الغباء السياسي.. كيف تسقط الدول بأيدي قادتها؟

post-img

سعيد تركي فاضل

لا تحتاج الإمبراطوريات العظمى إلى جيوش جرارة لتسقط؛ يكفي فقط أن يُسلّم زمام أمرها إلى غباء سياسي مُحصّن بالسلطة، ليصنع بقرار واحد أعمى ما يعجز عنه أعتى الأعداء.

تاريخيًا، عرّفت المؤرخة الأمريكية باربرا تاكمان في كتابها الشهير «مسيرة الحمق» الغباء السياسي بأنه: «ممارسة سياسات تتعارض بجلاء مع المصالح الذاتية للدولة أو الجهة التي تقودها، رغم توفر بدائل أخرى واضحة ومجدية». وهذا ما يتقاطع في علم النفس السياسي الحديث مع «متلازمة الغطرسة» التي تصيب القادة بعد تمكنهم من السلطة لفترة طويلة، حيث يتداخل لديهم مفهوم مصلحتهم الشخصية بمصلحة الدولة، وتصيبهم شبه عزلة عن الواقع الإنساني. وهنا يحضر قول ألبرت أينشتاين ليعبر صراحة عن هذه الحال: «الجنون هو تكرار الفعل ذاته بالمعطيات نفسها، وانتظار نتائج مختلفة».

ينشأ الغباء السياسي عندما تُحتكر السلطة وتغيب المحاسبة؛ فكلما ضعفت الرقابة المؤسسية والشعبية، ازداد ميل صاحب القرار إلى تجاهل الحقائق، والاستماع إلى الأصوات المؤيدة فقط، حتى يصبح الخطأ سياسة تتكرر، بدل أن يكون درسًا يُصحح. وكما أن لمنتسبي قطاعٍ معينٍ سماتٍ تجمعهم ويُعرَفون بها، فإن هناك خصائص معينة يتمتع بها من يمكن تنسيبهم إلى «حزب الغباء السياسي»، ومن المفيد الوقوف على هذه الخصائص؛ لأنها تمثل مؤشرات تساعد على تمييز الغباء السياسي كلما ظهر في أي زمان أو مكان.

خصائص الغباء السياسي

يمكن تلخيص الخصائص الأساسية لمن يتصفون بالغباء السياسي في نقاطٍ عدة؛ وهي خصائص عابرة للجغرافيا والدين والعرق، كونها ظواهر إنسانية مجتمعية.

1. النرجسية

يكفي أن يكون السياسي مؤمنًا بأن الفكرة السياسية المقدمة من قبله هي الحق المطلق والوحيد، ليتعامل مع الوقائع الميدانية على أنها «عدو شخصي» لهذه الفكرة، رافضًا مجرد مناقشتها. وفي هذا السياق، يتجلى العمى النرجسي عندما تصطدم رغبات الحاكم بالأرقام والإحصاءات الحقيقية؛ فبدلًا من تعديل المسار بناءً على الحقائق، فتُكذَّب الأرقام، وتُطمس البيانات، تطويعًا لها في خدمة مخيلة الحاكم واعتماد رغبته الذاتية. إنهم ينسون ما يقره علم الإدارة الحديث بأن «الأرقام لا تكذب، ولكن البشر يوظفونها لخدمة أوهامهم». فالحاكم النرجسي لا يرى في الأرقام مؤشرًا للنجاح أو الفشل، بل يراها مؤامرة تهز عرشه المزعوم. خير من يمثل الحالة لنرجسية القصة المجازية التالية:

في ساحة مدينة «أورورا»، استبدل الحاكم النرجسي مكسيموس التماثيل التقليدية بمرآة عملاقة يرى فيها نفسه الوطن والدستور. ورغم الفقر والخراب المحيط بالناس، كان يقنعهم بأن أمان البلاد وازدهار اقتصادها يتلخصان فقط في قوة ملامحه وأناقة مظهره المنعكس على تلك المرآة.

2. فقاعة المستشارين

لدى المتمتعين بالغباء السياسي خاصية بارزة، وهي فن انتقاء المستشارين من الشخصيات المنافقة التي تجيد الإيماء بالموافقة، مقابل إقصاء أصحاب الكفاءات والعقول النقدية. وخير مثال على ذلك القصة التالية:

في الصين القديمة، أراد المستشار المنافق «تشاو غاو» اختبار مدى سيطرته على عقل الإمبراطور وولاء الوزراء، فأحضر أيلًا (غزالًا) إلى قاعة العرش وقال للإمبراطور «مولاي، لقد أحضرت لك حصانًا نادرًا!». تعجب الإمبراطور وقال «بل هو أيل!»، فالتفت المستشار إلى الوزراء، وسألهم عن رأيهم. وهنا انقسموا: المنافقون صرخوا فورًا «نعم، إنه حصان رائع يا مولاي!»، بينما أصحاب الكفاءة قالوا الحقيقة «بل هو أيل». لاحقًا، أعدم المستشار كل من قال الحقيقة، وأبقى فقط على «جوقة المنافقين». والنتيجة؟ عُزل الإمبراطور تمامًا عن الواقع، وكان مستشاره يقنعه بأن البلاد في أوج ازدهارها، بينما كانت جيوش الأعداء على أبواب العاصمة، ولم يستفق الإمبراطور من «وهمه» إلا والسيوف على عنقه، لتسقط إمبراطورية كاملة بسبب «فقاعة النعم».

