حين تنهار قواعد الفصل بين الساحات.. هل تؤدي إلى نهاية الاشتباك؟

post-img

معتز منصور/ كاتب وباحث سياسي

لم يعد المشهد الإقليمي يُقرأ من زاوية تبادل الضربات أو منطق الرد والردع المباشر فقط، بل من زاوية أعمق تتعلق ببنية الصراع نفسها، وبالطريقة التي تتغير بها قواعد إدارة الحرب تحت ضغط التداخل بين الجبهات. إن التطورات التي أعقبت استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت لا تبدو مجرد حلقة إضافية في مسار التصعيد، هي اختبار عملي لقدرة المنظومة الأمريكية والإسرائيلية على الإبقاء على الجبهات منفصلة، ومنع تحولها إلى شبكة اشتباك مترابطة تتبادل التأثير بصورة متسارعة.

في جوهره، يقوم النموذج التقليدي لإدارة الصراع في الإقليم على فرضية أساسية؛ مفادها أن كل ساحة يمكن احتواؤها ضمن حدودها الجغرافية والسياسية، وكلفة أي تصعيد تبقى محصورة داخل نطاقه المباشر، وانتقال النار بين الجبهات يمكن ضبطه بأدوات ردع منفصلة. لكن ما يظهر، في لحظة الاشتباك الراهنة، هو اهتزاز هذه الفرضية تدريجيًا، مع دخول اشتباك إيراني- إسرائيلي مباشر على خط التفاعل، ترافقه مؤشرات على انخراط يمني وعراقي، واستمرار المواجهة بين إسرائيل وحزب الله بوتيرة متصاعدة. بهذا المعنى، لم يعد من السهل التعامل مع كل جبهة بكونها ملفًا مستقلًا، لأن كلفة الفعل في ساحة واحدة باتت قابلة للامتداد إلى ساحات أخرى بسرعة غير مسبوقة.

غير أن هذا التحول لا ينبغي قراءته بوصفه إعلانًا عن حسم أو انهيار طرف مقابل. إذ إن طبيعة الصراعات الممتدة لا تُقاس بلحظة الانفجار الأولى، ولا تُحسم بتبادل ضربات عالية الكثافة، بل بقدرة الأطراف على تحويل هذا الانفجار إلى مسار طويل من إعادة إنتاج الردع وإعادة تعريف قواعد الاشتباك. هنا؛ تحديدًا تصبح الصورة أكثر تعقيدًا من ثنائية الانتصار والهزيمة التي كثيرًا ما تُستخدم لتبسيط مشهد شديد التشابك.

ما هو الأخطر، في المرحلة الراهنة، ليس فقط اتساع نطاق الاشتباك، أيضًا دخول المنطقة في لحظة انتقالية تتآكل فيها القواعد القديمة، من دون أن تتشكل قواعد جديدة مستقرة وملزمة. إذ في مثل هذا الفراغ التنظيمي، تصبح كل ضربة قابلة لتوليد ردود متعددة الاتجاهات، وتصبح كل ساحة نقطة تحفيز لساحات أخرى، ما يرفع منسوب عدم القدرة على ضبط إيقاع الصراع العام. صحيح هذه ليست فوضى مطلقة، لكنّها إعادة تشكيل بطيئة ومتوترة لمنظومة الردع الإقليمية.

من هذه الزاوية، لا يعود السؤال المركزي هو من يملك التفوق الناري أو القدرة على توسيع بنك الأهداف؟ يصبح السؤال: ما مدى قدرة الأطراف المختلفة على التحكم في تداعيات الترابط بين الجبهات؟ .. إذ حين يتحول استهداف نقطة محددة إلى سلسلة تفاعلات إقليمية، فإن مركز الثقل ينتقل من الجغرافيا إلى بنية الردع نفسها، أي إلى القدرة على منع التحول التلقائي من ساحة إلى أخرى.

في هذا السياق، تبدو إشكالية "إسرائيل" وواشنطن أقل ارتباطًا بحجم القوة المتاحة، وأكثر ارتباطًا بحدود القدرة على إعادة إنتاج منطق الفصل بين الساحات، كما كان قائمًا في العقود السابقة. هذا المنطق كان يسمح بإدارة الحروب في "غرف منفصلة"، حيث يمكن احتواء كل أزمة ضمن نطاقها، من دون أن تتحول إلى أزمة إقليمية شاملة. لكن المؤشرات الحالية توحي بأن هذا الفصل لم يعد مضمونًا كما كان، وأن أي خرق كبير في ساحة حساسة يمكن أن ينتج ارتدادات تتجاوز الحسابات الأولية.

أما الطرف المقابل؛ فيواجه بدوره تحديًا موازيًا لا يقل تعقيدًا، يتعلق بمدى القدرة على تحويل هذا الترابط بين الجبهات إلى معادلة ردع مستقرة، وليس مجرد تزامن في التصعيد. إذ إن التداخل العملياتي، على الرغم من أهميته، لا يكفي وحده لتأسيس توازن طويل الأمد ما لم يُترجم إلى قدرة على ضبط إيقاع المواجهة العام وتحديد سقوفها السياسية والعسكرية.

بين هذين المسارين؛ تتشكّل ملامح مرحلة لا تُحسم فيها الصراعات بسرعة، إنما تتراكم فيها الوقائع تدريجيًا لتعيد شكيل قواعد اللعبة نفسها. هي مرحلة لا تمنح أي طرف قدرة سهلة على الحسم، لكنها تفتح في المقابل بابًا واسعًا أمام إعادة تعريف توازنات القوة في الإقليم على المدى الأبعد. المسألة لم تعد تتعلق بجولة عسكرية واحدة، بل بمسار طويل من إعادة تركيب النظام الإقليمي تحت ضغط الترابط بين الساحات، وتحت تأثير تآكل الحدود الفاصلة بين الحرب المحلية والحرب الإقليمية.

في المحصلة؛

ما يجري لا يشير إلى نهاية قواعد الاشتباك؛ بقدر ما يشير إلى دخولها مرحلة إعادة تشكيل قاسية. في مثل هذه المراحل، لا تكون النتيجة محسومة سلفًا لأي طرف، إذ تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة، تتحدد ملامحها النهائية بقدرة كل طرف على تحويل القوة من أداة تصعيد إلى أداة ضبط، ومن وسيلة ضغط إلى أساس لاستقرار نسبي جديد، لمّا تتضح ملامحه بعد.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد