يتوقع أن يتحوّل تشييع السيد علي الخامنئي من مناسبة عاطفية ووطنية في إيران، إلى مبايعة جديدة من الشعب الإيران للنظام الإسلامي الحاكم.
يرتبط اختيار هذا العنوان بسياق الأحداث التي تتعرض لها إيران منذ أربعة أشهر إلى الآن، فبعد العدوان الأميركي الإسرائيلي عليها، ومقتل الكثير من قياداتها، حصل حوار مع بعض المتابعين للشأن الإيران، وخصل إلى أنّ مؤسسات الدولة في إيران قوية، ولديها القدرة على استيعاب تلك الخسائر وإكمال المعركة، وأنه لا خوف على إيران الجمهورية الإسلامية، عل الرغم من الحصار والعقوبات والحروب الأمنية والسياسية والإعلامية والسيبرانية والناعمة والخشنة، منذ أكثر من أربعين عاماً وإلى الآن.
اليوم -ونحن في أيام تشييع الإمام (علي) الخامنئي- ألفت إلى ركيزة ثانية من ركائز قوة الجمهورية الإسلامية في إيران، وهي القاعدة الشعبية العريضة والصلبة والمستعدة للدفاع عن الدولة ونظامها. ولقد بدأت بكتابة هذا المقال قبل البدء بمراسم التشييع، لأقول إني أتوقع حضوراً شعبياً كبيراً جداً في مراسم التشييع هذا، في مجمل المدن الإيرانية من طهران إلى قم إلى مشهد، بل سوف نشهد حضورا لعشرات الملايين من الإيرانيين في هذه المراسم، ليحمل هذا التشييع واحدة من أهم الرسائل والدلالات إلى الخارج. أنه بعد حرب هجينة، استمرت لما يقرب من نصف قرن، وحصار اقتصادي وعقوبات قاسية، وما ترتب على ذلك من تضخم وارتفاع في الأسعار ومشاكل اقتصادية واجتماعية.
ها هو الشعب الإيراني بخروجه الواسع، ومشاركته الواسعة في التشييع ومراسمه، يعلن فشل كل تلك الحروب وأهدافها، ويعلن سقوط كل تلك المؤامرات التي استهدفت الدولة في إيران ومؤسساتها وقوتها، وخصوصاً أن قوة الدولة في إيران لديها جملة مقومات، مثل مؤسسات النظام، والمدرسة الفكرية وعقيدتها التي يرتكز إليها، والقاعدة الشعبية الواسعة والصلبة الداعمة له.
من هنا فإن المشاركة الكبيرة جداً للشعب الإيراني في مراسم تشييع قائد الثورة في إيران، ستكون بمثابة استفتاء جديد على النظام ومشروعه، وستكون بمثابة بيعة جديدة لهذا النظام وسياساته، بل قد نشهد حضوراً غير مسبوق في التاريخ البشري. رجل قاد شعبه ودولته لعقود من الزمن، وتعرّض -هو شخصياً وقيادة الدولة والنظام- لمستوى كبير من الحرب الإدراكية والتشويه، ثمّ في يوم تشييعه يخرج عشرات الملايين من شعبه لوداعه والتعبير عن الوفاء له ولنهجه؛ فهو ما قد يكو له العديد من الدلالات ذات الصلة.
لقد اعتقد قادة الكيان الإسرائيلي، والمسؤولون في الإدارة الأميركية، أن اغتيال المرشد الإيراني وبقية القادة، سيضعف النظام في ايران بالحد الأدنى، إن لم يسقطه. لكن النتيجة أن هذه الشهادة قد أدت إلى خلاف ذلك تماماً، فقد أفضت إلى إيجاد «تسونامي عاطفي» لصالح النظام، وفضحت مؤامرات الأعداء، فأوجدت تعاطفاً شعبياً مع قيادة الجمهورية الإسلامية، ووسعت من القاعدة الشعبية للنظام، وأسهمت تالياً في زيادة مشروعيته، ومنحته أكثر من قوة في البعد المعنوي، من حيث الإرث التاريخي والديني للشعب الإيراني -بل مختلف شعوب المنطقة- وتحديداً في قضية الشهادة وارتداداتها، والتي لا تكسر النظام والشعب، بل تزيده قوة أكثر، ليس فقط في المشروعية والالتفاف الشعبي، بل أيضاً في الحضور السياسي والثقافي والمعنوي للنظام وقيادته، حيث إن القادة لا يعيشون حياة الترف والانشغال باستحلاب السلطة واستغلال مواردها، بل هم الذين يقاتلون في الصف الأمامي، في مقابل شر الخلائق وأعتى الطغاة، ويُستشهدون وأولادهم دفاعاً عن الوطن والأمة، ولا يتراجعون أمام التهديد بالموت، بل يتخذون من شهادتهم سبباً إلى عزة أمتهم، وكرامة شعبهم.
كما كشفت شهادتهم عن حياة الزهد وبساطة العيش، فقد دلّت على مستوى الإخلاص والإيثار والوفاء والشجاعة والإباء والكرامة... وغيرها من الصفات التي قلّما تنوجد في قيادة بحجم تلك الدولة، وهذا من تجليات فلسفة ولاية الفقيه ونظريتها، التي تحتاج إلى دراستها ومعاينتها بشكل علمي وموضوعي ومجرد -بعيداً عن الهبوط الإعلامي الذي يمارسه بعض الإعلام- من حيث أنها تشكل إحدى اهم دعائم قوة النظام في ظل التحديات الكبرى التي يواجه.