في مرسيليا، تحوّلت المقاطعة الثقافية إلى أداة ضغط فعّالة داخل أحد أبرز المهرجانات السينمائية الأوروبية. بعد انسحاب مخرجين عرب وأجانب وسحب أفلام من المسابقة، تراجعت إدارة المهرجان عن استضافة المخرج الإسرائيلي نداف لابيد، في مواجهة سجال واسع حول تمويل الثقافة الإسرائيلية وحدود «حياد» المؤسسات الفنية ودور الفن في زمن الحرب على غزة
أعلنت إدارة «مهرجان مرسيليا السينمائي الدولي» (FID Marseille)، المقرر عقده من 7 إلى 12 تموز (يوليو) المقبل، رسميًا عن عدم حضور المخرج الإسرائيلي نداف لابيد فعاليات المهرجان استجابة لحملة المقاطعة ضده. نجاح جديد يُضاف إلى حملات المقاطعة الثقافية في أوروبا باستبعاد مخرج إسرائيلي من المشاركة، وجاء هذا القرار بعد موجة توتر شديدة واجهتها إدارة المهرجان على إثر امتناع مخرجين أوروبيين وعرب عن عرض أفلامهم، ونشرهم بيانًا علنيًا يدعو إلى المقاطعة.
وفق مصادر تحدثت إلى وسائل إعلام فرنسية، أبلغت الإدارة عددًا من المعترضين بالتراجع عن استضافة لابيد بهدف إخماد الأزمة، وإعادة حوالى عشرة أفلام كانت قد سُحبت من المسابقة الرسمية. وكشفت مديرة المهرجان تسفيتا دوبريفا في حديث لوسائل الإعلام، عن كواليس هذا الارتباك، قائلة إن لابيد دُعي في البداية ليكون عضوًا في لجنة التحكيم استنادًا إلى ما وصفته «المعيار الفني وحده واحترامًا لسينماه».
مع توالي الضغوط والمكالمات المطالبة بإلغاء الدعوة، حاولت الإدارة تقديم حلّ وسط يقضي باقتصار مشاركته على تقديم فيلمه الأول «شرطي» (2011) تتبعه ندوة وتوقيع كتاب، إلا أن نشر دعوة المقاطعة العلنية قبيل «مهرجان كان السينمائي» وسحب المخرجين لأعمالهم جعلا استمراره أمرًا مستحيلًا في ظل العدوان والإبادة الإسرائيلية المستمرة في قطاع غزة.
نعم... السينما سياسية وفلسطين ستنقذها
في مقابل محاولات التهدئة، تشكلت جبهة مقاطعة سينمائية وثقافية صلبة رصدت تفاصيلها جريدة «الأخبار» في مقال نشرته في 2 حزيران (يونيو)، وتمكنت هذه الجبهة الثقافية من تقديم سردية موازية حاسمة. في البيان المشترك للمخرجين المقاطعين الذي حمل عنوان «نعم، السينما سياسية»، أكد صناع الأفلام أنّ خطوتهم موجهة ضد «الآلية المؤسساتية»، حيث يُعد تمويل فيلم لابيد الأخير «نعم» (2025) من «صندوق السينما الإسرائيلي» الحكومي خطًا أحمر يمنح الاحتلال غطاءً شرعيًا يظهره بمظهر «الواحة الديمقراطية التي تسمح بنقد الذات».
في السياق ذاته، نشرت مجموعات المقاطعة بيانًا عبر مدونات «ميديا بارت» بعنوان «فلسطين ستنقذ السينما»، هاجمت فيه أطروحة «الفن من أجل الفن» السائدة في الغرب، مؤكدة أنّ الجماليات السينمائية تتحول إلى ترف وتواطؤ صامت للتغطية على الجرائم ما لم تتخذ موقفًا حاسمًا، نافيةً عن المهرجانات «وهم الحياد» الذي يحاول مساواة الجلاد بالضحية.
في موقف لافت، عبّرت المخرجة الفرنسية الجزائرية ناريمان ماري عن هذا الرفض قائلة: «نحن نرفض نموذجًا ثقافيًا وسياسيًا مستمرًا، ولم أعد قادرة على الاستماع لكذبة «المقاومة من الداخل»؛ فالقول إنك ضد الإبادة الجماعية لم يعد كافيًا اليوم». كما أكد مخرج معارض آخر لصحيفة فرنسية (لم يكشف عن اسمه) بأنّه «لم يعد هناك أي مجال للمواقف الرمادية والفروق الدقيقة بعد كل هذه الدماء، لأن الواقع سحقها تمامًا».
عريضة «لوموند»: صناعة الضحية
لم تتأخر الماكينة الإعلامية والثقافية الفرنسية في إطلاق هجومها المضاد؛ إذ فوجئ السينمائيون المشاركون بقيام صحيفة «لوموند» بنشر مقال رأي بعنوان «من أجل لابيد»، تحول سريعًا إلى عريضة تضامنية تدافع عن حقه في المشاركة وتظهره كـ «مخرج مستقل وضحيّة للرقابة والترهيب»، متجاهلةً أنه يشارك بانتظام في مهرجانات داخل الكيان العبري ويموّل أفلامه من أموالها الرسمية.
المثير للسخرية أن مصادر لـ «الأخبار» كشفت عن أن لابيد نفسه شارك في كتابة هذه العريضة، وحشد لها تواقيع شخصيات بارزة، من بينها الكاتب والمؤرخ الفلسطيني إلياس صنبر، سفير فلسطين السابق لدى اليونسكو، والمعروف بموقفه المناهض للمقاطعة. أمر استهجنه عدد من المشاركين في المهرجان.
ردًا على هذه المناورة الإعلانية، فككت الكاتبة لويزة يوسفي عبر مقالها حول المقاطعة الثقافية على منصة «سابستاك» ما وصفته بـ «عقدة الضحية» التي يحاول الإعلام الفرنسي إلباسها للمثقف الإسرائيلي المموّل حكوميًا على حساب أصوات الفنانين الفلسطينيين والعرب التي تُسحق وتُغيّب، مشددة على رفض «المسافة المتساوية المزيفة» بين فنان يمتلك ترف «الهامش النقدي» الآمن في فرنسا، وبين شعب يرزح تحت الحصار والقصف اليومي.