حين ينفد الوقت.. في الحسابات الأميركية !

post-img

معتز منصور/ كاتب وباحث سياسي

حين يهبط الاحتياطي النفطي الاستراتيجي الأمريكي إلى ما دون 300 مليون برميل، قد يبدو الأمر للوهلة الأولى مجرد رقم آخر في نشرات الطاقة. لكن الأرقام الكبيرة تخفي، أحيانًا، قصصًا أكثر أهمية مما تقوله. إذ إن البرميل الذي يخرج، اليوم، من الكهف ليس مجرد برميل نفط، هو جزء من هامش أمان كان يفترض أن يبقى محفوظًا إلى يوم أشد قسوة.

في 7 أغسطس/آب الجاري، هبط الاحتياطي النفطي الاستراتيجي الأمريكي إلى نحو 298.7 مليون برميل، وهو أدنى مستوى منذ عقود، بعد واحدة من أكبر عمليات السحب المنسقة في تاريخ وكالة الطاقة الدولية. لقد أطلقت الدول الأعضاء 400 مليون برميل لمواجهة اضطرابات الإمدادات، كانت حصة الولايات المتحدة منها 172 مليون برميل.

لكنّ الرقم وحده لا يروي القصة

الولايات المتحدة لا تقف أمام خزانات فارغة، ولا تعاني نقصًا تقليديًا في النفط؛ حيث لديها إنتاجها وأسواقها وقدرتها على الشراء. المشكلة تقع في المسافة بين النفط الموجود تحت الأرض وبين اللحظة التي تحتاج فيها الدولة إليه، الآن، لا بعد أن تنتهي الأزمة.

كشف تقرير مكتب المحاسبة الحكومي الأمريكي أن قدرة السحب الفعلية من الاحتياطي لا تتجاوز نحو 61% من القدرة التصميمية، في حين لا تتجاوز قدرة إعادة التعبئة 56%. كما أن جزءًا من المخزون كان غير متاح للسحب بسبب أعمال البناء ومشكلات مرتبطة ببعض الكهوف والبنية التحتية.

يتغير معنى كلمة «احتياطي» عندما تصبح القدرة على الوصول إلى النفط جزءًا من المعادلة. إذ إن الاحتياطي الحقيقي ليس عدد البراميل المسجلة في السجلات، إنما في عدد البراميل التي تستطيع الدولة الوصول إليها عندما يضيق الوقت، والسرعة التي تستطيع بها إخراجها، ثم قدرتها على إعادة ما استهلكته قبل أن تأتي أزمة أخرى.

مضيق هرمز لا يمثل طريقًا بحريًا للناقلات فقط؛ ففي اضطرابه يستطيع أن يدفع دولًا كاملة إلى استهلاك جزء من هامش أمانها. لقد أظهرت الأزمة الحالية هذا، بوضوح، عندما لجأت وكالة الطاقة الدولية إلى أكبر عملية سحب جماعية في تاريخها لمواجهة اضطرابات الإمدادات.

تدخل الحرب، عند هذه النقطة، إلى منطقة أقل ظهورًا من الصواريخ والطائرات، وهي منطقة الزمن. إذ إن الطرف الذي يستطيع إبقاء أزمة الطاقة مفتوحة، لا يحتاج بالضرورة إلى تدمير منشآت خصمه كلها. يكفي، أحيانًا، أن يجبره على استهلاك احتياطياته أسرع مما يستطيع تعويضها. مع كل يوم إضافي، لا تُستهلك البراميل وحدها، يُستهلك معها جزء من الوقت الذي كان يفترض أن يبقى متاحًا للمستقبل.

إن واشنطن تستطيع شراء النفط وإنتاجه، لكنها لا تستطيع أن تستعيد بالسرعة نفسها كل ما تخسره من هامش الأمان الاستراتيجي. إن إعادة ملء الاحتياطي ليست عملية شراء بسيطة. هناك كهوف تحتاج إلى صيانة، ومنشآت تحتاج إلى تحديث، وقدرات ضخ وإعادة تعبئة يجب أن تبقى جاهزة للحظة التي لا يمكن فيها الانتظار.

حتى الكهوف الملحية تحمل أثر هذا الاستخدام المتكرر. النفط يخرج منها عبر عملية هندسية تعتمد على ضخ المياه لإزاحته، وكل دورة تغيّر شكل الكهف وتفرض متطلبات جديدة على المراقبة والصيانة. لقد خلصت تقييمات هندسية إلى أن معظم الكهوف ظلت في حالٍ جيدة جدًا بعد عمليات السحب السابقة، لكن ذلك لا يلغي حقيقة أن المنظومة ليست بلا حدود.

يصبح الرقم 298.7 مليونًا أكثر من مجرد مستوى تاريخي منخفض. هو تذكير بأن الدولة التي اعتادت امتلاك احتياطيات ضخمة تحسب، اليوم، أيضًا كم تحتاج من الوقت إلى إعادة بناء ما استهلكته. لهذا؛ السؤال لا يتعلق بالأزمة التي نعيشها فقط، أيضًا بالأزمة التي قد تأتي قبل أن تكتمل عملية إعادة البناء.

في الحروب الطويلة، لا تُستهلك البراميل وحدها. يُستهلك معها شيء أقل ظهورًا في الجداول، هو الوقت الذي كان يفترض أن يبقى احتياطًا، والقدرة على تأجيل القرار الأصعب إلى الغد.

إن القوة ليست فقط في امتلاك حاملات الطائرات والصواريخ والمقاتلات، أيضًا في القدرة على تحمل كلفة استخدامها، وفي امتلاك ما يكفي من الموارد كي لا يتحول الزمن نفسه إلى خصم.

لذلك؛ السؤال الحقيقي ليس: كم برميلًا بقي في الاحتياطي الأمريكي؟ السؤال هو: كم برميلًا تستطيع واشنطن استخدامه الآن، وكم تحتاج من الوقت كي تعيد بناء ما استهلكته، وماذا يحدث إذا جاءت الأزمة التالية قبل أن تستعيد ذلك الهامش؟

عندها يصبح مضيق هرمز أكثر من مضيق، يصبح اختبارًا للزمن الاستراتيجي.. وقد لا يكون أخطر ما في الرقم 298.7 مليونًا أنه منخفض، إنما لكشفه أن جزءًا من المستقبل الذي كان يفترض أن يبقى محفوظًا للطوارئ، قد استُهلك بالفعل.

في النهاية، لا تختبر الحروب مخزون الدول من السلاح والنفط وحسب؛ هي تختبر قدرتها على أن تقول لشعوبها إن لديها ما يكفي لعبور الغد. كلما طال النزاع، يصبح الغد أكثر كلفة، ويصبح البرميل الذي يُسحب اليوم برميلًا؛ كان يمكن أن يكون ضروريًا في يوم لمّا يأت بعد..!

المصادر

(١) تقرير مكتب المحاسبة الحكومي الأمريكي GAO

https://www.gao.gov/assets/gao-26-106918.pdf?utm_source=chatgpt.com

(٢) وزارة الطاقة الأمريكية، إطلاق 172 مليون برميل من الاحتياطي.

https://www.energy.gov/articles/united-states-release-172-million-barrels-oil-strategic-petroleum-reserve?utm_source=chatgpt.com

(٣) وكالة الطاقة الدولية، إطلاق الاحتياطيات النفطية المنسق دوليًا.

https://www.iea.org/news/iea-member-countries-to-carry-out-largest-ever-oil-stock-release-amid-market-disruptions-from-middle-east-conflict?utm_source=chatgpt.com

(٤) رويترز، تطورات أسواق النفط والاحتياطي الأمريكي.

https://www.reuters.com/business/energy/?utm_source=chatgpt.com

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد