لا تكمن خطورة البيان الثلاثي الصادر عن واشنطن، في ما تضمّنه من بنود فحسب، بل في ما تعمّد تجاهله أيضًا. الوثيقة التي كُتبت بحبر أميركي، تتعامل مع الحرب الإسرائيلية على لبنان وكأنها نزاع بين طرفين متكافئين، وليس عدوانًا تشنّه قوة احتلال على أرض لبنانية. لذلك غاب عنها أي ذكر لكلمات «احتلال» أو «انسحاب» أو «وقف العدوان»، فيما يستمر القتل وتتواصل عمليات التوسّع الميداني. ومن خلال هذا الغياب الصارخ وتجهيل المعتدي، لا يبدو البيان محاولة لإنهاء العدوان بقدر ما يبدو سعيًا إلى إعادة صياغة وقائعه السياسية والقانونية، بما يمنحه تعريفًا جديدًا ويؤسّس لتشريع نتائجه.
ما لا تقوله الوثيقة أخطر بكثير مما تقوله. هي تعلّق تثبيت وقف إطلاق النار على شرط واحد: أن يوقف حزب الله عملياته وأن يُخلي جميع عناصره من منطقة جنوب الليطاني. أمّا دولة الاحتلال، فلا يترتّب عليها أي التزام مماثل بالانسحاب، ولا يفرض عليها البيان أي موجب قانوني واضح، بل إن صفتها كقوة احتلال تغيب بالكامل عن النص. وهذا انقلاب تام على القانون الدولي، من لوائح لاهاي لعام 1907 واتفاقيات جنيف لعام 1949، وصولًا إلى القرار 425 الصادر عام 1978، والذي يرتّب التزامًا قانونيًا مباشرًا وأُحاديًا على عاتق المحتل يتمثّل بالانسحاب الفوري وغير المشروط من الأراضي المحتلة.
كما أن الإجراء التنفيذي الوحيد في البيان يتمثّل في بسط القوات المسلحة اللبنانية سيطرتها الحصرية و«استبعاد جميع الجهات الفاعلة غير الحكومية». أي إن جوهر العملية موجّه إلى الداخل اللبناني، نحو المقاومة وأبناء الأرض، لا نحو القوات الغازية. وبذلك يُعاد تعريف مفهوم «تحرير الجنوب» بلغة أميركية: لم يعد التحرير يعني إنهاء الاحتلال وانسحاب قواته، بل تحرير الأرض من أصحابها الذين تصدّوا للغزو والاحتلال.
يستخدم البيان، في أكثر من موضع، عبارتَي «الجماعات المسلحة غير الحكومية» و«تفكيكها ومنع عودة ظهورها». وهذه ليست مفردات تقنية محايدة أو بريئة، بل تنتمي إلى القاموس القانوني والأمني المُستخدم دوليًا في التعامل مع الميليشيات والتنظيمات المسلّحة غير الشرعية. فيما يميّز القانون الدولي بشكل حاسم بين جماعة مسلّحة يُراد تفكيكها، ومقاومة شعبية مشروعة تنشأ ضدّ احتلالٍ أجنبي.
البروتوكول الإضافي الأول المُلحق باتفاقيات جنيف لعام 1977 أدرج الكفاح ضد الاحتلال الأجنبي ضمن إطار النزاعات المسلّحة الدولية، فيما كرّس قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الرقم 2625 (إعلان مبادئ القانون الدولي) حق الشعوب الخاضعة للاحتلال في النضال من أجل تقرير مصيرها. كما جاء القرار 3314 الخاص بتعريف العدوان ليؤكّد، في مادته السابعة، عدم المساس بحق الشعوب الواقعة تحت الاحتلال في الكفاح بكل الوسائل وطلب الدعم لتقرير مصيرها، فضلًا عن المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة التي تكفل حق الدفاع عن النفس.
من هذه الزاوية، لا يبدو توصيف المقاومة باعتبارها مجرّد «جماعة مسلّحة غير حكومية» مسألة لغوية عابرة، بل بِعدِّها خيارًا سياسيًا وقانونيًا يلغي هذا التمييز الأساسي بجرّة قلم، ويضع المقاومة في الخانة نفسها التي توضع فيها الميليشيات والتنظيمات الخارجة عن أي مشروعية. ولم يبقَ هذا التصنيف في إطار التلميح أو الإيحاء، بل ظهر بصورة مباشرة عندما نقل البيان بوقاحة عن وزير الخارجية الأميركي توصيفه لحزب الله بأنه «عدو للبنان». وهنا لا تعود المسألة مجرّد توصيف سياسي صادر عن جهة خارجية، بل تتحوّل إلى موقف يكتسب دلالة مختلفة عندما يرد في وثيقة تبصم عليها الدولة اللبنانية نفسها.
الأخطر من ذلك أن مصطلح «الجهات الفاعلة غير الحكومية» (Non-State Actors) يرتبط بصورة وثيقة بالقرار 1540 الصادر عن مجلس الأمن عام 2004، والذي وُضع أساسًا لمنع وصول أسلحة الدمار الشامل إلى جماعات إرهابية. ومن ثمّ، فإن إدراج المقاومة ضمن هذا الإطار المفاهيمي يفتح الباب أمام نقلها تدريجيًا من خانة الحق المرتبط بمقاومة الاحتلال إلى خانة التهديد الأمني العالمي.
يعلن البيان أن لبنان ودولة الاحتلال«لا يحملان أي نوايا عدائية تجاه بعضهما». وقد تبدو العبارة، للوهلة الأولى، جزءًا من لغة دبلوماسية، لكنها في الواقع تنطوي على دلالات سياسية وقانونية عميقة. فهي تضع الدولة التي تتعرّض أراضيها للاحتلال والاعتداءات العسكرية في الموقع نفسه مع الدولة التي تمارس هذا الاحتلال، وتطمس الفارق القانوني والأخلاقي بين المعتدي والواقع تحت العدوان.
لا تقتصر الإشكالية على البعد السياسي، بل تناقض صميم البنية التشريعية للدولة اللبنانية. فقانون مقاطعة إسرائيل الصادر عام 1955 الذي يجرّم التواصل مع العدو لا يزال نافذًا. كما أن الميثاق العربي لحقوق الإنسان، الذي اعتبره المجلس الدستوري جزءًا من الكتلة الدستورية ذات القيمة الموازية للدستور، يصف الصهيونية بأنها تهديد للسلم العالمي، ويتضمّن مقاربة تتعارض مع أي محاولة لتطبيع العلاقة مع المشروع الصهيوني أو التعامل معه بوصفه حالة طبيعية في الإقليم.
المخالفة هنا ليست مجرّد قفز فوق روح دستورية، بل خرق لنصٍّ حرفيّ. فوثيقة الوفاق الوطني (اتفاق الطائف)، التي أقرّها مجلس النواب وباتت قانونًا دستوريًا، تضمّنت بندًا كاملًا بعنوان واضح، هو «تحرير لبنان من الاحتلال الإسرائيلي»، وألزمت الدولة اللبنانية بثلاثة موجبات صريحة: أولها العمل على تنفيذ القرار 425 وسائر قرارات مجلس الأمن ذات الصلة بما يضمن إزالة الاحتلال بصورة كاملة. وثانيها التمسّك باتفاقية الهدنة الموقّعة في 23 آذار 1949، بوصفها الإطار القانوني الناظم للعلاقة مع إسرائيل. وثالثها اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لتحرير الأراضي المحتلة، وبسط سيادة الدولة على كامل أراضيها، ونشر الجيش اللبناني حتى الحدود الدولية.
بذلك، فإن البيان الذي يُسقِط لفظ «الاحتلال»، وينفي «النوايا العدائية»، ويستبدل بالهدنة مسارًا نحو «سلامٍ شامل»، لا يخالف خيارًا سياسيًا عابرًا، بل يضرب الدستور اللبناني بمخالفة نصوص نافذة وواضحة. وحين يُلزم الدستور بالتمسّك بالهدنة وإزالة الاحتلال، يصير كلّ توقيعٍ على «لا عداء» و«سلامٍ شامل» مخالفةً للدستور بنصّه، لا باجتهاده.
حصر البيان مسار الحل والتفاهمات المستقبلية بـ«مفاوضات مباشرة بين الحكومتين برعاية الولايات المتحدة»، ويشدّد على رفض «أي مسار منفصل». وقد تبدو هذه الصياغة للوهلة الأولى مجرّد آلية تنظيمية لإدارة التفاوض، إلا أنها تحمل في طياتها أخطر ما صِيغ في الخفاء، إذ إنها تقفل عمليًا كلّ الأبواب والمنابر الأممية التي يتيحها ميثاق الأمم المتحدة للدول الواقعة تحت الاحتلال أو العدوان، كطلب جلسات طارئة لمجلس الأمن، أو اللجوء إلى الجمعية العامة حيث لا وجود للفيتو الأميركي، أو طلب رأي استشاري من محكمة العدل الدولية.
بذلك، تُحبَس القضية اللبنانية في قفص قناةٍ ثنائية مُغلقة، وتنتقل من إطارها الدولي، بوصفها قضية احتلال وعدوان تخضع لقواعد القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، إلى إطار تفاوضي محدود تديره الولايات المتحدة، المُموِّل الأول والشريك الاستراتيجي لإسرائيل، بما يمنَع أيّ ضغطٍ دولي أو أممي قد يفرض انسحابًا غير مشروط، ويقلّص قدرة لبنان على الاستفادة من عناصر القوة القانونية والدبلوماسية التي توفّرها المؤسسات الدولية، ويحرم لبنان من تراكم الشرعية الدولية وإمكانية عزل المحتل. باختصار: تحت شعار «دعم السيادة اللبنانية»، يُقفَل الطريق الوحيد الذي يخدم الطرف الأضعف عسكريًا.
يضع البيان هدفًا مُعلنًا وصريحًا يتمثّل في التقدّم نحو «اتفاق شامل للسلام والأمن»، أي معاهدة تطبيع وتسوية نهائية تُطرح للنقاش في ظل استمرار الاحتلال، وتواصل العمليات العسكرية، وقصف المدن. فيما القانون الدولي، في هذا السياق، لا يترك مجالًا للتأويل. فالمادة 52 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات (1969) تنصّ بوضوح على البطلان المُطلق لأي اتفاق يُبرم تحت التهديد بالقوة أو في ظل استخدامها.
في مقابل كل هذا التنازل، يدين البيان «هجمات إيران» بالاسم، فيما يخلو من أي إدانة للكيان الذي يحتل الأرض ويرتكب المجازر. الطرف الذي يدعم البلد المحتل يُصنّف كمصدر تهديد ينبغي تفكيكه، فيما يعطي البيان المعتدي والمحتل صكّ براءة أبيض.
قبل يومين فقط من صدور هذا البيان، وقف مندوب لبنان في مجلس الأمن الدولي وسمّى ما يجري في الجنوب «احتلالًا مباشرًا». غير أنّ الوثيقة الثلاثية أسقطت هذه التسمية بالكامل، واستبدلت بها صيغة «لا عداء» بين لبنان ومن يحتلّ أرضه. هذا التناقض الحادّ بين الخطاب الدبلوماسي ومضمون التوقيع اللاحق ليس تفصيلًا عابرًا.
في القانون الدولي، يُستحضر هنا مبدأ «الإغلاق الحكمي» (Estoppel)، ومفاده أن الدولة التي تتخذ موقفًا أو سلوكًا يُفهم منه قبول واقع معيّن، لا يحقّ لها لاحقًا التراجع عنه أو إنكاره إذا ترتّبت على ذلك حقوق أو مواقف للطرف الآخر. وبهذا المعنى، يتحوّل هذا البيان إلى وثيقة بيد العدو يُحتجّ بها للقول إن لبنان الرسمي لم يعد يتعامل مع إسرائيل كقوة احتلال، ولا يُبدي حيالها نية عدائية.
ما تتخذه سلطةٌ تحت وطأة الاحتلال والإكراه، مناقضًا لكتلتها الدستورية ولقانونها النافذ، يولد باطلًا بطلانًا مُطلقًا، لا يُلزِم شعبًا، ولا يربط أجيالًا.