سعيد محمد/جريدة الأخبار
يقدم كتاب «العنف الرمزي» لمايكل بوراووي قراءة ماركسية نقدية لسوسيولوجيا بيار بورديو، يفكك من خلالها ترسانته المفاهيمية ويختبر تناقضاتها النظرية، معيدًا الاعتبار إلى فاعلية الجماهير والصراع الاجتماعي في صناعة التغيير
يحتل بيار بورديو مكانة مرموقة في المشهد الثقافي المعاصر، وتحظى مفاهيمه بحضور واسع في الأوساط الأكاديمية والثقافية العربية. غير أنّ تداول بعض هذه المفاهيم يتحول أحيانًا إلى استعمال وصفي يفصلها عن سياقها النظري والنقدي، فتغدو «الرأسمال الثقافي» و«الحقل» و«الهابيتوس» مفردات جاهزة أكثر منها أدوات لتفكيك علاقات السلطة والهيمنة.
من هنا تأتي أهمية كتاب «العنف الرمزي: حوارات مع بيار بورديو» للباحث الماركسي مايكل بوراووي، الصادر بالإنكليزية عام 2019، وقد نقله حديثًا إلى العربية (دار نينوى - 2026) الأكاديمي والباحث هشام روحانا. أظهر روحانا قدرة لافتة على التعامل مع الجمل البورديوية المركبة والمصطلحات السوسيولوجية والماركسية الدقيقة، مقدمًا نصًا عربيًا يحاول الحفاظ على تعقيد الأصل من دون السقوط في أسر النقل الحرفي، ويتيح للقارئ العربي الاشتباك مع سجال فكري نادر يجمع بين التقدير العميق لبورديو والنقد الجذري لحدود مشروعه.
ينطلق بوراووي في مشروعه النقدي من مسيرة طويلة في البحث الميداني والنشاط الأكاديمي. فقد كان أستاذًا لعلم الاجتماع في جامعة كاليفورنيا، بيركلي، ورئيسًا سابقًا للجمعية الدولية لعلم الاجتماع، وأحد أبرز منظّري «علم الاجتماع العمومي»، ذلك المشروع الذي سعى إلى وصل المعرفة السوسيولوجية بالقضايا الحيوية للمجتمع وإقامة علاقة حوارية بين عالم الاجتماع والجمهور خارج أسوار الجامعة.
من هذه المنطلقات، يتجه بوراووي إلى تفكيك بنية الفكر البورديوي، من دون إنكار ضخامة إسهاماته في تعرية آليات التمييز الثقافي وفضح الدور الذي تؤديه المؤسسات، وفي مقدمتها المؤسسة التعليمية، في إعادة إنتاج الفوارق الطبقية. لكن بوراووي يرفض التوقف عند حدود هذا التشخيص، ويتجه إلى مساءلة النزعة المتشائمة في سوسيولوجيا بورديو، وخصوصًا ضعف المساحة التي تتركها لفاعلية الجماعات الخاضعة وقدرتها على مقاومة العالم الاجتماعي الذي شكّلها.
«الهابيتوس»: لماذا تستمر الهيمنة؟
يتمحور هذا الخلاف حول مفهوم الهابيتوس، أي منظومة الاستعدادات والنزعات المكتسبة تاريخيًا المترسخة في اللاوعي، والتي توجه الممارسات التلقائية للأفراد وتجعلهم يعيدون إنتاج البنى الاجتماعية وعلاقات الهيمنة التي أنتجتهم في الأصل. ومع ذلك، يرى بوراووي أنّ الاستخدام البورديوي لهذا المفهوم يميل في كثير من الأحيان إلى تفسير استمرارية النظام الاجتماعي بصورة أقوى من تفسير لحظات انكساره، بحيث تبدو الهيمنة أكثر قدرة على إعادة إنتاج نفسها من قدرة الخاضعين لها على مقاومتها.
تتجسد ذروة الاشتباك المفاهيمي في معالجة الكتاب لظاهرة العنف الرمزي، تلك القوة غير المرئية التي تجعل علاقات الهيمنة تبدو طبيعية ومشروعة حتى في أعين من يخضعون لها. لا يجري الأمر عبر تواطؤ واعٍ بين المهيمن والمهيمن عليه، بل عبر استبطان مقولات الإدراك التي يصوغها النظام الاجتماعي نفسه، بحيث يشارك الخاضعون للهيمنة، على نحو عملي وغير واعٍ، في إعادة إنتاج عالم يعمل ضد مصالحهم.
المدرسة بين إعادة الإنتاج والتحرر
يستعرض بوراووي تطبيق بورديو لهذا المفهوم على جهاز التعليم، حيث تظهر المدرسة بوصفها مؤسسة تعيد إنتاج اللامساواة الاجتماعية والثقافية تحت مظلة الجدارة والاستحقاق الأكاديمي. وهنا يستدعي بوراووي المربي والمناضل البرازيلي باولو فريري، ليقيم مواجهة بين تصورين للتعليم: تصور يركز على قدرة المدرسة على إعادة إنتاج علاقات الهيمنة، وآخر ينظر إلى التعليم نفسه بوصفه مجالًا ممكنًا لتكوين الوعي النقدي وتحرير المقهورين من خلال الحوار والممارسة.
لا ينكر بورديو إمكان التغيير بصورة مطلقة، لكنه لا يمنح المساحة التعليمية المتنازع عليها المكان النظري الذي يمنحها إياه فريري باعتبارها موقعًا لإنتاج المقاومة. ولذلك، يرى بوراووي أن سوسيولوجيا بورديو أكثر قدرة على تفسير سبب إعادة أبناء الطبقات الخاضعة إنتاج مواقعهم الاجتماعية من قدرتها على تفسير كيف يمكنهم تحدي الثقافة المهيمنة وتغيير قواعد اللعبة نفسها.
يؤسس بوراووي منهجيته السجالية على مبدأ الحوار الجدلي، فيضع بورديو في مواجهة عدد من كبار مفكري التقليد النقدي، من ماركس وأنطونيو غرامشي إلى فريري وفانون ودو بوفوار وسي رايت ميلز. ولا تتمثل غايته في إلغاء بورديو، بل في إظهار ما يمكن أن يكشفه وضع نظريته في مواجهة تقاليد تمنح المقاومة والصراع والفاعلية التاريخية مكانة أكثر مركزية.
غرامشي: حين لا تكون الهيمنة كاملة
يتجلى ذلك بوضوح في المقارنة بين مفهوم العنف الرمزي عند بورديو ومفهوم الهيمنة عند غرامشي. فالهيمنة عند غرامشي لا تعني نجاح الطبقة المسيطرة في استعمار وعي المحكومين بالكامل، إذ يحتفظ الحس الشعبي بما سماه غرامشي عناصر من «الحس السليم» يمكن تطويرها وتحويلها إلى وعي نقدي، وصولًا إلى بناء كتلة تاريخية بديلة وظهور مثقفين عضويين مرتبطين بحياة الطبقات الشعبية ونضالاتها.
أما بورديو فيشدد أكثر على مقدار ما تحمله الممارسات اليومية والحس العملي للطبقات الخاضعة من تصنيفات النظام الاجتماعي ذاته. وهنا يرى بوراووي أن غرامشي يتيح تصورًا أكثر انفتاحًا لإمكان تحول الوعي الشعبي من حامل لعناصر الهيمنة إلى منطلق للمقاومة.
من يملك المعرفة: المثقف أم الجمهور؟
يطرح هذا الاختلاف أيضًا سؤالًا عن موقع المثقف. ففي التقليد الغرامشي، يمكن للمثقف العضوي أن يدخل في علاقة تعلم متبادل مع الجماعات التي ينتمي إليها أو يرتبط بها، بينما تمنح سوسيولوجيا بورديو لعالم الاجتماع موقعًا معرفيًا متميزًا بوصفه القادر، بفضل أدوات العلم والانعكاسية، على كشف الآليات التي يعجز الفاعلون أنفسهم عن رؤيتها.
هنا يلمح بوراووي إلى مفارقة أساسية: كيف يمكن لسوسيولوجيا تريد فضح أشكال الهيمنة أن تتحرّر من خطر إقامة نوع جديد من التفوق المعرفي بين عالم الاجتماع والجمهور الذي يتحدث باسمه؟
تتبلور هذه المفارقة بصورة أشد في التناقض الذي يرصد بوراووي بعض ملامحه بين نظرية بورديو وممارسته السياسية. ففي الوقت الذي تبدو فيه نظريته شديدة التشديد على قدرة البنى الاجتماعية على تشكيل الفاعلين وإعادة إنتاج ذاتها، انخرط بورديو، ولا سيما في العقود الأخيرة من حياته، بصورة متزايدة في الدفاع عن الحركات الاجتماعية والعمال والإضرابات ومناهضة السياسات النيوليبرالية التي كانت تهدد دولة الرفاه والمكتسبات الاجتماعية.
يقرأ بوراووي هذا الانخراط بوصفه دليلًا على توتر حقيقي داخل المشروع البورديوي نفسه: فبورديو المناضل السياسي بدا أحيانًا أكثر ثقة بقدرة الجماعات على المقاومة مما تسمح به بعض الصياغات النظرية لبورديو السوسيولوجي.
من هنا يطرح بوراووي سؤالًا جوهريًا: هل تملك نظرية بورديو تفسيرًا متكاملًا للانتقال من الخضوع إلى المقاومة، ومن إعادة إنتاج النظام إلى تغييره؟ بالنسبة إلى بوراووي، تظل الماركسية، وخصوصًا في صيغها غير الاختزالية التي يمثلها غرامشي، أقدر على وصل تحليل بنى الهيمنة بفهم الفاعلية الجماعية والصراع الاجتماعي وإمكان التحول التاريخي.
دو بوفوار: الهيمنة الذكورية وإمكان التمرد
يواصل بوراووي سجاله عبر استحضار سيمون دو بوفوار ومساءلة موقعها الغائب أو المهمّش في معالجة بورديو للهيمنة الذكورية. فقد قدّمت دو بوفوار، قبل عقود من كتابات بورديو حول الموضوع، تحليلًا تأسيسيًا للكيفية التي تتحول بها المرأة إلى «آخر» داخل النظام الأبوي، وللطريقة التي يمكن أن تستبطن بها علاقات التبعية وتبدو لها كأنها طبيعية. يرى بوراووي أنّ بورديو لم يمنح هذا الإرث الفلسفي والنسوي ما يستحقه من اعتراف، بل يعيد في بعض الأحيان صياغة أسئلة سبق أن طرحتها دو بوفوار ضمن لغة سوسيولوجية مختلفة.
تكتسب هذه المقارنة أهميتها من اختلاف الأفق السياسي بينهما أيضًا. في الوقت الذي يشدد فيه بورديو على مدى تجذر الهيمنة الذكورية في الأجساد والتصنيفات والممارسات اليومية، تحتفظ دو بوفوار بمساحة أوسع لإمكان الوعي والتمرد وتجاوز الوضع الذي فُرض على المرأة تاريخيًا.
يشير بوراووي من خلال هذه المقارنة إلى مفارقة أخرى: قد يتحول الحقل الأكاديمي الذي يسعى إلى كشف العنف الرمزي نفسه إلى مجال لممارسته، حين تُطمس الأنساب الفكرية أو تُهمش الأصوات السابقة التي مهّدت الطريق لأفكار يقدمها اللاحقون بصياغات جديدة.
سي رايت ميلز: لمن يكتب عالم الاجتماع؟
يمتد خيط السجال إلى عالم الاجتماع الأمريكي سي رايت ميلز. يتشارك ميلز وبورديو في نقد المؤسسات الأكاديمية المنغلقة وفي التشديد على المسؤولية العامة لعالم الاجتماع، لكنهما يفترقان في تصورهما لعلاقة المعرفة بالجمهور.
كتب ميلز بلغة تسعى إلى تجاوز الحدود الضيقة للأكاديمية والوصول إلى جمهور أوسع، بينما تبدو لغة بورديو في كثير من أعماله شديدة التركيب، تعتمد جهازًا مفاهيميًا كثيفًا قد يجعل الوصول إليها عسيرًا على غير المتخصصين.
هنا يصبح أسلوب الكتابة نفسه جزءًا من السؤال السياسي الذي يطرحه بوراووي: كيف يمكن لعلم اجتماع يريد فضح الامتيازات والتراتبيات المعرفية أن يتواصل مع الجمهور إذا ظل خطابه محصورًا داخل لغة لا يستطيع فك شيفرتها سوى أصحاب الرأسمال الأكاديمي ذاته؟
لا يدعو هذا النقد إلى التخلي عن التعقيد النظري، بل إلى مساءلة الشكل الذي تُنتج وتُنقل به المعرفة، وإلى بناء علم اجتماع قادر على الدخول في حوار مع الجمهور بدلًا من الاكتفاء بالحديث عنه.
فانون وبورديو: الجزائر واختبار الثورة
كان فانون معنيًا قبل أي شيء بالسؤال عن كيفية تحطيم البنية الاستعمارية واستعادة المستعمَرين لقدرتهم على الفعل والتاريخ. ومنح في كتاباته الفلاحين والفئات المهمشة، التي لم يكن الماركسيون التقليديون يرون فيها دائمًا القوة الثورية الأساسية، دورًا مركزيًا في عملية التحرر الوطني. كما رأى في العنف الاستعماري بنية لا يمكن فهم العنف المضاد للمستعمَرين خارجها.
أما بورديو، فقد تناول المجتمع الجزائري بوصفه عالمًا تعرّض لصدمة عميقة بفعل الاحتلال واقتلاع السكان وتدمير أنماط عيشهم التقليدية وإدخالهم قسرًا في علاقات اقتصادية واجتماعية جديدة.
يرى بوراووي أنّ الفارق الأساسي يكمن في الأفق السياسي للتحليل: فبينما يكتب فانون من داخل مشروع ثوري تحرري يبحث عن القوى الاجتماعية القادرة على تقويض النظام الاستعماري، ينصب اهتمام بورديو بصورة أكبر على تحليل التحولات الاجتماعية والتفكك والاقتلاع وآليات إعادة تشكيل الممارسات.
يقرأ بوراووي هذا الاختلاف بوصفه علامة على محدودية سوسيولوجيا بورديو في استيعاب الفعل الثوري. إلا أنّ هذه القراءة لا تخلو من الجدل؛ إذ تكشف دراسات كثيرة في أعمال بورديو الجزائرية عن عداء واضح للاستعمار واهتمام عميق بالعنف الاقتصادي والاجتماعي الذي مارسه، بما يجعل المسافة بينه وبين فانون أكثر تعقيدًا من مواجهة بسيطة بين ثائر وإصلاحي.
هذه واحدة من مزايا كتاب بوراووي الأساسية: هو لا يسمح للقارئ بأن يستريح داخل سلطة اسم بورديو، بل يدفعه باستمرار إلى اختبار مفاهيمه أمام تقاليد فكرية مختلفة ومعايير سياسية أكثر تشددًا في سؤال المقاومة والتحرر.
السؤال الذي يبقى: من أين تأتي المقاومة؟
مع ذلك، لا يتمثل مشروع بوراووي في إسقاط بورديو أو إعلان بطلان سوسيولوجياه. فو يعترف على امتداد سجالاته بالقوة الاستثنائية للأدوات التي صاغها بورديو لفهم إعادة إنتاج الطبقات والامتيازات، والعلاقة بين الثقافة والسلطة، والبنية الخفية للحقول الاجتماعية.
لكن هذه القوة نفسها تفتح باب الاعتراض: كلما ازدادت قدرة نظرية ما على تفسير كيفية إعادة إنتاج الهيمنة، ازدادت حاجتها إلى تفسير اللحظة التي يتوقف فيها الناس عن إعادة إنتاجها.
من هنا يستعيد بوراووي الإرث الماركسي والغرامشي لا بوصفه بديلًا ميكانيكيًا من بورديو، بل بوصفه مصدرًا لسؤال ظل ضعيف الحضور في السوسيولوجيا البورديوية: من أين تأتي المقاومة؟ كيف يتحوّل المحكومون من حاملي تصنيفات النظام إلى منتجين لرؤية أخرى للعالم؟ وكيف يصبح الحس العملي وعيًا سياسيًا؟ وكيف تتحول جماعات مشتتة إلى قوة اجتماعية قادرة على تعديل قواعد الحقل، أو حتى كسر الحقل ذاته؟
تشكل ترجمة هشام روحانا لهذا الكتاب إضافة مهمة إلى المكتبة العربية لأنها تتيح للقارئ الدخول إلى بورديو من باب غير مألوف: لا بوصفه مرجعًا ينبغي استهلاك مصطلحاته أو ترديدها، ولا خصمًا ينبغي التخلص منه، بل مفكرًا كبيرًا لا تظهر قيمة مشروعه كاملة إلا حين يوضع تحت ضغط النقد.
لقد نجح بوراووي في زحزحة بورديو عن موقع المرجع الذي يُستشهد به إلى موقع المفكر الذي ينبغي مساءلته، فأعاد طرح أسئلة الفاعلية والوعي والصراع الطبقي والمقاومة في قلب سوسيولوجيا الهيمنة.
هنا تكمن قيمة الكتاب الأكثر راهنية: هو يدعو إلى علم اجتماع يحتفظ بأدوات بورديو الدقيقة في تشريح السلطة الرمزية، لكنه لا يقبل أن تتحول قدرة الهيمنة على إعادة إنتاج نفسها إلى قدر تاريخي مغلق. علم اجتماع يرى في البنى الاجتماعية قوةً حقيقية، من دون أن يحوّلها إلى سجن أبدي، وفي «الهابيتوس» تاريخًا متجسدًا، من دون أن يجعله مصيرًا، وفي الجماهير ذواتًا صنعتها علاقات الهيمنة، لكنها قادرة أيضًا، تحت شروط تاريخية وسياسية معينة، على مقاومتها وإعادة صناعة العالم.