1 - الهوية الوطنية اللبنانية
من المؤسف بشدّة أن تدفع الحروب العدوانية الإسرائيلية اللبنانيين، أو بعضهم، إلى البحث مجدّدًا في معنى انتمائهم الوطني ومعايير صحته. ومن المؤسف أيضًا أن تحوّلات ميزان القوى في البلاد والمنطقة تفرض، تباعًا، تغييرات في معايير هذا الانتماء بدل أن تعزّزها وتعمّق التمسّك بها.
يشير ذلك إلى أثر التنوّع في التركيبة اللبنانية، وإلى ضعف البرامج الحكومية وهشاشة أثرها في توسيع دائرة التشارك والتآلف بين اللبنانيين، وفي توفير قواعد ثابتة للتلاقي الوطني حول رؤية موحّدة ومتكاملة لمواجهة التحدّيات التي تطاول الجميع.
نزوع اللبنانيين عمومًا إلى مواجهة التحدّيات الوطنية الكبرى من خلال الاستناد إلى مصلحة الطائفة أو المذهب أو الفريق الخاص، بمعزل عن المصلحة الوطنية العامة، من شأنه تكريس عائق إضافي يعقّد الوصول إلى تفاهم تشاركي جامع، يلحظ المخاطر والتحدّيات التي تهدّد الجميع، وتتطلّب موقفًا وطنيًا متماسكًا لمواجهتها وإحباط أهدافها.
لعلّ أحد أسباب ذلك عدم الجدّية في تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه، والتساهل في الالتزام الدقيق به، بما يؤدّي إلى مفاجآت غير محسوبة، تعيق تدارك التداعيات وتطويق الأضرار بالسرعة المطلوبة والآليات المُقرّرة، بدلًا من الارتباك في تحمّل مسؤولية المعالجة، واللجوء إلى التفرّد، أو إلى تشاور مع غير الممثّلين الحقيقيين للبنانيين.
قد يكون هناك سبب آخر يكابر البعض في الإقرار به، لدواعٍ بعضها مفهوم وإن غير مُبرّر، وبعضها مُضمر وغير مسؤول، إلا أن جوهره يتمثّل في إبقاء الاختلاف حول معنى أو تطبيق ما تم الاتفاق عليه ضمن نصوص التفاهم العام. وهذا ما يتبدّى لاحقًا، ويؤكد أن التفاهم لم يكن دقيقًا أو كاملًا، أو أن المطلوب حين تمّ التفاهم أن يبقى الأمر مُبهمًا إلى زمن آخر.
أبرز مثال على ذلك، الخلاف القائم اليوم حول فهم نصّين واردين في وثيقة الوفاق الوطني: الأول، متعلّق بتحرير البلاد من الاحتلال الإسرائيلي وما يتضمّنه من لفظ ومعنى وسياق قانوني وتطبيقي، والثاني، متصل بتشكيل الهيئة الوطنية العليا لإلغاء الطائفية السياسية.
من المفارقات المؤسفة أن تتراجع العدائية تجاه الكيان الصهيوني العنصري، رغم وضوح تهديده الوجودي - وليس السياسي فقط - للبنان بتنوّعه الطائفي، ورغم احتلاله أجزاءً من الأرض اللبنانية، لا نتيجة مستجدّ في كيان العدو يشجّع على توقّع سلم أو أمن مُستدام للبنان، بل في سياق الاستقواء به ضد مكوّن لبناني آخر، منافس في العمل السياسي أو في النفوذ الشعبي أو في دوره وتأثيره في الحكومة والسلطة. وبدافع فئوي نفعي، يتوسّل هؤلاء بالنجاسة نكاية بالطهارة، ويتبرّعون بالخدمات للعدو المُهدِّد للبنان واللبنانيين لتنفيس حقدهم، وينتصرون لمصلحته الفئوية على حساب المصلحة الوطنية.
الأنكى أن يذهب هذا النهج إلى حدّ التماهي مع سياسات الداعمين الدوليين للاحتلال والإرهاب الإسرائيلي، والتلطّي بنفوذ هؤلاء الداعمين لترويج فكرة أن مصلحة لبنان قد تكمن في الاستسلام أو القبول بشروط العدو، حتى لا يغضب منّا داعمه الأميركي. وإن بلدًا تُقدّر مصلحته الوطنية تبعًا لرضى أو غضب هذا النافذ أو ذاك، بعيدًا عن حقه وحق أبنائه في تحرير أرضهم وسيادتهم, من المُستبعد جدًا أن تستقر لدى مواطنيه الهوية الوطنية التي تستحق التضحية والصمود.
في المحصّلة، فإن أخطر ما يواجه لبنان وكشفته الحرب العدوانية الصهيونية ضده، أن يستبدله بعض مواطنيه برصيف ينتظرون عليه عروض وبضائع سفن أجنبية عابرة، أو مواعيد ارتحال إلى أوطان تَمنح، في أحسن الأحوال، من يزهدون في الدفاع عن سيادة وكرامة وطنهم، فرصة عيش لا معنى للحياة فيها من دون هوية وطنية تجسّد انتماء حقيقيًا إلى أرضهم وشعبهم ودولتهم.
2 - لبنان وطن وليس وجهة نظر
المُتتبِّع لأداء السلطة في لبنان منذ أسعفها الحظ وتسنَّمت مقاليد حكم البلاد، يلاحظ جملة من المسائل المرتبطة بآلية تسلّم السلطة، وبنمط من الأداء، سواء في مقاربة العلاقات الخارجية أو في إدارة الشؤون الداخلية. وهو أداء غير خاضع لضوابط الدستور ومعاييره غالبًا، بقدر ما يستقوي بتدخّلات خارجية غير خافية، إن لم نقل إنها محلّ ترحيب واعتزاز، مرورًا بخطاب فظّ تارةً، واستعلائي متوتر، ظاهره الجمع وباطنه التفرّد، ومتدثّر بالوطنية شكلًا ومشدوهًا برعاية الخارج ضمنًا.
الأمثلة على ذلك كثيرة، لا حاجة إلى استعراضها، إذ يكفي المواطنَ معيارٌ واحدٌ للحكم على حسن النية أو الأداء أو الخطاب السلطوي: ما مدى تماهي هذا الأداء أو اقترابه أو خدمته، بشكل مباشر أو غير مباشر، للمشروع الإسرائيلي المعادي، وما يهدف إليه من احتواء ابتدائي للبنان عبر تعزيز اتجاه سياسي داخلي يسعى إلى إنهاء حالة العداء مع الاحتلال وأطماعه، والتأسيس لإجراءات ميدانية تُضعِف الرافضين لمهادنة العدو والتصالح معه، وتشكّك في مشروعية وجدوى الجهود المناهضة والمقاومة للعدوانية الإسرائيلية؟ ويتمّ ذلك عبر التنسيق والانصياع لتعليمات الخارج الراعي للعدو الصهيوني وكيانه الغاصب والتوسّعي، أو اللاهث وراء مُصالحته وتطبيع العلاقات معه على حساب الثوابت والمبادئ والالتزامات القيمية والقانونية وحتى المصلحية.
لأنّ المواطنين يمتلكون هذا المعيار في تقييم المواقف والإجراءات، لم يعد سهلًا على السلطة تمرير ما تستبطنه من التزامات وقناعات وافدة، بل تجد نفسها في حالة مُساءلة دائمة وتحذير واعتراض، وصولًا إلى العزلة عن المواطنين واتّساع الفجوة معهم.
ووسط كرّ السلطة وفرّها، يطفو على سطح النقاش العام سؤال جوهري حول السيادة الوطنية: هل هي مبدأ قانوني ومحوري في تأسيس الأوطان، أم أنها مجرّد وجهة نظر قابلة للتبدّل تبعًا للظروف الداخلية والخارجية؟
من هذا السؤال يتفرّع سؤال آخر حول مفهوم الخيانة ومنزلقاتها: هل هي فعل جرميّ أم ممارسة استنسابية تعبّر عن وجهة نظر مُعتمدة من بعض أفراد أو جماعات في البلاد؟ وتتوالى بعد ذلك الأسئلة التي تطاول بنية الوطن وتكوينه، والثوابت التي يقوم عليها، والضوابط التي ينبغي أن تحكم سلوك جميع مكوّناته.
غير أنّ مفهوم السيادة الوطنية يبقى المفهوم الحاكم الذي تستند إليه سائر المفاهيم والثوابت الضرورية لقيام وتمايز الأوطان. فالبلد المنقوص السيادة ليس آمنًا لأبنائه، ولا ملاذًا لمجتمعهم، ولا منطلقًا لتحقيق أحلامهم ومستقبلهم. ذلك أن هذا البلد بلد متسامح مع الخونة، والتسامح مع الخونة تقويض لبناء الوطن وهدم لقواعد هيكله وأُسس طبقاته.
عندما تُعامل الخيانة كوجهة نظر، فإن ذلك يعني عمليًا تقويضًا لمفهوم السيادة نفسه. فلا ادّعاء حماية البلاد تلفيقًا وانهزامًا يُبرِّر الخيانة والخضوع للأعداء. ولا الاحتماء بالذئب الأميركي حامي وراعي العدو الصهيوني وطلب النجدة منه يحميان السيادة الوطنية.
وحده الحرص على التفاهم الوطني، وحفظ وحدة المصير الوطني، واعتماد الشراكة الوطنية، بدل الإقصاء والتهميش، هو ما يعزّز السيادة الوطنية ويوحّد اللبنانيين لحماية بلدهم من العدوان الخارجي، ومن التدخّلات والاستقطابات الخارجية الطامعة.
3 - نحو وطنية دون تدليس
لا يخفى على أحد أن السلوك السياسي للقوى غير المقاومة، أو غير المؤيّدة لمقاومة الاحتلال الصهيوني وعدوانيته المتوحّشة، تحكمه رؤية ومنطلقات فكرية وسياسية ومصلحية ترسم الحدود والضوابط للخطاب والأداء فضلًا عن التحليل والموقف. ولا يختلف أحد أيضًا، أن مصلحة لبنان الوطن ينحصر تحقّقها بأعلى مستوى ممكن، إذا ما تفاهم اللبنانيون مع بعضهم وتوافقوا على المبادئ والأهداف والحدود والآليات والمعايير التي يضمن الالتزام بها قيام لبنان الذي يريده ويدافع عنه كل اللبنانيين.
في التسويات مع الخصوم، قد يصلح إظهار بعض النوايا وإخفاء بعضها الآخر، أو استخدام المواربة في التعابير. أمّا في بحث موضوع الوطن والميثاق الوطني الذي يُترجِم العقد الاجتماعي والسياسي والفكري والسلوكي للمواطنين، فالصراحة وصدق الالتزام هما دعامتا الوصول إلى توافق وطني جدّي، يعزّز مصداقيته أن يحصل في ظل توازن في ميزان القوى بين المتفاهمين، وأن تتحدّد بالنص والشكل والمضمون الثوابت والمبادئ والأسس الحاكمة في آليات حياة المواطنين وضمان انتظامها.
لقد مثّل الطائف نموذجًا متقدّمًا في مسار الوفاق الوطني المنشود، إلّا أن مجموعة نواقص اعتورته ومجموعة مواربات تضمّنتها نصوصه، فتسلّلت عبر المجموعتين مكائد المتربّصين بتوافق اللبنانيين، وعملت على توسيع الخلافات. وعاونها الأداء الاستنسابي للسلطة في بعض - أو كثير من - الأحيان وطغت موجة إدارة الخلاف على حساب قاعدة تثبيت الوفاق، فأمضى اللبنانيون سنوات من الاستقرار المشوب بالمُنغِّصات لبعضهم دون بعضهم الآخر، من دون أن يكترث المعنيون النافذون في البلاد، من سلطة وغيرها، للمخاطر المُهدِّدة للدولة والمجتمع والوطن.
