الفجوة التي تكبر بين القصف والسياسة .. أيّ أفق للنهاية؟.

post-img

معتز منصور/ كاتب وباحث سياسي

في لحظات الصعود الإمبراطوري، لا تكون الحاجة إلى التهديد مفرطة. تكفي إشارة واحدة من مركز القوة، أو تحريك محدود للأدوات العسكرية، حتى يعاد ضبط سلوك الأطراف الأخرى. أما حين يبدأ ميزان الردع بالتآكل، يتحول التهديد إلى لغة يومية، متكررة وثقيلة، لا تكشف قوة بقدر ما تكشف محاولة لتعويض فجوة تتسع بصمت بين القدرة العسكرية وبين العجز عن تحويلها إلى نتائج سياسية.

هذه الفجوة لم تعد تفصيلًا في إدارة الحرب، لقد أصبحت بنية كاملة تحكم شكل الصراع الحديث. إذ إن القصف، مهما بلغ من الدقة أو الشدة، لم يعد يحمل وعدًا بالحسم. بات افتتاحًا لمسار أطول، تتفكك فيه العلاقة المباشرة بين التفوق العسكري وبين إنتاج واقع سياسي جديد على الأرض.

في المواجهة مع إيران، تتجلى هذه الحقيقة بأقصى درجاتها. التصعيد العسكري وتوسيع بنك الأهداف ورفع سقف التهديدات، لم يقابله تحول سياسي موازٍ في سلوك الطرف المقابل. على العكس، لقد أظهرت البنية الإيرانية قدرة على امتصاص الصدمة وإعادة توزيع أثرها داخليًا، ما يمنع انتقالها إلى نقطة انهيار. ما يبدو في الخارج تصعيدًا حادًا، يُعاد في الداخل صياغته ضغطًا قابلًا للإدارة، لا صدمة كاسرة.

في هذه النقطة بالتحديد؛ لا تكمن المعضلة في غياب القوة، إنما في انفصالها عن أثرها السياسي. القوة موجودة، كثيفة وهائلة، لكنها لم تعد تضمن النتيجة التي يُفترض أنها صممت من أجلها؛ وهو إعادة تشكيل سلوك الخصم أو تفكيك بنيته أو فرض شروط سياسية جديدة عليه.

هذا الانفصال لم يولد فجأة. إنه تراكم طويل لخبرات حروب كبرى، من فيتنام إلى العراق وأفغانستان، حيث تكرر النمط ذاته: تفوق عسكري سريع، يليه تعثر سياسي طويل، ثم استنزاف ممتد في محاولة سد الفجوة بين ما دُمّر وبين ما تغيّر فعلًا. مع كل تجربة، لم تكن الخسارة في الموارد فقط، بل في تآكل العلاقة بين الفعل العسكري والنتيجة السياسية المفترضة له.

في الحال الإيرانية، يتخذ هذا التآكل شكلًا أكثر حدة. إذ إن النظام لا يتعامل مع الضربة بوصفها لحظة انهيار محتملة، بل بكونها جزءًا من بيئة صراع طويلة تُدار بمنطق الاستمرارية لا بمنطق الانكسار. لذلك، فإن زيادة مستوى العنف لم تنتج تفككًا، إنما إعادة تنظيم داخلية للضغط، وتكيّفًا مع شروطه.

في المقابل، تتحول القوة المهاجمة إلى أسيرة حسابات معقدة. كل تصعيد لا يُقاس فقط بما يحققه ميدانيًا، بل بما يفرضه سياسيًا على صاحبه. التهديد لم يعد أداة حرة، لقد أصبح التزامًا مفتوحًا: إذا لم يحقق أثره، يتحول إلى دليل ضعف؛ وإذا نُفذ بالكامل، قد يفتح باب مواجهة أوسع من القدرة على احتوائها.

الأخطر أن البيئة الدولية نفسها لم تعد صمّاء أمام هذه العمليات. علنية المعلومات المفرطة والتسريبات وانقسام مراكز القرار وتشابك السياسة الداخلية مع القرار العسكري، كلها عناصر تجعل حدود القوة مكشوفة بشكل غير مسبوق. الخصم لم يعد يقرأ النوايا فقط، أصبح يقرأ القيود، ويحسب المسافات بين الخطاب والقدرة، وبين التهديد وإمكان تنفيذه.

هكذا يفقد القصف جزءًا من وظيفته التاريخية. لم يعد يولد الصدمة التي تُنتج الانهيار، بات يولد صدمة قابلة للاحتواء، وأحيانًا قابلة للتحويل إلى عنصر تماسك داخلي داخل الطرف المستهدف. ما كان يفترض أن يكون لحظة كسر، يتحول إلى لحظة اختبار للصلابة.

مع استمرار هذا النمط، تتغير طبيعة الحرب نفسها. لم تعد مواجهة تُحسم فيها النتائج عبر تفوق ناري سريع، هو صراع طويل تتآكل فيه الفروق بين الضربة والرد، بين المبادرة والاحتواء، بين القوة والنتيجة. تتحول الحرب من أداة حسم إلى أداة استنزاف مفتوحة، لا تقاس فيها النتيجة بما دمّر، بل بما أمكن فرضه سياسيًا بعد التدمير.

في هذا السياق، لم تعد الفجوة بين القصف والسياسة مجرد خلل في التنفيذ، لقد أصبحت تعبيرًا عن تحول أعمق في بنية النظام الدولي نفسه. إذ إن القوة التي كانت تنتج النظام، باتت تواجه نظامًا أكثر قدرة على امتصاص القوة من دون أن يعاد تشكيله بالكامل. هنا تتكشف المعادلة الحاسمة: ليست المشكلة في حجم ما يُقصف، إنما في ما إذا كان القصف ما يزال قادرًا على إنتاج سياسة. إذ كلما اتسعت المسافة بين الفعل العسكري والنتيجة السياسية، تراجع أثر التهديد، وتقلصت وظيفة القصف، وازدادت استقلالية السياسة عن منطق الحرب.

في النهاية، لا تكشف هذه الفجوة حدود حرب واحدة، بل حدود مرحلة كاملة. مرحلة كانت فيها القوة تكفي لصناعة النتائج، قبل أن تتحول إلى عنصر من عناصر اختبار ما إذا كانت تلك النتائج ما تزال ممكنة أصلًا.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد