تمجيد قبيسي (صحيفة الأخبار)
عن سابق ترصّد وتصميم تركت الأجهزة الأمنية الضاحية الجنوبية، وشرّعت أبواب البيوت التي نزح أهلها عنها بسبب العدوان الإسرائيلي للصوص الذين عاثوا فساداً في المنطقة أثناء العدوان، ففوجئ عدد كبير من النازحين العائدين إلى الضاحية الجنوبية، بعد توقّف العدوان الإسرائيلي عليها، بتعرّض ممتلكاتهم للسرقة، سواء من داخل المنازل أو من المحالّ التجارية.
وبحسب شهادات ومعلومات من أفراد وجهات كانوا موجودين في الضاحية أثناء فترة العدوان، لم تتسلّم القوى الأمنية أيّ موقوف في الضاحية الجنوبية، على الرغم من وجود أكثر من 600 حالة توقيف سُجّلت منذ بداية العدوان، قام بها الأهالي ولجان الأحياء، بينها توقيفات للصوص متلبّسين بحالات سرقة، فضلاً عن مروّجي مخدّرات. وفي المقابل، كانت المضبوطات التي يُعثر عليها بحوزة السارقين تُعاد مباشرة إلى أصحابها من قبل الجهات الحزبية أو الأهلية الموجودة على الأرض، من دون المرور بالإجراءات القانونية المُعتادة التي يفترض أن تتولّاها الأجهزة الرسمية.
ويقول مصدر أمني لـ«الأخبار» إنّ «ارتفاع معدّلات السرقات في الضاحية الجنوبية لم يبدأ مع العدوان فقط، بل تدرّج في السنوات الست الأخيرة، وتزامن مع تراجع الأجهزة الأمنية عن تسلّم أعداد كبيرة من الموقوفين في عدد من الملفات الجنائية». إلا أن المفاجأة الكبرى، تمثّلت أثناء فترة العدوان، حيث انتقلت هذه السياسة من تقليص عمليات التسلّم إلى الامتناع الكامل عن تسلّم أي موقوف.
ويشير المصدر إلى مفارقة يصفها بـ«اللافتة للنظر»، إذ «كانت الأجهزة الأمنية تؤكد عدم وجود أماكن شاغرة في النظارات لحجز الموقوفين من اللصوص أو مروّجي المخدّرات، فيما كانت تحتجز أعداداً من المقاومين الذين جرى توقيفهم في ظروف مختلفة خلال الحرب». ويستشهد المصدر بيوم من أيام العدوان كان فيه نحو 30 موقوفاً من المقاومين موجودين لدى الأجهزة الأمنية، بينما رُفض في اليوم نفسه تسلّم عدد من الموقوفين بجرائم سرقة بحجة عدم توفّر أماكن احتجاز لهم. هنا يتساءل المصدر عن كيفية إيجاد أماكن لهؤلاء الموقوفين، في حين يُقال إن السجون ومراكز التوقيف عاجزة عن استيعاب الموقوفين الجنائيين؟
وبحسب مصادر أمنية في عدة أجهزة أمنية، فقد كانت هناك تعليمات واضحة من قيادات قوى الأمن الداخلي ومديرية المخابرات والشرطة العسكرية تقضي بعدم تسلّم الموقوفين الذين يتم توقيفهم في تلك المرحلة. وترى هذه المصادر أن قيادات هذه الأجهزة، إلى جانب الجهات السياسية والقضائية التي تقف خلف هذه القرارات، تتحمّل مسؤولية مباشرة عن النتائج التي ترتّبت على هذا الواقع. وتؤكد المصادر وجود معلومات حول ضغوط مورست على الأجهزة الأمنية أثناء العدوان الإسرائيلي، تهدف إلى منع التعاون وتسلّم الموقوفين، او تنفيذ أي إجراء أمني يحدّ من التفلّت في الضاحية. وذلك لجملة من الأهداف، من بينها تحويل المناطق التي تعرّضت للاعتداءات الإسرائيلية، وفي مقدمتها الضاحية الجنوبية، إلى بيئة رخوة أمنياً ومفتوحة أمام نشاط العصابات أو أي مُفسِد ينشط في المنطقة.
ويذكر المصدر أنّ شبكات السرقة في الضاحية تعمل وفق آلية من اثنتين. الأولى هي العصابات المنظّمة ورصد 6 منها تعمل بشكل ممنهج، واستهدفت في عمليات السرقة مناطق حارة حريك، الصفير، حي ماضي، وكانت نشطة في حرب 2024. والثانية هي عبارة عن أفراد أو مجموعات صغيرة من الأشخاص، سواء من سكان المنطقة أنفسهم، أو ممن كانوا يقصدونها من خارجها، واستفادوا من غياب الأهالي بسبب العدوان الإسرائيلي. كما يمكن تصنيف السرقات التي شهدتها المنطقة إلى عدة أنواع، أبرزها سرقة المنازل والمحالّ، وسرقة محيط الغارات والأبنية المُدمّرة وما تحتويه من معادن ومواد قابلة للبيع، فضلاً عن سرقة الآليات بمختلف أنواعها، سواء الدراجات النارية أو السيارات، إضافة إلى الموجودات داخلها.
قوى الأمن الداخلي: الحرب غيّرت أولويّات العمل الأمني
بسبب العدوان الإسرائيلي، تعرّضت مخافر قوى الأمن الداخلي في الضاحية الجنوبية لبيروت، ولا سيما مخافر المريجة، الغبيري وبرج البراجنة، لأضرار جسيمة، ما استدعى نقل أعمالها مؤقتاً إلى مراكز بديلة في فصيلة الأوزاعي، لـ«ضمان استمرارية الخدمات الأمنية للمواطنين»، يقول مصدر أمني في قوى الأمن الداخلي لـ«الأخبار».
وفي تعليق له على انسحاب قوى الأمن من الضاحية الجنوبية وعدم القيام بالمهام المطلوبة منها، يشدّد على أنّ «العمل الأمني في الضاحية لم يتوقف على الرغم من الأضرار، إذ واصل العناصر أداء مهامهم بصورة طبيعية ومن دون صعوبات تُذكر»، موضحاً أنّ «الأولويات تغيّرت أثناء الحرب، إذ اقتصر العمل الأمني حينها على حماية النازحين وتسهيل حركتهم». أمّا الآن فعادت الأمور إلى مجراها، يقول المصدر، أي ضبط الأمن ومنع أعمال السرقة. وفي ما يتعلق بالإجراءات والمهام الأمنية، يشير إلى أنّها مستمرة بشكل اعتيادي ولكن في المراكز البديلة، من دون أن يعني ذلك عدم وجود عناصر في المخافر المتضرّرة في الضاحية، ويقتصر دورهم على تحويل الأعمال اليومية إلى المراكز البديلة.
أمّا التغيير الذي طرأ على عمل القوى الأمنية في الضاحية، فهو نقل الموقوفين إلى مراكز احتجاز خارجها، يقول المصدر الأمني، ريثما تُستكمل أعمال التأهيل، ليُعادوا إلى أماكن احتجازهم الأصلية. والآن تقوم الورش الفنية بإصلاح الأضرار وإعادة ترميم المخافر المتضررة، على أن تعود إلى عملها الطبيعي في أقرب وقت.