ليست المشكلة في أن يكتب سياسي لبناني إلى مسؤول أميركي، فالعلاقات الدولية جزء من العمل السياسي الطبيعي، بل في طبيعة الخطاب الذي يحوّل أزمة وطن معقّدة إلى رواية تبسيطية تقوم على تحميل «الآخر» مسؤولية كل فشل، وتبرئة الذات من تاريخ طويل من الخيارات الكارثية، والتحريض على الشريك بدل الجلوس معه ومحاورته. هنا الوشاية بعينها، والخطر الأكبر أن تصدر هذه الرواية عمّن يفترض أنهم تعلّموا من تجارب الحرب الأهلية، فيما خطابهم ما زال أسير عقل الميليشيا والانغلاق والتخويف من الآخر لشدّ العصبيات.
أزمة المسيحيين في لبنان لم تبدأ مع إيران، ولا مع حزب الله، بل بدأت يوم تحوّل جزء كبير من الأحزاب المسيحية إلى مشاريع انعزالية مغلقة، ترى في الشريك الداخلي تهديدًا دائمًا، وفي الخارج ضمانة وجود. فمنذ خمسينيات القرن الماضي، بُني جزء من الحياة السياسية المسيحية على هاجس التفوق لا الشراكة، وعلى وهم القدرة على حكم لبنان بمنطق الغلبة، لا بمنطق التوازن التاريخي الذي قام عليه الكيان اللبناني.
عندما انفجرت الحرب الأهلية، لم تكن المأساة مجرد صراع بين طوائف، بل أيضًا حربًا مسيحية - مسيحية دامية، ومجازر امتدت من إهدن إلى الصفرا، ومن الاغتيالات السياسية إلى حروب الإلغاء، وكان المسيحي يقتل المسيحي باسم «توحيد البندقية» أو «حماية الوجود». وفي النتيجة، جرى تدمير البيئة المسيحية سياسيًا وديموغرافيًا واقتصاديًا بأيدي من ادّعوا الدفاع عنها، وكان اكبر نزيف هجرة في التاريخ المسيحي.
التاريخ يقول بوضوح إن أخطر ما واجه المسيحيين في لبنان لم يكن الشراكة مع المسلمين، بل الصراع داخل البيت المسيحي نفسه. آلاف الشباب هاجروا بعد أن تحوّلت المناطق المسيحية إلى ساحات اقتتال وحواجز وخطوط تماس ومقابر جماعية. ولم تكن إيران من أقام حاجز البربارة، ولا من أشعل حرب توحيد البندقية والالغاء، ولا من حارب الجيش وأعدم ضباطه ورمى بهم في البحار وأقنية الصرف الصحي، ولا من قام بتصفية القيادات المسيحية التاريخية. هذا كله حصل قبل صعود النفوذ الإيراني في لبنان أصلًا.
جاءت مرحلة ما بعد الطائف، وبدل أن تعيد الأحزاب المسيحية إنتاج مشروع وطني جديد يواكب التحولات الإقليمية والديموغرافية، اختارت المقاطعة والانسحاب ورفع خطاب المظلومية، تاركة الدولة تُدار من دون مساهمة فعلية منها، وبنت سردية قامت على التحالف مع جميع احزاب السلطة ضد الشخصيات التي كانت تسعى للشراكة وادخال الشباب المسيحي الى الدولة ومؤسساتها، بعدما رمتهم الاحزاب الهاربة من وجه العدالة والتاريخ الأسود لمصيرهم. وعندما عادت إلى السلطة لاحقًا، لم تعد بعقل الدولة، بل بعقل الثأر السياسي من الاطراف المسيحية، أحزابًا ومستقلين، فأقامت تحالفات ثلاثية ورباعية الهدف منها الغاء الآخرين وتقاسم النفوذ والسلطة.
الحقيقة التي يرفض البعض الاعتراف بها هي أن النظام اللبناني، رغم كل عيوبه، منح المسيحيين ما لم يحصل عليه أي مكوّن مسيحي آخر في الشرق: المناصفة، ورئاسة الجمهورية، والدور المحوري في الإدارة والاقتصاد والثقافة والتعليم. لكن بدل تطوير هذه الصيغة، عملت بعض القوى على تقويضها عبر مشاريع الكانتونات والفدراليات المقنّعة والتحريض الطائفي المستمر، وكأن المطلوب تدمير آخر نموذج للشراكة المسيحية - الإسلامية في الشرق.
المشكلة الاستراتيجية الكبرى لدى الأحزاب التي تدعو الى عدم الاندماج وتفضل الانعزال عن بقية المجتمع، أنها لم تفهم التحولات العميقة في المنطقة. فالمسيحي اللبناني لا يمكنه حماية وجوده عبر الانغلاق داخل جغرافيا ضيقة، ولا عبر الاستقواء بالخارج. والقوة الحقيقية لأي جماعة في الشرق تأتي من القدرة على بناء شبكة مصالح وتحالفات وانفتاح مع محيطها العربي والمشرقي. والمسيحي الذي يرى في المسيحي السوري أو العراقي أو الفلسطيني أو الأردني «غريبًا» لا يمكنه أن يبني مشروع حضور تاريخي طويل الأمد.
لقد أثبتت تجارب القرن الماضي أن كل مشروع إلغائي ينتهي إلى هزيمة أصحابه. من راهن على إسرائيل خسر، ومن راهن على الحرب خسر، ومن راهن على التقسيم خسر، ومن راهن على الخارج ضد الداخل خسر أيضًا. أما لبنان فبقي بفكرة الشراكة، لا بفكرة الغلبة.
أخطر ما يواجه المسيحيين اليوم ليس سلاح هذا الطرف أو نفوذ ذاك، بل استمرار عقل سياسي يعيش على الخوف والتحريض، ويستثمر في العصبيات بدل بناء الدولة. عقل لم ينتقل حتى الآن من مفهوم الميليشيا إلى مفهوم الدولة، ومن وهم الحماية الخارجية إلى منطق المواطنة والشراكة الوطنية.
كفى وشاية بالخارج على الداخل. وكفى تزويرًا للتاريخ. من يريد فعلًا حماية المسيحيين، يحمي الدولة لا مشاريع التفكك، ويحمي الشراكة لا الانعزال، ويبني مستقبلًا لشباب لبنان بدل دفعهم إلى الهجرة بخطاب الكراهية والخوف الدائم.