الحياة السياسية اضطراباً، ازدادت الحاجة إلى قضاء أكثر استقلالاً، وأكثر جرأة في ممارسة ولايته، وأكثر إدراكاً لموقعه بوصفه سلطة دستورية كاملة، لا مجرّد إدارة عامة تتولى تسيير الملفات القضائية.
إن استقلال القضاء لا يقاس بالشعارات، بل بمدى شعور القاضي بأنه مسؤول، قبل أي شيء آخر، عن حماية الدستور والحقوق والحريات، وأن شرعيته مُستمدّة من القانون وحده، لا من رضى السلطة السياسية ولا من موازين القوى.
فالقاضي الذي يعي حقيقة رسالته لا يرى نفسه موظفاً لدى الدولة، بل أحد الحراس الدستوريين لدولة القانون.
ومن هنا، فإن القضاء لا ينبغي أن ينظر إلى العفو العام باعتباره حلاً لأزمة العدالة، بل بوصفه دليلاً على تعثّرها. فالموقف الطبيعي للسلطة القضائية ليس انتظار تدخل السلطة التشريعية لمعالجة تراكم الملفات، وإنما المطالبة بالإمكانات والضمانات التي تمكّنها من الفصل السريع في الدعاوى. فكرامة القضاء لا يحفظها قانون عفو، وإنما يحفظها قضاء ناجز يجعل الحاجة إلى العفو استثناءً نادراً لا سياسة عامة.
فاستقلال القضاء ليس امتيازاً ممنوحاً للقضاة، بل ضمانة دستورية للمواطن حتى لا يصبح حقه في العدالة رهناً بتقلبات السياسة أو بتدخل السلطة التشريعية لمعالجة ما كان ينبغي أن يعالجه القضاء.
إصلاح العدالة: الطريق الحقيقي إلى الاستقرار
لقد أثبتت التجارب المقارنة أن استقرار الدول لا يتحقّق بكثرة التسويات السياسية، وإنما بقوة المؤسسات.
والمؤسسات لا تُقاس بعدد القوانين التي تصدرها، بل بقدرتها على أداء الوظيفة التي أنشئت من أجلها.
فالبرلمان وُجد ليُشرِّع، لا ليُعطِّل.
والقضاء وُجد ليحكم، لا لينتظر.
والسلطة التنفيذية وُجدت لتنفّذ القانون، لا لتدير الأزمات إلى ما لا نهاية.
ومن هنا، فإن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بقانون عفو عام، بل يبدأ بإعادة الاعتبار إلى مرفق العدالة.
فمن غير المقبول أن يبقى المتقاضي ينتظر سنوات للحصول على حكم، ثم يطلب منه أن يعتبر العفو العام بديلاً عن حقه في العدالة.
ومن غير المقبول أيضاً أن تستمر أنظمة العمل القضائي وكأنّ البلاد تعيش ظروفاً طبيعية، فيما الجميع يقر بأن الأزمة التي أصابت مؤسسات الدولة قد انعكست مباشرة على إنتاجية القضاء وعلى حق المواطنين في التقاضي ضمن مهلة معقولة.
إن إعادة النظر في تنظيم العمل القضائي، وفي آليات المحاكمة، وفي كل ما من شأنه تسريع الفصل في النزاعات، لم تعد ترفاً تشريعياً، بل أصبحت ضرورة دستورية تمليها حماية الحقوق وصون الثقة بالدولة.
اختلال الوظيفة الدستورية للسلطات العامة
يُقصد باختلال الوظيفة الدستورية أن تستمر السلطة قائمة من الناحية الشكلية، بينما تعجز عن أداء الغاية التي أنشأها الدستور من أجلها، أو تضطر سلطة أخرى إلى الحلول عملياً محلها لمعالجة آثار هذا التعثّر.
فالدساتير لا تنشئ السلطات لذاتها، وإنما تنشئها لتؤدّي وظائف محدّدة تمثّل الغاية من وجودها. فإذا بقيت السلطة قائمة شكلاً، وتعطّلت وظيفتها موضوعاً، اختلّ التوازن الدستوري ولو بقيت النصوص على حالها.
وتكشف التجربة اللبنانية أن الخلل لا يقتصر على تعثّر كل سلطة في أداء وظيفتها، بل يمتدّ إلى انتقال السلطات إلى ممارسة وظائف ليست من صميم اختصاصها. فالسلطة التشريعية تنشغل بمعالجة نتائج تعثّر العدالة، والسلطة القضائية تجد نفسها عاجزة عن أداء رسالتها بالسرعة التي يفرضها الدستور، فيما تتحوّل الآليات الدستورية ذاتها إلى وسائل لتعطيل عمل المؤسسات. وعند هذه المرحلة لا يعود الخلل في أداء سلطة بعينها، بل في الوظيفة الدستورية للسلطات العامة مجتمعة، وهو اختلال يمسّ جوهر دولة القانون.
ليس من مقتضيات مبدأ الفصل بين السلطات أن تتحمّل سلطة دستورية نتائج إخفاق سلطة أخرى. فعندما يجد المجلس النيابي نفسه مدفوعاً، بصورة متكرّرة، إلى مناقشة قوانين عفو بسبب تراكم المحاكمات، فإنه يكون قد انتقل من ممارسة وظيفته التشريعية إلى محاولة معالجة نتائج قصور أصاب مرفق العدالة. وهنا يختلّ التوازن الذي أراده الدستور بين السلطات، لأن كل سلطة تصبح منشغلة بتدارك إخفاق الأخرى بدلاً من ممارسة اختصاصها الأصيل.
خاتمة
إن أخطر ما كشفته التجربة اللبنانية خلال السنوات الأخيرة ليس كثرة الخلافات السياسية، فالديمقراطيات جميعها تعرف الخلاف، وإنما اعتياد المؤسسات على التعطيل، واعتياد المجتمع على البحث عن حلول استثنائية لمشكلات كان ينبغي أن تعالجها القواعد العادية.
فقدان النصاب لا ينبغي أن يصبح أسلوباً دائماً لإدارة الاختلاف. والعفو العام لا ينبغي أن يتحوّل إلى بديل عن العدالة. والقضاء لا ينبغي أن يقبل بأن يكون الحلقة الأضعف في معادلة الدولة.
إن الدولة الدستورية لا تقوم على حسن صياغة النصوص فحسب، وإنما على وجود سلطات تؤمن برسالتها، وتمارس اختصاصاتها بروح الدستور قبل حرفيته.
وعندما تتحوّل الوسائل الاستثنائية إلى قواعد، ويصبح تعطيل المؤسسات أمراً مألوفاً، فإن الإصلاح لا يبدأ بإنتاج استثناء جديد، بل بالعودة إلى الأصل: برلمان يشرّع، وقضاء يحكم، ودولة تحترم الزمن الدستوري للعدالة كما تحترم الزمن الدستوري للسلطة.
حين يصبح البرلمان محكمة، والقضاء مُنتظِراً للتشريع، والسياسة أسيرة التعطيل، لا تكون الأزمة أزمة قوانين، بل أزمة دولة.
فالعبرة في الدولة الدستورية ليست ببقاء السلطات قائمة شكلاً، وإنما باستمرارها في أداء الوظائف التي أنشأها الدستور من أجلها. فإذا تعطّلت الوظيفة، لم يعد الخلل سياسياً فحسب، بل أصبح خللاً دستورياً يمسّ جوهر دولة القانون.
وعندئذٍ، لا يعود العفو العام دليلاً على رحمة الدولة، بل يصبح شاهداً على اختلال وظيفتها الدستورية في تحقيق العدالة التي وُجدت من أجلها.