انتقل الجدل حول اتفاق الإطار الذي وقّعته السلطة في واشنطن من سؤال: هل الاتفاق دستوري؟ إلى سؤال أكثر إلحاحًا وخطورة: من سينفّذه على الأرض؟ وما الذي يرتّبه القانون على هذا التنفيذ؟ فالوثيقة لا تطبّق نفسها؛ إذ يوقّعها دبلوماسي، ويترجمها موظف إلى قرارات إدارية، وتنفّذها أجهزة الدولة بأوامر تصدر إلى موظفين وضباط وعسكريين. وهؤلاء، لا الموقّعون السياسيون وحدهم، قد يجدون أنفسهم في مواجهة سؤال المسؤولية القانونية. والمقصود هنا واضح: تنبيه كل موظف إلى أن الأمر الذي قد يظنّه حصانة يمكن، إذا كانت مخالفته للقانون ظاهرة، أن يتحوّل إلى الدليل الذي يرتّب مسؤوليته، لا إلى سبب لإعفائه منها.
من عيب الإبرام إلى سؤال الانعدام
لم يسلك اتفاق الإطار المسار الذي رسمه الدستور. فالمادة 52 تُنيط برئيس الجمهورية التفاوض وإبرام المعاهدات بالاتفاق مع رئيس الحكومة، وبعد موافقة مجلس الوزراء، وتوجب إطلاع مجلس النواب متى سمحت مصلحة البلاد وسلامة الدولة، كما تشترط موافقته على المعاهدات ذات الطابع المالي أو التجاري أو تلك التي لا يجوز فسخها سنة فسنة. أمّا المادة 65، فتجعل قضايا الحرب والسلم من المواضيع الأساسية التي لا تُحسم إلا بأكثرية موصوفة داخل مجلس الوزراء. وبما أن اتفاق الإطار يمسّ الحرب والسلم، وسلامة الأراضي اللبنانية، ويعيد تنظيم العلاقة مع العدو، فلا يمكن التعامل معه بوصفه مجرّد ورقة تنفيذية أو تفاهم إداري عابر.
صلاحية رئيس الجمهورية في هذا المجال ليست سلطة مُطلقة يبرم بها ما يشاء، بل اختصاص دستوري مُقيّد بإجراءاته وغاياته. وهو، بموجب المادتين 49 و50، يقسم على احترام الدستور والمحافظة على استقلال الوطن وسلامة أراضيه. لذلك، فإن أي خروج على هذا المسار لا يُعدّ ممارسة مشروعة للاختصاص، بل تجاوزًا له. والأهم أن أي موافقة لاحقة لا تكفي لإضفاء الشرعية على إطار يتعارض مضمونه مع مقدّمة الدستور وثوابته، ومع مبدأي السيادة والعيش المشترك وحق الدفاع عن الأرض.
يجد هذا الخلل صداه في القانون الإداري. فقد عرّف القضاء الإداري، ولا سيما الفرنسي، مفهومَي «اغتصاب السلطة»، أي صدور عمل من جهة لا تملك أصلًا سلطة إتيانه، و«القرار المنعدم»، أي القرار الذي يبلغ عيبه من الجسامة، ما يجعله كأنه لم يوجد قانونًا. وفي مثل هذه الحالات، لا نكون أمام عيب عادي في القرار، بل أمام حالة تقارب انعدام وجوده القانوني، لأن العيب لا يصيب المشروعية فحسب، بل يمسّ أصل الوجود القانوني للفعل.
من هنا تنقلب طبيعة التنفيذ نفسه. فما يُسمّى «تطبيقًا» لاتفاق الإطار، من توقيف أو مصادرة أو منع عودة أو تفتيش أو تضييق على الأهالي تنفيذًا لترتيبات أمنية يحدّدها العدو أو يربطها بشروطه، لا يمكن أن يستمد مشروعيته من وثيقة لم تستكمل شرعيتها الدستورية، بل يُطعن في أصل قابليتها للإبرام. وعندما يقال إن الإجراء جاء «تنفيذًا لاتفاق»، يبقى السؤال الجوهري: أيّ اتفاق؟ إذ لا يكتسب التنفيذ شرعية من الفراغ، إذا كان الأصل محلّ طعن في وجوده أو مشروعيته.
طوّر القضاء الإداري، منذ اجتهادات محكمة التنازع الفرنسية، نظرية «الاعتداء المادي»، التي تقوم عندما تمسّ الإدارة، من دون سند قانوني كافٍ، حرية أساسية أو حقًا في الملكية مساسًا جسيمًا. عندئذٍ يخرج الفعل من نطاق القرار الإداري العادي إلى دائرة الاعتداء، ويغدو القضاء العادي، بوصفه حارس الحريات، مختصًا بوقفه والتعويض عنه. والمقصود ليس الجزم بعدم مشروعية كل إجراء، بل التذكير بأن الصفة الإدارية وحدها لا تحجب الرقابة القضائية ولا تعفي من المسؤولية الشخصية متى انطوى الفعل على اعتداء على حرية أو ملكية أو حق أساسي.
حدود الطاعة
هنا يُثار الاعتراض المتوقّع: الموظف مأمور، والطاعة واجبه. غير أن واجب الطاعة في الدولة الحديثة ليس مُطلقًا، ولم يعد المرؤوس مجرّد يدٍ تنفّذ بلا شخصية قانونية. فقد استقر الفقه والتشريعات المقارنة على قاعدة واضحة: إذا كان الأمر غير مشروع بصورة ظاهرة، أي تبدو مخالفته واضحة للعيان، وكان من شأن تنفيذه إلحاق ضرر جسيم بمصلحة عامة أو بحق أساسي، وجب على المرؤوس الامتناع عن تنفيذه بعد تنبيه رئيسه. فالأمر غير المشروع لا يكتسب المشروعية لمجرّد مروره عبر التسلسل الإداري، لأن الطاعة شُرعت لضمان حسن سير المرفق العام، لا لتعطيل مبدأ المشروعية الذي تقوم عليه الدولة.
هذا ليس مبدًا نظريًا. فالقانون اللبناني نفسه يعرف مبدأ تدرّج القواعد القانونية الذي تلتزم المحاكم باحترامه. فإذا كان الدستور يسمو على القانون، والقانون يسمو على القرارات الإدارية، فلا يمكن لتعليمات تنفيذية أو أوامر إدارية أن تتقدّم على الدستور أو تمسّ الحقوق الأساسية أو القواعد الآمرة في القانون الدولي. لذلك، لا يملك الموظف أن يحتجّ بالأدنى لتعطيل الأعلى، ولا بالأمر الإداري لتعليق أحكام الدستور.
لا يقف الموظف على الحياد بحجة أنه لم يصنع السياسة العامة. فمن يسهّل تنفيذ إجراء تبدو مخالفته للدستور أو للحقوق الأساسية ظاهرة قد يدخل، بحسب طبيعة الفعل، في دائرة المشاركة أو الإعانة على عمل غير مشروع، لا في موقع المنفّذ البريء. ولا تجدي هنا حجة «أعمال السيادة» على إطلاقها. فقد يُقال إن توقيع الاتفاقات أو إدارة العلاقات الخارجية من الأعمال السياسية التي تضيق رقابة القضاء عليها. وحتى لو سُلّم بذلك بالنسبة إلى فعل التوقيع نفسه، فإن إجراءات التنفيذ على الأرض - من توقيف ومصادرة ومنع وتفتيش وتضييق - تبقى أعمالًا إدارية أو مادية مستقلة عن الفعل الدبلوماسي، وتخضع لرقابة القضاء. فلا «سيادة» تغطّي اعتداءً ماديًا على مواطن في بيته، ولا «سياسة خارجية» ترفع يد القضاء عن حرية فرد أو ملكية أو حق عودة.
ثمن المخالفة
هنا تكمن الخلاصة التي تعني كل موظف، عسكريًا كان أو دبلوماسيًا أو إداريًا. فالجندي الذي أقسم على الدفاع عن الأرض لم يقسم على تقييد أهلها لمصلحة من يحتلّها، والدبلوماسي مؤتمن على إرادة دولته لا على نقضها، والموظف مُلزم بالقانون قبل التعليمات. لذلك، فإن تنفيذ أمر غير مشروع لا يمنحه حصانة ولا يعفيه من المسؤولية.
لا يصحّ دائمًا الاحتجاج بأن عدم المشروعية كان خافيًا على المُنفِّذ. فالأمر الذي يصطدم بصريح الدستور، أو بمبدأ السيادة، أو بالحقوق الأساسية، ليس مجرّد مخالفة تقنية دقيقة يُلتمس فيها العذر. ومن يُطِعْ أمرًا بيّنَ المخالفة فقد يتحمّل تبعته، ولا يحول أمر رئيسه دون مُساءلته متى توافرت عناصر المسؤولية، التي قد تكون تأديبية أو مدنية، وقد تبلغ الجزائية إذا ارتقى الفعل إلى جريمة.
في الحالات الأشد، ولا سيما حين يرتقي التنفيذ إلى جريمة جسيمة أو انتهاك خطير، لا تنفع حجة تنفيذ أوامر الرؤساء. فهذا ما كرّسته مبادئ نورمبرغ، التي قرّرت أن تلقّي الأمر من سلطة أعلى لا يعفي من المسؤولية متى كان أمام المُنفِّذ إدراك خيار أخلاقي وقانوني في عدم الامتثال.
يزداد الأمر وضوحًا أمام فرضية المصادقة اللاحقة. فماذا لو «أقرّت» الحكومة الاتفاق بعد أن تكون الأجهزة قد باشرت تنفيذه؟ المصادقة لا تطهّر، بأثر رجعي، أفعالًا ارتُكبت بلا سند كافٍ، ولا تحوّل مضمونًا مخالفًا للدستور إلى مضمون مشروع. قد تنشئ واقعًا سياسيًا جديدًا، لكنها لا تمحو الاعتداءات السابقة، ولا تمنح حصانة لمن نفّذ، وقت التنفيذ، أمرًا كانت مخالفته ظاهرة وجسيمة.
من حقّ الطعن إلى واجب الامتناع
لأن مبدأ المشروعية أسمى من أن يُترك لاستنساب الإدارة، لم يكتفِ الفقه الإداري بإجازة الطعن في العمل غير المشروع، بل ذهب إلى وجوب إزالته وعدم الاستمرار في تطبيقه. وفي هذا السياق، بيّن الفقيه عصام نعمة إسماعيل، في دراسته «الإلغاء الإجباري للأنظمة الإدارية غير المشروعة»، أن النظام الإداري المُخالِف للقانون لا يكفي أن يكون قابلًا للطعن، بل يجب عدم الإبقاء عليه أو الاستناد إليه. وإذا كان هذا حكم نظام إداري معيب، فكيف بوثيقة تمس الدستور والسيادة والحقوق الأساسية، ويُباشر تنفيذها قبل اكتمال شرعيتها الدستورية؟
لذلك، فإن الامتناع عن تنفيذ أمر ظاهر المخالفة ليس تمرّدًا على الدولة، بل هو صونٌ لمشروعيتها. فالدولة ليست مجرّد سلسلة أوامر، بل نظام مشروعية. والموظّف ليس آلة تنفيذ، بل صاحب صفة ومسؤولية وحدود. فإذا تحوّلت التعليمات إلى وسيلة لإضفاء المشروعية على عمل باطل، فلا تعود الطاعة فضيلة إدارية، بل مساهمة في تقويض الأساس الذي تستند إليه الإدارة نفسها.
هنا يقف الموظّف أمام خيار واضح: أن يرى في الأمر غطاءً، أو أن يرى فيه فخًا. فالقانون لا يعترف بذريعة «التعليمات» متى كانت المخالفة ظاهرة وكان الضرر جسيمًا، بل يرتّب المسؤولية على من ينفّذها. ومن يمتنع عن تنفيذ أمر بيّن البطلان لا يخرج على الدولة، بل يصونها حين يراد اختزالها في تعليمات.