محاولات تغيير هوية العدوّ.. لقاء مكي نموذجًا

post-img

هبة علي/جريدة الأخبار

«إيران قتلت من المسلمين والعرب أضعافًا مضاعفة ممن سقطوا في كل حروب العرب مع إسرائيل» (أفيخاي أدرعي، المتحدث باسم «جيش» الاحتلال الإسرائيلي) «إيران متّهمة بجرائم أكبر بكثير مما فعلته إسرائيل في هذه المنطقة خلال ثمانين سنة» ــ (لقاء مكي، باحث أول في «مركز الجزيرة للدراسات») في إحدى المقابلات التي أجراها لقاء مكي قبل قرابة العام، وصَف عملية تغيير هوية العدو بالنسبة إلى الشعوب العربية بـ«الكارثة الكبرى»، وتحدّث عن مساهمة «طوفان الأقصى» نسبيًا في إعادة تذكير الشعوب بالعدو الحقيقي.

أغفل مكي نقطة مهمة، وهي مساهمته، وهو ابن شبكة «الجزيرة»، مع أمثاله، في العملية وخلق عدو جديد للشعوب العربية يتمثّل في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بالتوازي والتآزر مع حملات الدعاية الإسرائيلية. هذا التلاعب بوعي الشعوب لم يحدث بين ليلة وضحاها، بل جاء نتيجة عمل مستمر امتدّ لسنوات من التزييف وقلب الحقائق. لذلك نجد أنه وفي خضم الحملة الأميركية الإسرائيلية على منطقتنا، وبعد أكثر من عامين على أبشع إبادة جماعية عاشها الفلسطينيون في قطاع غزة، يخرج مكي ليقول ببساطة إنّ «ما فعلته إيران في سوريا يتجاوز ما فعلته إسرائيل في فلسطين خلال ثمانين عامًا».

ازداد هذا التلاعب سهولة مع هيمنة الدول الخليجية على وسائل الإعلام التي يتابعها الجمهور العربي، وخصوصًا تلك الممولة قطريًا لأنها أكثر ذكاء في إيصال رسائلها المسمومة. فقطر تستطيع «بالإعلام وحده أن تجعل السردية الإيرانية في مهب الريح» كما أكد مكي في إحدى إطلالاته المباشرة أثناء الحرب الإيرانية-الأميركية. صحيح أن كلام مكي جاء في سياق محدد، لكنه قال الحقيقة. تمتلك قطر قوة ناعمة هائلة تستطيع من خلالها الإطاحة بسرديات وبناء أخرى، من دون أن تحتاج إلى قوة عسكرية. ونجحت هذه الهيمنة في جعل إيران هي العدو بدل الكيان الإسرائيلي.

في السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023 قرر الكيان الإسرائيلي أن يختلق كذبة «قطع رؤوس الأطفال واغتصاب النساء على يد مقاتلي حركة حماس»، ضمن خطة لتبرير ما سيرتكبه من مجازر بعد ذلك. هذه الكذبة تحوّلت سريعًا إلى حقيقة صدّقها وتبنّاها العالم كله تقريبًا.

وبالطريقة نفسها، يخرج الإعلامي والباحث لقاء مكي ليضلل المشاهدين بالقول إن «إيران قتلت مليون إنسان في سوريا، وهجّرت عشرة ملايين خلال عشر سنوات»! هو بهذه العبارة حقق هدفه من التشويه، وهنا مهما حاول الطرف المقابل التدقيق بالرقم المزعوم للضحايا سيبقى الرقم المهول الذي طرحه مسيطرًا على وعي المشاهد وكافيًا لإدانة إيران وتثبيت أنها أسوأ من الكيان الإسرائيلي. فمن يمكن أن يصدق بعد ذلك أنها كذبة؟

يُجيد مكي لعبة الإعلام والدعاية السياسية، فهو لا يقول ذلك بشكل مباشر أن تكره هذا وتحب ذاك، بل يهيئ لك الطريق لتصل إلى النتيجة التي يريدها دون أن تشعر، تمامًا كما تقول نظرية «الحقنة تحت الجلد». يُظهر نفسه موضوعيًا، ينتقي كلماته بهدوء، يتظاهر بإعطاء كل طرف ما له وما عليه، ووسط ذلك يوصل الفكرة التي يريدها والمتلقّي مستسلم أمامه. يصبح بذلك طبيعيًا أن يقول عبارات مثل أن إيران «كانت مهمة جدًا للمشروع الإسرائيلي» وأن «إيران وإسرائيل تعاونتا في مطلع الثورة الإسلامية». إضافة إلى تبريره الخذلان والخضوع العربي -أنظمة وشعوبًا- بقوله إن قيام الثورة الإسلامية ونشوء محور المقاومة أسهما في جعل الشعوب العربية أقل استعدادًا للمقاومة!

لقاء مكي ليس النموذج الأول ولن يكون الأخير في عملية التلاعب بوعي الشعوب العربية. إنها حرب مستمرة لا تُخاض فقط بالجيوش بل قد يكون الإعلام هو سلاحها الأخطر.

 

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد