يارا عبود (صحيفة الأخبار)
لم تقتصر تداعيات العدوان الإسرائيلي على لبنان على الدمار والنزوح، بل امتدّت إلى تفاصيل الاقتصاد اليومي، حيث فرضت الحرب على آلاف العائلات وأصحاب المؤسسات التجارية إعادة ترتيب أولوياتهم والتكيّف مع واقع جديد. وفي الأوزاعي، التي تحوّلت خلال أشهر الحرب إلى واحدة من أكبر مناطق استقبال النازحين، تبدّلت خريطة السوق سريعاً، وظهرت أنماط جديدة من الأعمال فرضتها حاجات السكان أكثر مما فرضتها خطط أصحابها.
في المنطقة المكتظّة، لم يعد الاستمرار في العمل مرتبطاً فقط برأس المال أو الخبرة، بل بالقدرة على التقاط التحوّلات السريعة في العرض والطلب، وقراءة ما يحتاج إليه الناس في ظل الظروف الاستثنائية. بحسب رئيس اتحاد بلديات الضاحية الجنوبية، محمد درغام، «ما شهدته الأوزاعي يشكّل نموذجاً في مواجهة الأزمات الاقتصادية عبر المبادرات الفردية والتكافل المجتمعي». ويؤكّد أن «المنطقة لم تتحوّل فقط إلى مركز لإيواء النازحين، بل حافظت أيضاً على دورة اقتصادية نشطة ساهمت في تأمين احتياجات آلاف العائلات». ويشير إلى أن «التفاعل بين السكان وأصحاب المحال أسهم في تعزيز الصمود الاقتصادي خلال الحرب، داعياً إلى الاستفادة من هذه التجربة في مناطق أخرى واجهت ظروفاً مشابهة».
قصي، صاحب محل للهواتف الخلوية، افتتح فرعاً جديداً بعدما ارتفع عدد السكان نتيجة النزوح. وفي المقابل، وجدت سيلين في الحرب فرصة غير متوقّعة. فقد كانت قد طلبت، قبل اندلاعها، كمية كبيرة من الملابس والإكسسوارات ومستحضرات التجميل من موقع «شي إن»، تمهيداً لبيعها عبر الإنترنت بعد انتهاء العام الدراسي. لكن تأخر وصول طلبات كثيرين بسبب الحرب دفعها، بعد عودتها من النزوح، إلى استثمار متجر والدها الذي كان يعمل بنظام «وان دولار»، وتحويله إلى متجر متخصّص في منتجات «شي إن». ومع اعتمادها على التسويق عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تحوّلت البضاعة التي اشترتها قبل الحرب إلى مشروع تجاري ناجح لبّى طلباً متزايداً في السوق.
حتى المطاعم لم تبقَ بمنأى عن هذا التحوّل. فقد اختار مطعم «الميامي» في الأوزاعي مساراً مختلفاً، إذ فتح أبوابه لاستقبال العائلات النازحة، فيما تحوّل مطبخه إلى مساحة لإعداد الوجبات وتأمين الطعام للمقيمين فيه ولعدد من المحتاجين. وبين الدور الإنساني والحفاظ على استمرارية المؤسسة، تمكّن المطعم من أداء وظيفة اجتماعية تجاوزت نشاطه التجاري التقليدي.
أمّا محمد، الذي كان يستعد لافتتاح متجر متخصّص ببيع الألبسة الأوروبية، فوجد نفسه أمام سوق مختلفة تماماً. فتراجع الطلب على الملابس، وارتفعت الحاجة إلى المواد الغذائية، ما دفعه إلى تحويل متجره إلى سوبرماركت يؤمّن الاحتياجات الأساسية للسكان والنازحين. وخلال فترة قصيرة، أصبح المحل محطة يومية لعشرات العائلات.
الطلب المتزايد على المواد الغذائية، ولا سيما خلال شهر رمضان الذي تزامن مع الحرب، دفع أيضاً أحمد وجاد إلى تغيير نشاطهما. فحوّلا محليهما إلى نقاط لبيع الخُضر والفواكه على الطريق العام، مستفيدين من الحركة اليومية الكثيفة والأسعار التنافسية، ليصبحا من المقاصد الأساسية للعائلات الباحثة عن احتياجاتها اليومية. أمّا قاسم، صاحب متجر الأثاث المنزلي، فقد واجه ركوداً حاداً بعدما تراجع الطلب على الأثاث. وبين خيار الإقفال والاستمرار، اختار تعديل طبيعة عمله، فخصّص جزءاً من متجره لبيع الفرشات والحرامات والمخدّات التي ارتفع الطلب عليها مع ازدياد أعداد النازحين، ما وفّر له مورداً إضافياً ساعده على تجاوز مرحلة الركود.
تكشف هذه النماذج كيف أعادت الحرب رسم الخريطة الاقتصادية المحلية، وخلقت ما يشبه «اقتصاد الأزمات». فمحال الألبسة تحوّلت إلى متاجر للمواد الغذائية، ومتاجر الأثاث إلى نقاط لتأمين مستلزمات الإيواء، فيما أضاف أصحاب المهن خدمات جديدة لم تكن جزءاً من أعمالهم الأساسية. لم تكن هذه التحوّلات نتيجة خطط استثمارية، بل استجابة مباشرة لواقع فرضته الحرب وحاجات الناس.
وبين قصص التجار وأصحاب المهن، تبدو الأوزاعي مثالاً على قدرة المجتمعات المحلية على التكيّف مع الحرب، ليس عبر تجاوز آثارها، بل عبر إعادة تشكيل أدوات العيش بما يتلاءم مع واقع فرضته الأزمة، في تجسيد عملي للمقولة الشعبية: «حسب السوق منسوق».