من أسف شديد أن السلطة كلها حينًا، وبعضها حينًا آخر، أذعنت بحكم اختلاف مكوّناتها لتوسعة مساحة تدخّل النافذين في إدارة شؤون البلاد تبعًا للمصالح الخاصة أو الاستنسابية، مستفيدين من حجم اتّساع التباين بين أهل السلطة أنفسهم، وبين المكوّنات السياسيّة اللبنانيّة.
لعل المواربة التي اعتُمدت في تحديد هوية لبنان، بشكل عام وغير مُحكم، وتعمُّد إسنادها إلى الغموض والعمومية في التعريف والانتماء، أفسحا المجال أمام المتضرّرين من صيغة الوفاق وغير المقتنعين بمضمونه أساسًا، للاستفادة من تغيّر موازين القوى الإقليمية والدولية، وتجيير ذلك لمصلحتهم الفئوية على حساب مصلحة الوطن، وبدأت رحلة العودة إلى الافتراق والتخاصم والاستقواء بالخارج على حساب البلاد واستقرارها ووحدة شعبها.
اليوم لا نجانب الحقيقة إذا قرأنا تباينات لدى مكوّنات اللبنانيين حول مفهومهم الوطني، أو هويتهم الوطنية، أو العلاقات التي ينبغي أن يلتزمها لبنان الرسمي والشعبي مع الدول والبلدان الأخرى، وما هي مقاييسهم لصوابية الحرص أو النفور إزاء هذه العلاقة أو تلك.
بين أن تصبح إسرائيل صديقًا مُحتملًا، أو أن تسقط أوجه الشبه بين بعض اللبنانيين وبعضهم الآخر، لا تغدو المشكلة في لبنان مشكلة خلاف حول شكل السلطة ولا حول الحكومة وطريقة تسيير وزاراتها إداريًا.
المشكلة تظهر أعمق بكثير من ذلك... إنها مشكلة هوية وطنية مُلتبسة، يصبح معها الوطن مُلتبسًا والدولة أكثر التباسًا.
اللبنانيون، ونحن منهم، معنيون بمعالجة هذا الالتباس بشكل كلّي وصحيح، قبل أن يعالجوا أي مسألة أخرى.
ليس مناسبًا بعد، التدليس على اللبنانيين وعلى العالم من حولنا. فأيًا تكن الخلافات حادّة بين المنتمين إلى وطن واحد، لن يقتنع أحد أن حدّة الخلافات الداخلية تدفع فريقًا أو فريقين من اللبنانيين ليتواطآ فعلًا وتوجّهًا مع عدو الوطن ضد الفريق الذي يختلفان معه في الداخل.
هذا المشهد وحده يكفي لإعادة النظر في الكثير من المسائل التصالحية التي حصلت، وفي الأسس التي يجري في ضوئها - ولو شكلًا وانتقاءً - تسيير أمور البلاد.
الموضوع خطير وأكبر مما يتصوّره البعض. واللحظة تستدعي شحذ الهمم من العقلاء في كل الطوائف والمذاهب والفرقاء لترميم الصدع الكبير الذي عاد للظهور مجدّدًا في هذا الوطن.
دافعنا الوطني يدعونا إلى إثارة هذه المعضلة التي لا تقبل استخفافًا ولا تباطؤًا ولا تفرّدًا.
بجرأة نقول: لا نحتاج إلى تدخّل خارجي، ولا إلى وصاية أيضًا. وبالجرأة نفسها: ننتهز الفرص من بعض التطورات السياسية من حولنا لتعزيز هويتنا الوطنية التي نميّز في ضوئها بين الأصدقاء الحقيقيين وغيرهم، وبين من يحترم هويتنا ويتعامل معنا وفق مشتركاته معها، ومن يتعامل مع وطننا على أنه سلعة للاستخدام ولتحقيق بعض مصالحه، ولو على حساب الوطن والمصلحة الوطنية لبلدنا.