مشروع "إسرائيل الكبرى" قيد التنفيذ ولا يوقفه إلا المقاومة

post-img

إيهاب شوقي/موقع العهد الإلكتروني

منذ نشأته المشؤومة، لم يحدد الكيان الصهيوني حدودًا، بل أطلق دعايات مفتوحة لأرض الميعاد، فخرج المشروع الصهيوني غير الشرعي، من نطاق السياسة والقانون، إلى نطاق الغيبيات والتخرُّصات الدينية. فطن المقاومون والأحرار منذ اليوم الأول أن هذا الكيان هو مشروع استعماري استيطاني توسعي، بعد أن ظن بعضٌ أنه مجرد دولة تبحث لنفسها عن اعتراف وتعايش مع المحيط، لدرجة التسامح مع النشأة غير الشرعية له.

لكن وبعد ما يقرب من ثمانين عامًا حفلت بالدلائل الدامغة على عدائية الكيان وتوسعه وإعلانه الصريح عن مشروع "إسرائيل الكبرى"، فمن الغريب، بل والمريب أن يظل بعضٌ متوهمين، أنه دولة طبيعية تبحث عن تطبيع واعتراف، وأنه يمكن التعايش معها!

من الواجب استعراض بعض من الشواهد والدلائل التاريخية حتى لا يقع بعض الواهمين في فخاخ جديدة:

التوسع عقيدة صهيونية راسخة:

لم تكن تصريحات نتنياهو التي قال فيها، إنه في ذروة مهمة "تاريخية وروحية"، وأنه ملتصق بحلم "إسرائيل الكبرى"، مجرد تصريحات سياسية أو إعلان جديد عن مشروع سري، بل كانت امتدادًا لمسار إستراتيجي صهيوني.

في العام 1937، عندما أوصت لجنة بيل بتقسيم فلسطين الانتدابية، صرّح ديفيد بن غوريون في رسالة إلى ابنه، أن التقسيم سيكون مقبولًا ولكن "كخطوة أولى"، وبكلام أكثر وضوحًا، قال بن غوريون: "سنحطم هذه الحدود التي تُفرض علينا، وليس بالضرورة عن طريق الحرب. أعتقد أنه يمكن التوصل إلى اتفاق بيننا وبين الدولة العربية في مستقبل غير بعيد".

المناطق العازلة والتوسع والقضم:

ابتز الكيان الصهيوني العالم بقضية الأمن، وأكذوبة أنه كيان مهدد في محيط يكن له العداء، ومع كل عدوان يقوم به الكيان، كان يفرض خطوطًا للهدنة عبر مناطق عازلة في داخل أراضي المحيط العربي، ثم سرعان ما يقوم بضمها.

بداية من هدنة 1949، عُدَّت المنطقة المقتطعة بموجب اتفاقية العوجا منطقةً عازلة، بيد أن "إسرائيل" ضمّتها وحوّلتها إلى "أراضي دولة"؛ وهي المنطقة ذاتها التي شنّت عليها "حماس" هجوم السابع من أكتوبر، وعدَّ الكيان ذلك كارثة كبرى تبرر حرب الإبادة وهذه الحرب الكبرى التي كان مخططًا لها مسبقًا وفقًا لجميع الشواهد.

بعد حرب العام 1967، وتحت ذرائع أمنية مرتبطة بتهديد دول الطوق العربي؛ كثفت "إسرائيل" من تطبيق فكرة المناطق العازلة، ثم حولتها إلى بؤر للاستيطان.

على الساحة اللبنانية، وبعد غزو جنوب لبنان سنة 1978، في ما سُمّي إسرائيليًا "عملية الليطاني"، أنشأت "إسرائيل" منطقة عازلة عُرِفت حينها بـ "الحزام الأمني"؛ وهي منطقة خضعت لسيطرتها العسكرية والأمنية الكاملة، على طول الحدود مع لبنان، بعمقٍ راوح بين 5 و10 كيلومترات، ممتدة من ساحل البحر الأبيض المتوسط إلى الحدود السورية، وأسست ما سُمِّي "جيش لبنان الجنوبي" ولم تخرج إلا عبر المقاومة في تحرير 2000.

مثلت المناطق العازلة الأداة الرئيسة التي اعتمدها الكيان، للتوسع في المناطق القابلة للضمّ.

حاليًا ومع تغير أدوات الحرب ووسائله بعيدة المدى التي تقوم على الصواريخ والطائرات المسيرة، تم تهديد العمق الصهيوني نفسه، وبالتالي لا توجد فائدة إستراتيجية من إقامة المناطق العازلة، وهو ما يعني أنها مجرد ذريعة لممارسة التوسع والضم التاريخي.

الخطوط الصفراء:

هذه الخطوط الصفراء التي أقامها الكيان في غزة ويستنسخها في لبنان هي مجرد امتداد لهذه الذريعة، وأحدث الدلائل على ذلك هو الخط الذي أُطلق عليه اسم "الخط الأصفر" في غزة بدعوى أنه مرحلة مؤقتة من مراحل وقف إطلاق النار، ولكن سرعان ما كشف العدو عن حقيقة الأمر عبر الإعلان عن عدم نيته الانسحاب، وقال رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير، في ديسمبر 2025، خلال جولة داخل منطقة الخط الأصفر في قطاع غزة، إن "الخط الأصفر هو خط الحدود الجديد لإسرائيل، وهو خط دفاع أمامي للمستوطنات وخط انطلاق للهجوم".

