من بين خلاصات الحرب، بجولاتها وساحاتها حتى الآن، أن إسرائيل تملك تفوقًا عسكريًا وأمنيًا لا تخطئه العين، لكن، في الوقت نفسه، هي تبدو عاجزة عن تحويل هذا التفوق إلى واقع سياسي مستقر حتى لو استعانت بالولايات المتحدة. في المقابل، لا تملك إيران وحلفاؤها في قوى المقاومة قدرة على الحسم، ولو أنها أظهرت أن لديها القدرة على منع الحسم الإسرائيلي.
من هنا تنشأ الحال التي تعيشها المنطقة اليوم: عجز متبادل عن الحسم، وهو وضع جديد يحكم الاشتباك الإقليمي بدينامياته، في انتظار أن تستقر المنطقة على توازنات جديدة.
الجديد والفارق في المشهد، أن مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية أظهرت ميل الكفة لصالح إيران، وهو ما يصعب على حلفاء الولايات المتحدة، الإسرائيليين والعرب، تقبّله، ما يدفعهم إلى التحرّك، رفضًا لأن تكون نتائج المفاوضات على شكل المذكرة فتهيمن على مسار ما قد يستقرّ عليه الإقليم من توازن، أي منعًا لمكاسب إيرانية على حسابهم. تجلّى ذلك في بيان اجتماع المنامة (ضم إلى دول مجلس التعاون الخليجي وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو) الذي طالب بنزع سلاح المقاومة في غزة وفتح هرمز ودعم المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية وذكّر بالملف البالستي المستبعد من مذكرة التفاهم. وهو مسار يلاقي مسارات رفع الصوت والتصعيد والتخريب التي يقودها نتنياهو، وهدفها جميعًا التأثير بكل قوة ممكنة على مسار مفاوضات سويسرا ومذكرة التفاهم والحد من ترجمة مفاعيله على واقع ملفات المنطقة (كما حصل في اتفاق واشنطن بين لبنان وإسرائيل وكما يحصل في الضغط على سلطنة عمان في ملف إدارة المضيق).
هل لهذه المحاولات فرصة إحباط مسار المفاوضات الأميركية الإيرانية في سويسرا؟
أولًا، لا مؤشر على تعديل جدّي في ميزان القوى الذي ظهّرته حرب الأربعين يومًا، ولا على متغيّر أميركي يؤثّر في موقف ترامب من أصل مسار المفاوضات التي يريد منها إنجاز إنهاء الملف النووي وتحقيق «استقرار إقليمي» مستدام، ولو أنه يراعي حلفاءه في التفاصيل مستفيدًا من ذلك كورقة ضغط في المفاوضات.
ثانيًا، عدم التطابق الكلي بين أجندة السعودية وأجندة إسرائيل. فلئن كانت إسرائيل تنشد معركة شبه صفرية في المنطقة، فإن عودة الحوار السعودي الإيراني ممكنة ومن شأنها تبديد القلق السعودي من سلوك إيران وهي منتصرة في الإقليم.
ثالثًا، إن الرهان على معارضة مسار المفاوضات لا يملك فرصة كافية (ليس لعدم قدرة نتنياهو على التأثير بل لتقلّص خيارات الاستجابة الأميركية) لكنه يبقي على التسخين والاشتباك مراهنةً على فرصة لجولة حرب أميركية جديدة، يتطلع إليها نتنياهو بعد أن تضاءل هجومه الإقليمي إلى «المناطق العازلة». الواقع أن أحدًا لا يستطيع الجزم بأمرين: أن يعود ترامب إلى الحرب، أو إن عاد أن تختلف نتائجها عن جولة الأربعين يومًا.
هذا ما يحملنا على أن نخلص إلى القول إن الصراع على مستقبل الإقليم ونظامه سيستمرّ وسيشتدّ في أكثر من ساحة منعًا لترجمة إيران مفاعيل الحرب، وحلفاء أميركا سيطالبونها بدعم أكبر، لكن مع ترجيح أن يبقى هذا الصراع في الوقت الحالي دون تفجير مسار سويسرا، أي تحت سقف المفاوضات الإيرانية الأميركية.