3. فقدان مرونة التراجع

«الرجل الحكيم يغير رأيه عندما يكتشف أنه على خطأ، أما الجاهل فلا يغيره أبدًا» – إيمانويل كانط

في حزب الغباء السياسي، يُنظر إلى الاعتراف بالخطأ أو تعديل المسار على أنه «هزيمة شخصية» تخدش كبرياء الحاكم، وليس شجاعة سياسية. وهنا يقع السياسي في فخ «الجنون» الذي أشار إليه أينشتاين؛ فبدلًا من تغيير الخطط عند رؤية الهاوية لتفادي الكارثة القادمة بلا جدال، يندفع المصاب بالعمى الاستراتيجي إلى ضخ المزيد من موارد الأمة وأرواح أبنائها في الخطة الفاشلة ذاتها، مضحيًا بمستقبل البلاد والعباد لمجرد ألا يُقال إنه «تراجع».

كلما ارتفع ثمن الخطأ، ازداد تمسك السياسي الغبي به، لأنه أصبح يدافع عن صورته لا عن مصلحة الدولة. ويكفي هنا الاستشهاد بحرب فيتنام؛ فرغم التقارير الاستخباراتية المتكررة التي أشارت إلى استحالة تحقيق نصر حاسم، استمر صناع القرار في تصعيد الحرب سنوات طويلة، حتى انتهت بانسحاب الولايات المتحدة عام 1973 وسقوط سايغون عام 1975، لتغدو الحرب مثالًا كلاسيكيًا على كلفة الإصرار على سياسة ثبت فشلها.

4. نظرية المؤامرة لتبرير الفشل

تعتبر «نظرية المؤامرة» الخط الدفاعي الأخير والملجأ الآمن لأصحاب الغباء السياسي؛ فهي الشماعة الحاضرة بشكل دائم لرمي تبعات الفشل المزمن والقرارات الكارثية. عندها نصبح عالقين في فقاعة من الوهم، يختفي السؤال الجوهر «كيف وبسبب أي القرارات وصلنا إلى هنا؟»، وتُطمس سلسلة الأخطاء الاستراتيجية المتراكمة التي قادت الأمة نحو الهاوية. لا يكتفي السياسي الفاشل بتفسير كل إخفاق على أنه مؤامرة، بل يحول هذا التفسير إلى أداة تمنع أي مراجعة داخلية أو مساءلة حقيقية، فتتكرر الأخطاء وتتعطل عملية التعلم.

هذا التوظيف للمؤامرة لا يهدف إلى التبرير فحسب، بل له وظيفة أخطر من ذلك، ألا وهي قلب الأدوار؛ الذي أوصل الأمور إلى هذا الدرك يصبح في نظر نفسه هو «المظلوم»، وفي نظر أتباعه بطلًا يخوض معارك ضارية دفاعًا عنهم.

بين يدي النهاية: غياب المؤسسات والمحاسبة

قبل الختام، لا بد من القول إن غياب المؤسسات القادرة على المحاسبة وتصحيح الأخطاء التي يقع فيها أصحاب الغباء السياسي، يُعد النقطة المحورية التي تعجل بانهيار الكيانات. فوجود الرقابة المؤسسية هو الصمام الأساسي للحفاظ على كينونة الدول، واستمرارها، وحمايتها من خطر الاندثار.

خاتمة

الأمم لا تنهار لأنها تفتقر إلى الموارد، بل لأنها تعجز عن إنتاج قيادة تمتلك الحكمة والشجاعة للاعتراف بأخطائها وتصحيح مسارها. فالغباء السياسي ليس زلةً عابرة، بل مرضٌ مزمن يصيب الدولة عندما تتحول السلطة إلى دائرة مغلقة لا تسمع إلا صدى صوتها، وتعتبر النقد تهديدًا، والمراجعة ضعفًا، والتملق ولاءً.

حين يصبح الغباء نهجًا في إدارة الدولة، يتحول المستقبل إلى مقبرةٍ للأحلام، ويغدو الجهل فضيلة، والتملق معيارًا للكفاءة، ورفض المراجعة سياسةً راسخة. عندها يبدأ العدّ التنازلي لانحدار الأمم، مهما امتلكت من قوة أو ثروة أو نفوذ.

أخطر ما في الغباء السياسي أنه لا يكتفي بتدمير الحاضر، بل يرهن المستقبل أيضًا، لأنه يحرم الأمة من أهم عناصر بقائها وتقدمها: القدرة على التعلم من الأخطاء، والتكيف مع المتغيرات، وتصحيح المسار. فالتاريخ لا يعاقب الخطأ بحد ذاته، وإنما يعاقب الإصرار على تكراره.

لذلك، يبقى التفكير النقدي، والمساءلة، والمحاسبة، والقدرة على مراجعة السياسات وتصويبها، خط الدفاع الأول في مواجهة الغباء السياسي. فالأمم العظيمة ليست تلك التي لا تخطئ، بل تلك التي تمتلك الشجاعة للاعتراف بأخطائها، والإرادة لتصحيحها، والحكمة لتحويل التجربة إلى درس يبني مستقبلًا أكثر استقرارًا وعدالة.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد