إذا كانت المقالة الأولى قد انتهت إلى أن فلسطين فقدت تدريجيًا موقعها بوصفها أحد الأعمدة المؤسسة للهوية العربية الحديثة، وإذا كانت المقالة الثانية قد ناقشت الكيفية التي تغيرت بها المؤسسات المنتجة للوعي من جامعة وإعلام وتكنولوجيا وسياسة، فإن السؤال الأخير يصبح أكثر حساسية من كل ما سبقه:
كيف وصل العالم العربي إلى اللحظة التي بات فيها التطبيع ممكنًا سياسيًا، ومقبولًا أو قابلًا للنقاش اجتماعيًا في بعض البيئات العربية، بعد أن كان يُنظر إليه لعقود طويلة باعتباره خروجًا على الإجماع القومي؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لا تبدأ من الاتفاقيات السياسية، بل من التحولات العميقة التي أصابت المجتمع العربي نفسه.
من المواطن المقاوم إلى المواطن القَلِق
في النصف الثاني من القرن العشرين نشأ المواطن العربي داخل منظومة فكرية كانت تمنحه شعورًا بأنه جزء من قضية كبرى. كانت فلسطين حاضرة في المدرسة والجامعة والإعلام والخطاب السياسي والثقافة العامة. وكان الصراع مع إسرائيل يُقدَّم بوصفه جزءًا من معركة تاريخية تتعلق بالتحرر، والسيادة، والكرامة، والهوية.
أما المواطن العربي في العقود الأخيرة فقد وجد نفسه داخل عالم مختلف تمامًا. عالم فيه: حروب أهلية، انهيارات اقتصادية، بطالة متزايدة، هجرة جماعية، أزمات مالية، دول متعثرة، ومجتمعات تبحث عن الحد الأدنى من الاستقرار.
لقد دخل المواطن العربي العقود الأخيرة وسط تحولات اقتصادية واجتماعية عميقة. فبينما كانت الأجيال السابقة تنظر إلى نفسها بوصفها جزءًا من مشروع جماعي يرتبط بالتحرير والوحدة والنهضة، وجدت الأجيال الجديدة نفسها أمام تحديات أكثر مباشرة تتعلق بالعمل، والدخل، والهجرة، والاستقرار. ومع صعود العولمة الاقتصادية واتساع ثقافة النجاح الفردي، تراجعت القضايا الجماعية تدريجيًا داخل الحياة اليومية لمصلحة هموم الفرد ومصالحه المباشرة. ولم يكن ذلك نتيجة تبدل أخلاقي في القيم بقدر ما كان انعكاسًا لتحول البيئة الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها الإنسان العربي المعاصر.
في مثل هذه الظروف لم يعد السؤال الأول لدى كثير من الناس: كيف نغيّر المنطقة؟
بل أصبح: كيف نحمي أنفسنا من الانهيار؟
هنا بدأ التحول الأعمق في الضمير الجمعي العربي.
الربيع العربي وإعادة ترتيب الأولويات
عندما اندلعت الانتفاضات العربية عام 2011 بدا للحظة أن المنطقة تدخل عصرًا جديدًا. لكن السنوات اللاحقة حملت مسارات أكثر تعقيدًا. ففي عدد من الدول تحولت الانتفاضات إلى حروب. وفي دول أخرى تحولت إلى أزمات سياسية واقتصادية طويلة. وفي دول ثالثة عززت الدولة حضورها الأمني خشية الانهيار.
خلال هذه المرحلة انتقلت الأولوية في وعي قطاعات واسعة من المجتمعات العربية من القضايا الخارجية إلى المخاوف الداخلية. لم تعد فلسطين تختفي من المشهد، لكنها أصبحت تتقاسم المساحة مع أسئلة أكثر إلحاحًا تتعلق بالأمن والعمل والهجرة ومستقبل الدولة نفسها.
لعل أحد أعمق التحولات التي شهدها العالم العربي خلال العقود الأخيرة يتمثل في انتقال مفهوم الكرامة نفسه من المجال الجماعي إلى المجال الفردي. فبعدما ارتبطت الكرامة لدى أجيال سابقة بالتحرير والوحدة والسيادة الوطنية، باتت ترتبط لدى قطاعات واسعة من الأجيال الجديدة بالعمل والدخل والاستقرار وفرص الحياة الكريمة. ولم يكن هذا التحول تعبيرًا عن تراجع القيم الوطنية بقدر ما كان انعكاسًا لتغير الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي يعيشها الإنسان العربي المعاصر.
من الصراع العربي الإسرائيلي إلى شبكة صراعات متداخلة
خلال عقود طويلة كان الشرق الأوسط يُقرأ من خلال عنوان واحد تقريبًا: الصراع العربي الإسرائيلي. اليوم فقد أصبح المشهد أكثر تعقيدًا. فهناك: الصراع الإيراني الإسرائيلي، الصراعات المذهبية، الحروب الأهلية، المنافسات الإقليمية، الأزمات الاقتصادية، والتحولات الدولية. كل هذه الملفات دخلت إلى الوعي العربي وأعادت ترتيب سلم الأولويات داخله.هكذا انتقلت فلسطين من موقع القضية الوحيدة تقريبًا إلى موقع القضية المركزية ضمن مجموعة واسعة من القضايا المتنافسة.
التطبيع: نتيجة أم سبب؟ غالبًا ما يُقدَّم التطبيع باعتباره سبب التحول الذي أصاب الوعي العربي. لكن القراءة السوسيولوجية تقود إلى استنتاج مختلف. فالتطبيع لم يكن بداية المسار بقدر ما كان أحد نتائجه. ذلك أن المجتمعات لا تنتقل فجأة من الرفض المطلق إلى القبول النسبي. بل تمر بمراحل طويلة من إعادة تعريف المفاهيم والقيم والأولويات.
حين تراجعت الهوية العربية الجامعة، وحين أعادت الحروب تشكيل الخوف الجماعي. وحين تغير الإعلام والجامعة ووسائل التواصل، وحين تحولت الدولة الوطنية إلى المرجعية العليا في التفكير السياسي. أصبح المجال العام العربي مختلفًا عما كان عليه في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي. ومن داخل هذا المجال الجديد وُلدت أشكال جديدة من التفكير السياسي، وكان التطبيع أحد تعبيراتها. فحين تتغير أولويات المجتمعات، تتغير معها الحدود الفاصلة بين الممكن والمستحيل في السياسة.
هل خسر العرب فلسطين في وعيهم؟
ربما تكون هذه هي أكثر الأسئلة إثارة للجدل. الجواب، أكثر تعقيدًا من نعم أو لا. فلسطين ما تزال حاضرة في الوجدان العربي، وتظهر استطلاعات الرأي وموجات التضامن الشعبي المتكررة أن القضية لم تفقد مكانتها الأخلاقية والرمزية. لكن ما تراجع بالفعل هو موقعها بوصفها المرجعية الوحيدة أو المركزية التي تنتظم حولها بقية القضايا. لقد تغيرت البيئة التي كانت تمنح فلسطين هذه المكانة الاستثنائية، وتغير معها موقعها داخل الوعي العربي.
المقاومة بين الذاكرة والواقع
الأمر نفسه ينطبق على المقاومة. فالمقاومة لم تختفِ من الضمير العربي، لكنها لم تعد تحظى بالإجماع الرمزي الذي تمتعت به في مراحل سابقة. فقد أصبحت تُقرأ في ضوء الانقسامات السياسية والإقليمية والطائفية التي شهدتها المنطقة خلال العقود الأخيرة. هذا لا يعني أن صورتها انهارت، بل يعني أن البيئة الاجتماعية التي كانت تنتج الإجماع حولها لم تعد موجودة بالصورة نفسها. بعد نصف قرن من التحولات المتراكمة يبدو السؤال الحقيقي مختلفًا عما اعتدنا طرحه. فالقضية ليست فقط كيف تغيّرت فلسطين في الوعي العربي، ولا كيف تغيّرت صورة المقاومة، ولا حتى كيف ظهرت موجات التطبيع. لكن القضية الأعمق تبقى: كيف تغيّر العربي نفسه؟
كيف انتقل من فضاء كانت تحدده السرديات الكبرى؛ العروبة والتحرير والوحدة والمقاومة، إلى فضاء تحكمه الدولة الوطنية والهواجس الأمنية والأزمات الاقتصادية وأسئلة النجاة الفردية.
من هنا فإن فهم التطبيع أو فهم تراجع مركزية القضية الفلسطينية لا يكتمل بالبحث في السياسات وحدها، بل يقتضي البحث في التحولات الاجتماعية والثقافية التي أعادت تشكيل الضمير الجمعي العربي خلال العقود الخمسة الماضية.
بعد ثلاثة أرباع قرن على النكبة، لم يعد السؤال مقتصرًا على ما إذا كانت فلسطين قد خرجت من مركز الوعي العربي، بل أصبح السؤال أكثر عمقًا: ما الذي تغير في الإنسان العربي نفسه؟ وما الذي جعل أولوياته ومخاوفه وصورته عن المستقبل تختلف إلى هذا الحد عما كانت عليه لدى الأجيال السابقة؟ فربما كانت الإجابة عن هذا السؤال هي المفتاح لفهم كل ما سبقه؛ من تراجع الهوية الجامعة، إلى انقسام الموقف من المقاومة، إلى صعود التطبيع بوصفه أحد تجليات التحول الأوسع في الضمير الجمعي العربي. فالقضية، في نهاية المطاف، ليست فقط ما الذي حدث لفلسطين، بل ما الذي حدث للعرب أنفسهم