حروب اسرائيل: أسماء العمليات بين التوراة والوعي السياسي

post-img

دولة حيدر أحمد (صحيفة الأخبار)

يتقاطع الزمن الديني مع الزمن العسكري في «إسرائيل»، منذ عام 1948، على نحو يجعل الأعياد تتجاوز التقويم الديني، لتصبح جزءاً من بنية الصراع نفسها، بما يوسع من التداخل بين المعتقدات «التوراتية» والحسابات السياسية والأمنية.

لذا لا يمكن فصل الحروب الحديثة عن اللغة التي تُسمّيها وتؤطرها، وتكشف مراجعة مسميات العمليات العسكرية عن نمط متكرر يقوم على استدعاء الرموز التوراتية والدينية والتاريخية، بما يمنح الفعل العسكري بعداً يتجاوز الميدان نحو بناء سردية موازية تقوم على القداسة والاصطفاء والمعنى الرمزي للحرب.

ويزداد هذا التداخل بين الدين والسياسة حضوراً في السياق الراهن، مع اقتران الأعياد اليهودية، بتصاعد التوترات الإقليمية والحديث المتكرر عن احتمالات تجدد المواجهة مع إيران، وخاصة مع صعود قوى اليمين الديني داخل منظومة الحكم الإسرائيلية، حيث باتت الحرب تُقدَّم في بعض الخطابات بوصفها امتداداً لسردية دينية–تاريخية، لا مجرد مواجهة عسكرية تقليدية وما يرافقها من خطاب عسكري يقوم على مفاهيم «الضربة الاستباقية» و«حروب الحسم». هذا التزامن بين التقويم الديني والتصعيد العسكري يعيد طرح سؤال مركزي حول كيفية توظيف الرموز والمناسبات الدينية في صياغة خطاب الحرب وإنتاج شرعيتها.

عيد «الشافوعوت» في خدمة الحرب

يتحوّل عيد «الشافوعوت» الذي بدأ مع غروب شمس يوم الخميس 21 مايو/أيار 2026، واستمرّ حتى مساء السبت 23 مايو/أيار، من مناسبة دينية وزراعية تقليدية لدى المستوطنين، يُحيي في الموروث اليهودي ذكرى تلقّي النبي موسى «التوراة» على جبل سيناء، إلى حدث تتداخل فيه الدلالات الدينية مع السردية السياسية والعسكرية.

فالعيد الذي يُعرف أيضاً بـ«عيد الأسابيع»، ويرتبط بانتهاء عدّ الأسابيع السبعة بعد عيد الفصح وبموسم حصاد القمح، يقوم أيضاً على طقوس دينية وصلوات خاصة، ويترافق مع تقاليد غذائية أبرزها تناول الأجبان ومشتقات الحليب. غير أن هذا البعد الروحي والزراعي لا يبقى معزولاً، إذ يُعاد توظيفه في الخطاب الإسرائيلي ضمن سردية أوسع تربط بين الدين والتاريخ والقوة العسكرية.

وتحرص المؤسسة العسكرية الإسرائيلية على استخدام أجواء العيد في ماكينة التعبئة المعنوية للحرب؛ إذ أعلن جيش الاحتلال، يوم الخميس الماضي، استكمال استعداداته الخاصة لتأمين «أجواء احتفالية» للجنود في «القواعد وخطوط القتال»، عبر توزيع نحو 724 ألف قطعة حلوى خاصة بهذا العيد، إضافة إلى 84 طناً من الأسماك و90 طناً من المخبوزات، فضلاً عن آلاف أطقم الطهي الميدانية المخصصة للجنود. وبالتوازي، يصرح قائد جيش الاحتلال إيال زامير بأن الجيش يعيش «أعلى درجات الجهوزية» في مشهد يعكس كيف تُستدعى المناسبات الدينية والرموز التوراتية داخل الخطاب الإسرائيلي لتأطير الحرب ومنحها بعداً عقائدياً يتجاوز حدود الصراع العسكري التقليدي.

يرتبط «الشافوعوت» في الذاكرة التاريخية اليهودية بسلسلة من الوقائع التي استغلتها الصهيونية في تعزيز روايتها ومظلوميتها، أبرزها أحداث «الفرهود» في العراق عام 1941، التي وقعت خلال أيام هذا العيد، وشهدت هجمات عنيفة على يهود بغداد أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 180 يهودياً. وفي المقابل، يُستحضر العيد داخل الوعي الإسرائيلي المعاصر أيضاً بوصفه زمناً لعمليات عسكرية كبرى تعتبرها إسرائيل «إنجازات استراتيجية»، وفي مقدمتها قصف المفاعل النووي العراقي عام 1981 فيما عُرف بـ«عملية أوبرا» أو «تموز»، الذي نُفذ خلال أيام «الشافوعوت» أيضاً بأمر من رئيس الوزراء آنذاك مناحيم بيغن، ضمن عقيدة الضربة الاستباقية لمنع خصوم إسرائيل من امتلاك قدرات نووية.

وفي سياق استعماري – ديني متصل، احتفل جنود الاحتلال بعيد «الحانوكا» أو «عيد الأنوار»، للمرة الأولى، في 14 ديسمبر/كانون الأول 2025، في مرتفعات جبل الشيخ في سوريا، كما احتفل جنود آخرون عبر إشعال الشموع وسط مخيم طولكرم شمالي الضفة الغربية في ظل العملية العسكرية «السور الحديدي» التي تشنها قوات الاحتلال على مخيمات شمالي الضفة، ويحتفل اليهود بهذا العيد وفق الرواية اليهودية، بـ«انتصار الحشمونيين» في التمرد ضد الحكم اليوناني خلال الفترة الممتدة بين عامي 142 و63 قبل الميلاد، واستبدال الحكم اليوناني في القدس بالحكم اليهودي عام 164 قبل الميلاد.

التقويم الديني جزء من روزنامة الحرب‏‎

في ضوء الدراسات المقارنة حول تسمية الحروب، يتضح أن اختيار أسماء العمليات العسكرية لم يكن يوماً ممارسة لغوية فحسب، بل جسّد أداة مركزية في بناء السردية السياسية وإدارة الإدراك العام للصراع. فالتسمية باتت جزءاً من «حرب المصطلحات»، التي تُستخدم لإعادة تأطير الحدث عسكرياً وإعلامياً ونفسياً، بما يمنح الفعل الحربي معنى يتجاوز طبيعته الميدانية إلى مستوى رمزي يشارك في إنتاج الرواية حوله.

وتُظهر الأدبيات التاريخية أن هذا النمط تطوّر مع نشوء الجيوش النظامية الحديثة، حين جرى اعتماد الأسماء الرمزية للعمليات لأسباب أمنية وتنظيمية، قبل أن تتوسع وظيفتها لاحقاً لتشمل التأثير المعنوي والتعبوي. ومع تطور الحروب الإعلامية، أصبحت التسمية جزءاً من منظومة متكاملة لإدارة الصورة والشرعية، عبر اختيار أسماء قادرة على تشكيل الوعي العام وإيصال رسائل سياسية موجهة إلى الداخل والخارج.

وفي الحالة الإسرائيلية، شهدت هذه الظاهرة تطوراً متدرجاً منذ عام 1948، من تسميات وظيفية مرتبطة بالجغرافيا أو الزمن، إلى أسماء ذات حمولة رمزية ودينية وتوراتية متزايدة، خصوصاً مع صعود التيار اليميني الديني داخل منظومة الحكم. وقد باتت عمليات مثل «السيوف الحديدية» و«الأسد الصاعد» مثالاً على هذا التحول نحو توظيف المرجعيات العقائدية في صياغة خطاب الحرب، وإعادة إنتاج سردية توظف فيها الذاكرة الدينية والتاريخية لتفسير الصراعات والحروب، بما يعزّز حضور فكرة «المظلومية» كعنصر مركزي في بناء الرواية الإسرائيلية.

جاء الهجوم الأميركي–الإسرائيلي على إيران، في 28 فبراير/شباط 2026، قبل أيام من عيد «البوريم» اليهودي، ما أثار تساؤلات حول الدلالات الرمزية والدينية لتوقيت العملية، خصوصاً أن العيد يستحضر قصة «سفر أستير» التي تدور أحداثها في الإمبراطورية الفارسية القديمة، حيث أُحبطت مؤامرة لإبادة اليهود. ويكتسب هذا التزامن حساسية إضافية مع استمرار رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو في تقديم إيران بوصفها «تهديداً وجودياً»، مستخدماً خطاباً يستحضر الذاكرة التاريخية والهولوكوست ومفاهيم «الإبادة» و«الردع الاستباقي». كما يسبق «البوريم» تقليد ديني يتضمن استحضار «العماليق» باعتباره عدواً تاريخياً لليهود، وهو رمز استخدمته الخطابات القومية والدينية الإسرائيلية مراراً في تأطير الصراعات المعاصرة.

سابقاً، أطلقت إسرائيل على هجومها ضد إيران يوم السبت 24 أكتوبر/تشرين الأول 2024، اسم «أيام التوبة» في إحالة إلى الأيام العشرة الواقعة بين رأس السنة العبرية و«يوم الغفران» في اليهودية، وهي فترة ترتبط بمفاهيم المراجعة الروحية وطلب الغفران. وحمل الاسم دلالات سياسية ودينية متداخلة، إذ جاء بالتزامن مع مرور عام على السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وبعد انتهاء موسم الأعياد اليهودية، في محاولة لربط العملية بسردية الدفاع والمحاسبة وحماية الدولة. كما عكس توظيفاً واضحاً للرمزية الدينية في تأطير الفعل العسكري ومنحه بعداً أخلاقياً وتاريخياً يتجاوز طبيعته العملياتية المباشرة.

وفي السياق ذاته اعتبرت افتتاحية لمجلة «تريبيون كريتيان» (المنبر المسيحي) الفرنسية بعنوان: «إسرائيل وإيران: هل تتحقق نبوءة حزقيال؟» نشرت، الثلاثاء 22 يونيو/حزيران 2025، أن حدة المواجهة بين إسرائيل وإيران تدل على أن هذا الصراع أكثر من مجرد تنافس استراتيجي، «إنها حرب ذات جذور توراتية، تنبأ بها النبي حزقيال قبل آلاف السنين».

الأسماء بوصفها سلاحاً

نفذت إسرائيل نحو 76 عملية عسكرية (أي حرباً واسعة) منذ عام 1948 وحتى مايو/أيار 2022، ما يجعل من «حرب الأسماء» جزءاً بنيوياً من تاريخها العسكري وليس تفصيلاً هامشياً، ويقول الباحث في العلوم السياسية والاستراتيجيات العسكرية غوري سيمينسكي في دراسته المَنشورة في مجلّة «Parameters» إن تسمية العمليات العسكرية ليست إجراءً إدارياً، بل ممارسة رمزية ذات وظيفة استراتيجية، تُسهم في توجيه الإدراك العام محلياً ودولياً. والأسماء تُصاغ لتوليد أثر نفسي مزدوج: رفع معنويات الداخل الإسرائيلي من جهة، وإرباك الخصم من جهة أخرى، عبر تحويل الحدث العسكري إلى سردية مشحونة بالدلالات الدينية والتاريخية. ومن هنا، تتحول التسمية إلى جزء من بنية الحرب ذاتها، لا مجرد عنوان لها.

وتخضع آليات اختيار الأسماء لمنظومة مؤسساتية تشارك فيها وحدات مختصة بالحرب النفسية والقيادة السياسية، وفق اعتبارات تتعلق بالتأثير التعبوي، وإعادة تأطير الحدث، وتخفيف حدته في الوعي العام، إذ تُصاغ ضمن آليات داخل المؤسسة العسكرية يشترك فيها الجيش ودوائر المتحدث الرسمي والمستوى السياسي، بهدف التأثير في «الجمهور الداخلي» و«الخصم الخارجي» معاً، بما يجعل الاسم أداة لإنتاج المعنى بقدر ما هو توصيف للعمل العسكري. وبهذا المعنى، تتحول التسمية إلى جزء من المعركة على الوعي، لا تقل أهمية عن الميدان العسكري ذاته، بل تعد الخطوة الممهدة لإعادة صياغة الوعي السياسي وإعادة تعريف الجغرافيا.

ولا يقتصر دور هذه التسمية على التأثير الداخلي، بل يمتد إلى الفضاء الدولي أيضاً. فاختيار اسم مثل «حارس الأسوار» أو «الجرف الصامد» لا يهدف فقط إلى التعبئة، بل إلى ‏إعادة صياغة صورة الفعل العسكري نفسه باعتباره «دفاعياً» وليس عدوانياً‎.‎ وهنا نعود لأصل تسمية دولة الاحتلال لجيشها الذي يرتكب المجازر منذ نشوئه بـ«جيش الدفاع الإسرائيلي».

ويظهر هذا بوضوح أيضاً في العمليات الإسرائيلية ضد إيران، التي حملت اسم «الأسد الصاعد» في يونيو/حزيران 2025، وهو اسم استُخدم بتبنيه المباشر من قبل نتنياهو، واستُوحي من نصوص توراتية تصف إسرائيل بـ«الأسد الذي ينهض لافتراس أعدائه»، بما يمنح الضربة العسكرية بعداً دينياً – أسطورياً يتجاوز وظيفتها العملياتية. وتواصل هذا الخط الرمزي لاحقاً في عمليات أخرى مثل «زئير الأسد» الأخيرة، والتي امتدت لتشمل لبنان، في تسلسل رمزي يقوم على تثبيت صورة «الأسد التوراتي» بوصفه مركزاً للخطاب العسكري.

وفي حربها على لبنان عام 2024، حملت عمليات الاحتلال أسماء مثل «سهام الشمال»، ثم تطورت ضمن التصعيد اللاحق إلى أسماء أكثر قسوة مثل «الظلام الأبدي» التي استُخدمت لوصف موجات قصف واسعة، بما يعكس انتقال التسمية من الدلالة العسكرية إلى الدلالة الوجودية والتدميرية.

في اليمن، ظهرت تسميات مثل «المدينة البيضاء» و«العلم الأسود»، التي تجمع بين الإحالة إلى الداخل الإسرائيلي من جهة، والخطاب العقابي والردعي من جهة أخرى. أما في الضفة الغربية، فقد اتجهت التسميات نحو نمط مختلف يقوم على إدارة السيطرة بدل الرمزية التوراتية المباشرة، مثل «الجدار الحديدي»، و«المخيمات الصيفية»، و«جزّ العشب»، و«كاسر الأمواج»، وهي أسماء تعكس عقيدة أمنية تقوم على الحصار والاقتطاع الدائم وإعادة تشكيل البنية الميدانية للمخيمات الفلسطينية، خصوصاً في جنين وطولكرم ونابلس، حيث تتحول اللغة نفسها إلى أداة لإعادة تعريف الفعل العسكري.

وتخدم التسميات أيضاً مسار الضم حيث تعتمد المؤسسات الإسرائيلية، خصوصاً تيارات اليمين الديني والقومي، على توظيف مكثف للمصطلحات التوراتية في خطابها الرسمي. ويُطرح مصطلح «يهودا والسامرة» بوصفه بديلاً من «الضفة الغربية»، في إطار سردية تعتبر الأرض جزءاً من «أرض الميعاد»، ما يمنح الوجود الإسرائيلي فيها بعداً عقائدياً يتجاوز القانون الدولي.

وفي المحصلة، لا تبدو «معركة المصطلحات» هامشاً في الصراع الإسرائيلي ضد المقاومة أينما وجدت، بل أحد أكثر أبعاده مركزية، حيث تتحول اللغة إلى أداة لإعادة إنتاج الوعي، وتثبيت الوقائع، وصناعة الشرعية، بما يخدم مشروعاً يسعى إلى إعادة تعريف الأرض والهوية والوجود نفسه.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد