الفرص الضائعة لبناء القوة الدفاعية اللبنانية‪..‬ من رادار الباروك إلى حادثة العديسة… هل كان بالإمكان أن يكون المشهد مختلفاً؟

post-img

المحامي عمر زين (صحيفة البناء)

ليست قوة الدول في عدد سكانها أو مساحتها، بل في قدرتها على حماية سيادتها وصون قرارها ‏الوطني. ومنذ الاستقلال، سعى لبنان إلى بناء جيش وطني يكون الضامن لوحدة الوطن والمدافع ‏عن حدوده، إلا أنّ مسيرة تطوير هذا الجيش اصطدمت بمحطات عديدة، تداخلت فيها الاعتبارات ‏المالية والسياسية والإقليمية، فضاعت مشاريع كان يمكن أن تشكل نقلة نوعية في منظومة الدفاع ‏الوطني‎.‎

بدأت ملامح هذا الطموح مع السعي إلى إنشاء جيش لبناني حديث بعد الاستقلال، ثم تعززت بعد ‏نكسة عام 1967، عندما أدركت الدول العربية أنّ الحروب المقبلة لن تُحسم بالشجاعة وحدها، ‏بل بالتكنولوجيا ومنظومات الإنذار المبكر والدفاع الجوي‎.‎

في هذا الإطار، أنشأ لبنان رادار الباروك، الذي كان يُعدّ من أكثر محطات الإنذار المبكر تطوراً ‏في المنطقة. وقد أتاح موقعه الجغرافي على قمم جبل الباروك مراقبة مساحات واسعة من ‏الأجواء اللبنانية والبحر المتوسط، ورصد حركة الطيران في محيط لبنان. ولم يكن غريباً أن ‏ينظر إليه الكيان الصهيوني باعتباره جزءاً من منظومة إنذار تحدّ من حرية سلاحه الجوي، ‏فتعرّض للتدمير من جانب هذا الكيان خلال حرب تشرين الأول عام 1973، في محاولة لإزالة ‏إحدى أهمّ وسائل الرصد التي امتلكها لبنان في تلك المرحلة‎.‎
وفي الوقت نفسه، كانت الدولة اللبنانية تبحث في إنشاء شبكة دفاع جوي متكاملة، فطُرحت ‏مشاريع لشراء منظومات ‏”كروتال” ‎الفرنسية و«هوك» الأميركية. وكان الهدف توفير ‏مظلة دفاعية تحمي المنشآت الحيوية وتؤمن للجيش قدرة على مواجهة الاعتداءات الجوية‎.‎

إلا أنّ هذه المشاريع لم تكتمل. فقد واجهت عقبات مالية وإدارية، كما شهدت نقاشات سياسية ‏داخلية حول أولويات الدولة وطبيعة الدور الذي ينبغي أن يؤدّيه الجيش. وتشير بعض الدراسات ‏إلى أنّ الاعتبارات الإقليمية وحرص الدول الكبرى على الحفاظ على توازن القوى في المنطقة ‏عملوا على تعقيد هذه المشاريع، وان يبقى للكيان الصهيوني اليد الضاربة والطولى في منطقة ‏الشرق الأوسط، وانّ لائحة تزويده بالسلاح من الدول الأوروبية وأميركا على مدى السنوات منذ ‏انشائه وحتى تاريخه دليلٌ على ذلك، ومع إصرار هذه الدول بأن يبقى جيشنا شرطياً للدولة ليس ‏إلّا، وهذه هي الحقيقة التاريخية الثابتة.‏

ولم يكن ملف الدفاع الجوي منفصلاً عن مشروع تحديث سلاح الجو. فقد دارت مباحثات حول ‏تزويد لبنان بطائرات ‏‎”‎ميراج” ‎الفرنسية، وهي من أكثر الطائرات تطوراً في ذلك الزمن، إلا أنّ ‏المشروع لم يُستكمل. وبقيَ سلاح الجو اللبناني يعتمد على طائرات تدريب وهجوم خفيف، من ‏دون امتلاك مقاتلات اعتراضية قادرة على حماية المجال الجوي اللبناني، كله بسبب الموقف ‏الأوروبي والأميركي المعارض لكلّ ذلك.‏

ثم جاءت الحرب اللبنانية عام 1975 لتقضي على معظم مشاريع التطوير العسكري، فانشغل ‏الجيش بالحفاظ على وحدته في ظلّ الانقسام الداخلي، وتراجعت خطط التحديث أمام تحديات ‏البقاء‎.‎

لكن الأحداث أثبتت أنّ الحاجة إلى جيش قوي لم تكن ترفاً. ففي الثالث من آب عام 2010، ‏وقعت حادثة العديسة عندما تصدّى الجيش اللبناني لقوة “إسرائيلية” خلال توتر على الحدود ‏الجنوبية. وقد استشهد عدد من العسكريين اللبنانيين والصحافي عساف أبو رحال، وأظهرت ‏المواجهة شجاعة الجيش واستعداده للدفاع عن الأرض والسيادة رغم محدودية الإمكانات‎.‎

لقد أعادت العديسة طرح السؤال نفسه الذي رافق لبنان منذ سبعينيات القرن الماضي: ماذا لو ‏اكتملت منظومة الدفاع الوطني؟ ماذا لو بقيَ رادار الباروك يعمل؟ ماذا لو دخلت منظومات ‏‏«كروتال» أو «هوك» الخدمة؟ ماذا لو امتلك لبنان مقاتلات حديثة قادرة على حماية أجوائه؟

لا يمكن للتاريخ أن يجيب عن هذه الأسئلة على سبيل اليقين، لأنّ موازين القوى في المنطقة ‏كانت معقدة وواضحة في انحيازها للعدو الصهيوني، ولأنّ امتلاك السلاح وحده لا يكفي لتحقيق ‏الردع. لكن من المشروع القول إنّ اكتمال منظومة دفاعية متماسكة كان سيمنح الدولة اللبنانية ‏أدوات أفضل لحماية سيادتها وتعزيز قرارها الوطني‎.‎
إنّ الدرس الأهمّ الذي تقدّمه هذه المحطات التاريخية هو أنّ بناء القوة الدفاعية لا يتم بقرارات ‏متفرقة، بل باستراتيجية وطنية شاملة تجمع بين الإرادة السياسية، والتخطيط العلمي، والتمويل ‏المستدام، والتطوير التقني، والالتفاف الشعبي حول الجيش باعتباره المؤسسة الجامعة لكل ‏اللبنانيين‎.‎

واليوم، فيما لا تزال التحديات الأمنية قائمة، تبقى هذه التجارب دعوة إلى قراءة التاريخ بعين ‏الباحث والمتحيّز للبنان الدولة والشعب، وإلى استخلاص العبر بعيداً عن المبالغات أو الروايات ‏غير الموثقة. فالدول التي تهمل بناء مؤسساتها الدفاعية تجد نفسها، عاجلاً أم آجلاً، أمام تحديات ‏أكبر من قدرتها على المواجهة، بينما الدول التي تستثمر في جيشها تستثمر في سيادتها واستقلالها ‏ومستقبل أجيالها، وبسبب ذلك تبدأ الإملاءات عليها وتبقى سيادتها معرّضة للانتهاك ومن هنا ‏يتطلب توفر ثقافة المقاومة لدى الشعب بكل أنواعها بعيداً عن الاستسلام.‏

ومن هنا ندعو الى توطيد وتمكين الوحدة الوطنية اللبنانية بعيداً عن الإنصات للمشاريع ‏الاستعمارية التي ما زالت قائمة والسعي جارٍ لتحقيقها، وذلك لوضع اليد على الأرض والبحر ‏والجو واستثمار ثرواتنا الطبيعية منعاً من تقدّمنا ونهوضنا، وبذلك كان بالإمكان وما زال لان ‏يكون المشهد مختلفاً مهما تعاظم التسلط…

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد