قرابة الثلاثة أعوام، وأعمال التدمير والإبادة الجماعية الإسرائيلية ضد لبنان، من جنوبه إلى ضاحية بيروت الجنوبية والبقاع، لم تتوقف. وقد طالت السكان والنسيج العمراني والبيئة، ولا يزال الاحتلال في منأى عن أي محاسبة. وبهدف حماية حقوق اللبنانيين، أطلق «التجمع الوطني لحماية حقوق الإنسان»، بالتعاون مع «التحالف الدولي لعدم الإفلات من العقاب»، مبادرة «100 دعوى قضائية في 100 يوم»، في مؤتمر عقد يوم الثلاثاء الفائت في بيروت، بمشاركة نواب وحقوقيين وخبراء قانون دوليين ولبنانيين.
تهدف المبادرة إلى إطلاق مسار قانوني لمساعدة ضحايا العدوان الإسرائيلي من اللبنانيين الحاملين جنسيات أجنبية، على رفع دعاوى قضائية أمام المحاكم المختصة في الدول التي يحملون جنسيتها، إلى جانب دراسة إمكان اللجوء إلى المحاكم الدولية.
بدأ اللقاء بعرض وثائقي قصير أعدّه «المجلس الوطني للبحوث العلمية» يوثق آثار الحرب. وتحدثت رئيسة «التحالف الدولي لعدم الإفلات من العقاب» لينا الطبال، ورئيس «الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان» فادي جرجس، والنواب أشرف بيضون، وميشال موسى وإلياس جرادة.
أكد المشاركون أن المبادرة لا تقتصر على إطلاق دعاوى قضائية، بل تهدف إلى توفير إطار قانوني متكامل لدعم ضحايا الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، من خلال إعداد الملفات القانونية، وتوثيق الأدلة، والإفادة من مبدأ الولاية القضائية العالمية، الذي يتيح ملاحقة مرتكبي الجرائم الدولية أمام محاكم دول أخرى، عندما يتعذر تحقيق العدالة داخل الدولة المعنية.
في حديث معنا، أوضح رئيس التجمع الوطني لحماية حقوق الإنسان جاد ملكي أن الاتفاق الذي وقّعته الدولة اللبنانية مع إسرائيل «يمنع الدولة من تقديم شكاوى قانونيًا، لكنه لا يسقط حق الضحايا في التقاضي». وأضاف أن «المنظمات الدولية والمدنية تستطيع التقدم بهذه الدعاوى، فيما نعمل بالتوازي مع أطراف أخرى لإسقاط اتفاقية العار». وأشار ملكي إلى أن المرحلة الأولى من المبادرة تستهدف اللبنانيين حاملي جنسية ثانية، لتمكينهم من رفع دعاوى في الدول التي يحملون جنسيتها وأمام المحاكم الدولية، وتشمل ملفات تتعلق بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، إضافة إلى جرائم الإبادة الجماعية.
أشار ملكي إلى أن اللجنة ستبدأ، بدءًا من الأول من تموز (يوليو)، استقبال طلبات المتضررين، على أن تُطلق لاحقًا منصة إلكترونية لاستقبال الدعاوى، في إطار حملة تمتد مئة يوم وتهدف إلى جمع مئة دعوى قضائية، مؤكدًا أن العمل القانوني «لن يتوقف قبل نهاية الاحتلال». وأضاف أن المبادرة تحظى بمشاركة محامين من فرنسا وإيرلندا وإندونيسيا وماليزيا وعدد من الدول الأوروبية.
من جهتها، أوضحت رئيسة «التحالف الدولي لعدم الإفلات من العقاب»، لينا الطبال، أن التحرك القانوني يستند إلى مبدأ الولاية القضائية العالمية، بما يتيح ملاحقة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجرائم التعذيب والإبادة الجماعية أمام المحاكم الوطنية المختصة، إضافة إلى العمل ضمن الآليات المتاحة أمام المحكمة الجنائية الدولية.
أكدت أن المبادرة تستند في مرحلتها الأولى إلى الدعاوى التي يمكن أن يتقدم بها اللبنانيون من حملة الجنسيات المزدوجة، معتبرة أنّ ذلك يشكل مدخلًا لملاحقة الجرائم التي ارتُكبت في جنوب لبنان، من قتل وتهجير وتدمير للمنازل والبنى التحتية والمعالم، وهي أفعال تندرج، وفق القانون الدولي، ضمن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.
رأت الطبال أنّ ما جرى في لبنان، كما في غزة، «يرقى إلى الإبادة الجماعية»، معتبرة أن إسرائيل «تسعى إلى محو معالم الجنوب اللبناني»، مشددة على أن المبادرة تهدف أيضًا إلى تسليط الضوء إعلاميًا وقانونيًا على هذه الجرائم، على غرار ما جرى في ملف غزة.
أكدت الطبال أنّ الاتفاق السياسي الذي وقّعته الدولة اللبنانية «لا يؤثر في مسار الدعاوى»، معتبرة أنه «ولد ميتًا» من الناحية القانونية، لأن الجرائم الدولية لا يمكن إسقاطها أو منح مرتكبيها حصانة عبر اتفاقات سياسية، كما أنها لا تسقط مع مرور الزمن. وأضافت أن التحالف يعمل على رفع دعاوى أمام النيابات العامة والمحاكم المختصة في فرنسا وإسبانيا وإيطاليا وغيرها من الدول التي تسمح قوانينها بملاحقة هذه الجرائم.