هو مصداق لما كان قد صرح به وزير الخارجية الإسرائيلي الأسبق إيلي كوهين في 18 أكتوبر 2023، قائلًا: "في نهاية هذه الحرب لن يقتصر الأمر على خروج حماس من غزة، بل ستُقلَّص مساحة غزة أيضًا".  ومؤخرًا، ذكر وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش في أبريل 2026، أن "إسرائيل في حاجة إلى حدود أوسع وقابلة للدفاع في كل من قطاع غزة ولبنان وسورية".

الحركات الاستيطانية لجنوب لبنان

كانت تصريحات السفير الأمريكي لدى "إسرائيل"، مايك هاكابي، كاشفة عن النوايا الحقيقية، عندما تحدث عن وجود "حق توراتي" لإسرائيل في السيطرة على مساحات واسعة من الشرق الأوسط تمتد من نهر النيل إلى نهر الفرات. عندما يتعلق الأمر بلبنان، فإن تاريخًا طويلًا من المطامع والنوايا الاستيطانية تعج بها فضاءات التصريحات والوقائع العملية، وهي أهداف تصل إلى حدّ المطالبة باستيطان جنوب لبنان وتوسيع حدود "إسرائيل" حتى نهر الليطاني.

كان الأكثر صراحة، في هذا السياق، تصريح المتحدّث باسم الحكومة الإسرائيلية ديفيد مينسر، في 24 سبتمبر 2024، بأن "نهر الليطاني هو حدود إسرائيل الشمالية". وقد أطلق كبير حاخامي الحاسيديم إسحق غنزنبورغ، دعوة علنية من أجل "استيطان لبنان فهو جزء من الأرض الممنوحة لإسرائيل من النيل إلى نهر الفرات". طوال فترة الحرب، لم تتوقّف المبادرات الصهيونية التي تروّج لاستيطان جنوب لبنان، وكان عنوان أحد محاور المؤتمر الذي نظمته حركة "أوري تسافون" (أيقظوا الشمال)، عبر الإنترنت، في يونيو 2024، هو "نماذج ناجحة للاستيطان من الماضي ودروس لجنوب لبنان".

انتشر في مواقع التواصل بشكل واسع، فيديو لمستوطن يقرأ لابنه قصّة أطفال عنوانها "ألون ولبنان"، تروّج لاستيطان لبنان، وفكرة أن "لبنان لنا (للإسرائيليين)". هذه النزعة التوسّعية ليست جديدة، حيث اقترح الصحافي ورجل الأعمال البريطاني والقيادي الصهيوني هاري ساتشر، منذ أكثر من 100 عام، أن تتبع الحدود الشمالية لإسرائيل "الأميال الخمسة الأولى من المجرى السفلي لنهر الأوّلي؛ ثمّ خطًّا مستقيمًا إلى الجنوب الشرقي، يتخطّى الطرف الجنوبي للبنان وجبل الشيخ".

الليطاني ومطامع المياه

كان نهر الليطاني حاضرًا بكل الحروب الإسرائيلية السابقة على لبنان، فقد قال غير بيدرسون، المُمثِّل الشخصي للأمين العام للأمم المُتّحدة في لبنان، العام 2006: "لقد سبق أن أَمْضيت عدة أعوام في إسرائيل، وأستطيع أن أقول لكم، إنّهم يحسدونكم على ما تتمتَّعون به من مياه ".

بالعودة إلى بعض الدراسات التاريخيّة نجد أنّ هذه المطامع تعود إلى أواخر القرن التاسع عشر، عندما تمّ شراء أراضٍ واسعة سنة 1892 قرب منابع المياه وفي المناطق الحدوديّة المتداخلة بين لبنان وفلسطين، وخصوصًا في سهل الخيام والمطلة والمنارة. كتب هيرتسل، العام 1903، إلى السلطان العثماني عبد الحميد، عارضًا عليه تقديم مبلغ مليون ليرة تركيّة مُقابل موافقة السلطات العثمانيّة على إقامة اليهود في منطقة الجليل، كما أعربت الحركة الصهيونيّة، في المذكرة التي رفعتها إلى مؤتمر السلام الذي عُقد في فرساي في العام 1919، عن رغبتها في الاستيلاء على جنوب لبنان وجبل الشيخ، فقد ورد فيها "أنّ جبل الشيخ (حرمون) هو "أبو المياه" الحقيقي لفلسطين.

المطامع بنفط لبنان وحقول الطاقة:

مؤخرًا أفصح الكيان بوضوح عن نواياه في نهب حقول الطاقة في لبنان، وهدد كاتس بإلغاء اتفاق الترسيم البحري، وأن حكومته قد تلجأ إلى الحرب مجدداً على لبنان إذا لم يتم نزع سلاح المقاومة. والمراقب للعملية البرية في الجنوب بذريعة الخط الأصفر والمنطقة العازلة، يرصد توغلًا في هذه المناطق، فقد امتد الخط الأصفر ليطاول البلوكات النفطية اللبنانية ضمن المنطقة الاقتصادية البحرية الواقعة بين شاطئي البياضة ورأس الناقورة. وهو تهديد صريح، لا سيما في البلوكات البحرية 8 و9 و10، حيث يقع أيضاً حقل قانا.

الخلاصة: أن هذا الكيان دأب على التوسع والقضم بذرائع مختلفة، وأن مشروع "إسرائيل الكبرى" هو مشروع جاد يجري تنفيذه برعاية أمريكية صريحة، وهو لا يعتمد على السيطرة العسكرية فقط، حيث لا يستطيع جيش الحرب الصهيوني إحكام هذه السيطرة، بل يعتمد أيضًا على السيطرة على أنظمة الدول المحيطة وترويضها وانتزاع سيادتها وقرارها ومحاربة المقاومات بها لتحقيق التوسع بمعناه الواسع، عبر السيطرة العملية والنفوذ، كأن هذه الأنظمة مجرد ولايات تابعة لإسرائيل الكبرى.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد